أعلنت دائرة الآثار العامة الأردنية بدء الخطوات التنفيذية لإعادة بناء وترميم الجدار المنهار المحاذي لقلعة الكرك الأثرية في محافظة الكرك جنوب الأردن، بعد خمسة أشهر من انهياره، وذلك عقب نجاح الفرق الفنية في تجميع أكثر من 300 حجر أثري سقطت في الوادي المقابل للموقع تمهيدا لإعادة استخدامها في أعمال الترميم وفق الأسس الأثرية المعتمدة.
وأوضح المدير العام لدائرة الآثار العامة، فوزي أبو دنة، أن وعورة تضاريس المنطقة وعدم إمكانية وصول الآليات الثقيلة إلى الوادي استدعت نقل الأحجار يدويًا بالكامل بواسطة فرق العمل المختصة التابعة للدائرة ومديرية آثار الكرك.
وأشار إلى أن الظروف الجوية والأمطار الغزيرة التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية أسهمت في إعاقة عمليات التتبع والاسترجاع، إلا أن الفرق الفنية تمكنت مؤخرًا من تحديد مواقع الحجارة وتجميعها على امتداد يصل إلى نحو 70 مترًا، لافتًا إلى أنه جرى ترقيم الكتل الحجرية المتماسكة وفق أسس علمية دقيقة قبل تفكيكها ونقلها لضمان دقة إعادة البناء والحفاظ على القيمة الأثرية للموقع.
وتأتي هذه التحركات وسط مطالبات محلية متواصلة بالإسراع في إنجاز أعمال الترميم، خاصة مع استمرار إغلاق الطريق المحاذي للقلعة أمام حركة المركبات منذ وقوع الحادثة قبل خمسة أشهر.
وأكدت دائرة الآثار العامة الانتهاء من إعداد الدراسات الجيولوجية والهندسية اللازمة لفهم مسارات المياه ومعالجة أسباب الانهيار، مشيرة إلى أن المشروع وصل حاليًا إلى مرحلة طرح العطاءات واستدراج العروض التنفيذية تمهيدًا للبدء بأعمال إعادة البناء، بالتنسيق مع وزارة السياحة والآثار، والمجلس الوطني للبناء، واللجنة الإنشائية العليا، ونقابة المهندسين الأردنيين، والجمعية العلمية الملكية.
وتعد قلعة الكرك واحدة من أبرز المعالم الأثرية والتاريخية في الأردن، إذ يعود تاريخ الاستيطان في موقعها إلى عصور قديمة، وارتبطت المنطقة بمملكة مؤاب خلال العصر الحديدي، فيما ورد ذكر المدينة في المصادر التاريخية باسم" قير حارسة" أو" قير مؤاب".
كما أسهم موقعها الاستراتيجي على" طريق الملوك" التجاري القديم في تعزيز أهميتها السياسية والعسكرية عبر العصور المختلفة.
وشهد الموقع تحولًا كبيرًا عام 1142 ميلادية عندما أنشأ الصليبيون القلعة الحالية بقيادة بايان" باغان" خادم الملك فولك ملك القدس، وأطلقوا عليها اسم" كراك دي موآب"، لتصبح أحد أهم الحصون الصليبية في المنطقة ومركزًا رئيسيًا للتحكم في طرق التجارة وقوافل الحج بين مصر وبلاد الشام والحجاز.
وبعد معركة حطين عام 1187، تعرضت القلعة لسلسلة من الحملات والحصارات انتهت باستعادتها على يد صلاح الدين الأيوبي عام 1188، لتدخل مرحلة جديدة من تاريخها الإسلامي.
وفي العصر المملوكي، حظيت القلعة باهتمام كبير، خاصة في عهد السلطان الظاهر بيبرس الذي عمل على ترميم تحصيناتها وتعزيز دفاعاتها، لتصبح مركزًا إداريًا وعسكريًا مهمًا في جنوب بلاد الشام.
وتضم القلعة مجموعة واسعة من المنشآت الدفاعية والمعمارية التي تعكس تعاقب الحضارات عليها، من الأبراج والأسوار والقاعات والممرات والسراديب وآبار المياه الضخمة، إلى جانب معالم تعود إلى الفترتين الصليبية والمملوكية، ما يجعلها واحدة من أهم القلاع التاريخية في منطقة الشرق الأوسط، وشاهدًا حيًا على قرون طويلة من الصراعات والتحولات السياسية والحضارية في المنطقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك