أصدرت الروائية بينديتا تشيبرارو Benedetta Cibrario روايتها rossovermiglio، في خريف عام 2008، وترجمتها نيرمين وجيه حكيم إلى العربية بعنوان" أحمر قرمزي" (المركز القومي للترجمة 2026)، مع أن العنوان الأصلي يشير إلى علامة نبيذ إيطالي مشهورة عالمياً، هي" روسوفيميللو".
وتقوم الرواية على نجاح بطلتها في إدارة إنتاج هذه الماركة، المطلوبة في أوروبا وأميركا، ومن ثم تنقذ إرث عائلتها من الضياع.
تتداخل الأحداث والأزمنة، وتتقاطع مرويات بطلة الرواية مع مرويات راوٍ عليم عن فترة زمنية تمتد من عام ولادتها (1910) وحتى وفاتها وقد تخطت الـ80 من عمرها، مروراً عبر تقنية الاسترجاع بأحداث تأسيس عائلتها في النصف الثاني من القرن الـ19.
البطلة نفسها عاصرت الحربين العالميتين، وخلف موت شقيقها الوحيد وهو في عمر الـ24 سنة جرحاً عميقاً في نفسها.
أما أمها فكانت شديدة التشبث حتى نهاية عمرها بمتطلبات الحياة الأرستقراطية، ولذلك كانت تتحدث الإنجليزية فحسب، " بنبرة متقنة تحاكي بنات اللوردات وبطلات شكسبير الشهيرات".
تدرك البطلة في أيامها الأخيرة أن المسافة التي تفصل بين الواقع والظاهر، وبين الصواب والخطأ، وبين الحقيقة والكذب، " يمكنها أن تكون قريبة جداً" ص 384، لكنها عندما قررت أخيراً أن تصارح خادمها" دينو" بكونها أمه (من علاقة غير شرعية) وجدته غير مستعد لتصديق ذلك، " سيدتي الكونتيسة، كان يومنا طويلاً، فلنترك علاقات القرابة للغد.
اذهبي إلى فراشك، سيدتي وسأبقى ساهراً أمام باب غرفتك".
ترغم أناقة الأرستقراطية وصرامتها في إقليم بيمونتي امرأة شابة على العيش في تعاسة بسبب زواجها المدبر، غير أن قدرها يضع في طريقها الرجل الجذاب الغامض" تروت" فيبدو الأمر وكأنها استيقظت من سحر كان يطمس على عقلها.
كل شيء أخذ في التغيير داخل المجتمع الإيطالي وأيضاً بداخلها، وعلى رغم أنها عصرية للغاية بحيث لا تستطيع أن تتكيف في خنوع وتمضي في الطريق الذي شقته لها الأسرة، فغنها كانت هشة ومضطربة وهي تعيش تمردها".
مؤسس العائلة وهو والد جدة بطلة الرواية، يدعى" كيغي"، صنع ثروته من عمله في مناجم الفضة في البيرو (أميركا الجنوبية) في القرن الـ19، لكن في ظل النظام الفاشي والمآسي التي خلفتها الحرب العالمية الثانية، اتخذت إجراءات قلصت نفوذ طبقة الإقطاعيين، كانت الأسرة تعرض ممتلكاتها للبيع شيئاً فشيئاً، " غير أن سوء الفهم الكبير كان لا يزال قائماً يحجب الرؤية، ألا وهو الاقتناع بالامتياز والتميز هل من أجل هبة إلهية؟ والاقتناع بأنه سيكون هناك دوماً وفرة من المال؟ ".
تقع ممتلكات الأسرة في ريف مدينة سيينا، وتحديداً في بلدة سان بياجو، " التي تتشابك الأساطير في شأن نشأتها في العصور الوسطى، فهناك أسطورة تقول إنها نشأت كمنزل ريفي، بينما تقول أخرى إنه في القرن الـ17 كانت تعقد فيها اجتماعات السحرة الليلية، ويؤكد هذا الافتراض ذلك الضباب الشتوي الذي يرمي على الطبيعة مسحة شيطانية.
وهناك من يقول إن سكان البلدة هجروها فتحولت إلى أنقاض وأطلال إلى أن امتلكها أحد أفراد عائلة كيغي وضمها إلى حقوله وأراضيه الخاصة، " 200 هكتار من الغابات الكثيفة الصالحة لصيد الحيوانات فقط".
اجتث كيغي الغابة فحصل على منحدرات يمكن استغلالها كأرض زراعية.
تتذكر الكونتيسة وهي عجوز أن إيطاليا" تكونت، ثم أعيد تكوينها، فبعد الدوقات العظماء جاءتنا عائلة سافوي ثم الجمهورية، وفي أثناء ذلك الحروب والجوع".
تبدأ أحداث الرواية في خريف عام 1928 بزواج الكونتيسة من الكونت فرنشيسكو فيلافورستا، وقد اختارته من قائمة مرشحين عرضها عليها والدها لتوقعها أنه" سوف يسمح لي بتربية خيولي الأصيلة، فهو يحب الخيول والحياة الرياضية".
كانت في الـ19 من عمرها بلا خبرات، " يتكشف النظام الفاشي أمام عيني اللتين يظهر فيهما ضجر المراهقة مثل نهار لا نهاية له، ينقضي في الشرفة من أجل حضور مسرحية هزلية بقيادة السيد موسوليني القط، الذي يجد متعة وهو يرى الأعلام ترفرف، تماماً كما يستمتع غلام مدعٍ متعجرف.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)وتعبر جدتي عن شناعة وقبح ما تلحظ، وهي ترى السيد موسوليني ليس فقط واضعاً يديه في جيبه، وإنما مرتدياً سترة من اللون الرمادي الفاتح" ص 145.
طباخ الأسرة" أنجيلو"، عمل لديها منذ أن كان في الـ10 من عمره وحتى رحيله عن 74 سنة، في تلك الأيام كنا نذهب للتصويت من أجل اتخاذ قرار بالبقاء من عدمه في الملكية.
بالتأكيد كنا نتطلع إلى تغيير كبير، حتى وإن كانت الحرب قد عودتنا على تغييرات مباغتة.
أما الجمهورية، ماذا كانت تعني؟ من منا كان يعلم معناها؟ " ص 155.
أما مسؤول الزراعة" أودوني"، الذي قضى سنين عمره وهو يحاول أن يظهر بمظهر الشخص القوي ذي البأس والرجولة في سترته التي أحكم غلق أزرارها، " كان ينتظر حتى يرى موسوليني في ميدان لوريتو ليفصح أخيراً في شجاعة عن أنه كان لا يحب النساء، وجعله هذا يتخلص من عبء كثيراً ما أثقل كاهله وأثقل كاهلي أنا أيضاً، إذ لم أعد مضطرة للتظاهر بأنني لم أفهم طبيعته".
بمرور الوقت تحولت محمية العائلة التي تشغل أحد تلال سان بيياغو إلى خراب لإهمالها من جانب العائلة التي كانت تقيم في تورينو، وبعدما قررت الكونتيسة الانفصال عن زوجها من دون طلاق كنسي، انتقلت لتعيش في البلدة التي أسسها والد جدتها، ومع الوقت تحولت إلى سيدة أعمال مرموقة، بعدما استعانت بخبير في زراعة أجود أنواع الكروم، لكنه سرعان ما ترك البلدة بعدما حملت منه الكونتيسة.
كانت تصل إلى البلدة باستمرار أخبار عن مذابح في كل أرجاء توسكانا، " إذ كان الألمان المنسحبون يصبون غضبهم على النساء والعجائز والأطفال بصورة تتزايد يوماً.
لقد قصفوا المدرسة قبل عام ومنذ ذلك الحين وأنا أجعل من بيتي ملاذاً لمن يحتاج" ص 168.
وهكذا لم تبتعد الكونتيسة فيلافورستا أبداً من المحمية ولا حتى في أسوأ لحظات القصف أو التمشيط خلال أعوام الحرب العالمية الثانية، إذ سمحت لأطفال مدرسة ابتدائية بالإقامة في منزلها وكل من طلب منها معونة لم تبخل عليه بأية مساعدة معنوية أو مادية.
أما زوجها الذي انفصلت عنه في ذروة تمردها على الحياة الأرستقراطية، فوصفها في رسالة سرية إلى محامٍ كلفه بمراقبتها بأنها" امرأة هاربة من عصر ومن عالم لم تواتها شجاعة الانصياع لأحكامه وقواعده ولا حتى تغييرها" ص 353.
لم يكن للسيدة فيلافورستا خبرة إطلاقاً في مجال زراعة العنب وفن صناعة النبيذ، لكنها أصرت على أن تحول" المحمية" إلى أرضٍ زراعية منتجة وتدر ربحاً.
في تلك الأثناء كان زوجها قد خسر أموالاً طائلة بسبب أشجار الكروم التي أصابها مرض أدى إلى جفافها، " وهي أموال أكثر بكثير مما خسره في السباقات واللعب".
هذا الزوج لم يُستدع للحرب" بفضل علاقاته الاجتماعية وبفضل مبالغ مالية كبيرة قدمها لمصلحة القضية التحررية الليبرالية" ص 349.
ولدت بينيديتا تشيبرارو في فلورنسا وقضت طفولتها وصباها في تورينو.
عاشت طويلاً في إنجلترا، لكنها مرتبطة بصفة خاصة بإقليم توسكانا الذي تعيش فيه حالياً.
وفازت عن روايتها" أحمر قرمزي" بجائزة campiello.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك