فليعذرني القارئ إن قلت إن حديث الأحداث التي تمر بها المنطقة في هذه الأيام، ليس بأولى من أن نُثبت في السرد الوطني، ونُخلّد في الذاكرة الوطنية، هذا الحراك المجتمعي النبيل في إظهار الولاء لسيدي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه؛ فإن الخبر يُروى ثم يُنسى، والحدث يعلو ثم يخبو، أما الولاء إذا رسخ في الصدور، وتوارثته البيوت والدهور، فهو تاريخٌ لا يُمحى، وعهدٌ لا يُنسى.
فبهذا الولاء تشتد عُرى الوحدة، وبهذه المحبة تلتئم الصفوف، وبرعاية جلالته الأبوية الجامعة نمضي ثابتين إلى برّ الأمان، لا تزعزعنا عواصف الحاضر، ولا تفزعنا صروف الزمان.
فالأوطان لا تحفظها الحدود إن تفرقت القلوب، ولا تصونها القوة إن تصدعت الصفوف؛ وإنما يحفظها شعبٌ حول قيادته ملتف، وعهدٌ في الضمائر مستقر، وولاءٌ في المواقف ظاهر، وصفٌّ عند الملمات متماسك.
وليست الأمم بما تبسطه من أرضٍ فحسب، ولا الدول بما ترفعه من بنيانٍ وحسب؛ فرب أرضٍ اتسعت وضاق بها أهلها، ورب دولةٍ علت مبانيها وخوت معانيها.
وإنما تُعرف الأمم بما تُرزق من قائدٍ إذا اضطربت الآراء سدّدها، وإذا اشتبهت السبل بيّنها، وإذا ادلهمّت الخطوب واجهها؛ قائدٍ راجح الرأي، نافذ البصيرة، سديد المسيرة.
وسيدي جلالة الملك المعظم هو حكيم العرب في عصرٍ تتسارع متغيراته فلا تستقر، وتتضارب مصالحه فلا تأتلف، وتتزاحم تحدياته فلا تنحسر؛ لما اجتمع في جلالته من حكمةٍ تهدي القرار، وحسن تدبيرٍ يُحسن الاختيار، وبُعد نظرٍ يستشرف الآتي، وثبات موقفٍ لا يلين عند اشتداد الخطر، ولا يختل ميزانه عند احتدام الأمر.
ففي عهده لم تكن النهضة وعداً يُقال، بل واقعاً يُرى، ولم تكن التنمية شعاراً يُرفع، بل عملاً يُنجز، وأثراً يُحفظ، ومجداً يُضاف إلى مجد.
شهدت مملكة البحرين في عهده الزاهر تحديثاً للدولة، وترسيخاً للمؤسسات، وتعزيزاً لمكانة الوطن، حتى غدت محدودة المساحة عظيمة المكانة، كبيرة الأثر، حاضرة القرار، مشهودةً في الاقتصاد والتنمية والتعليم والصحة والثقافة والدبلوماسية.
وما كان ذلك ليكون لولا قيادة جلالته، ورؤيةٌ أدركت أن قوة الدول لا تُقاس بما تختزنه الأرض من ثروات، بل بما تختزنه العقول من طاقات؛ وأن بناء الإنسان يسبق تشييد البنيان، وأن دوام الإنجاز أبقى من لمعان الإنجاز.
ولذلك مضت مملكة البحرين على نهجٍ يجمع بين الأصالة والتجديد، ويوازن بين الثبات والتطوير، ويحفظ الهوية من غير انغلاق، ويفتح أبواب المستقبل من غير انسلاخ؛ حتى غدت تجربتها نموذجاً في الاعتدال، ومثالاً في التحديث، وقصة نجاحٍ تجاوز صداها حدود المكان إلى رحابة التأثير والبيان.
ولئن كان الساسة يُعرفون بما يقولون، فإن القادة العظام يُعرفون بما ينجزون.
وقد سطّر جلالته في سجل الوطن صفحاتٍ ناصعةً من العمل والبناء والعطاء، حتى اقترن اسمه في وجدان البحرينيين بالأمن بعد القلق، وبالفرج بعد الضيق، وبالإنجاز بعد التحدي، وبالأمل حين يشتد العسر ويطول الانتظار.
فما من ميدانٍ من ميادين النهضة إلا وفيه بصمةٌ من قيادته، ولا من منجزٍ وطنيٍ كبير إلا وعليه أثرٌ من رؤيته، أو ثمرةٌ من حكمته.
ومن هنا لا يُستغرب ما نشهده هذه الأيام من مظاهر الولاء الصادق، والتعبير العفوي، والحراك المجتمعي الواسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولا ما نراه من بيانات العوائل البحرينية ورسائلها وكلماتها وصورها ومبادراتها؛ فذلك كله ليس صدى مناسبةٍ عابرة، ولا استجابةً لحالةٍ طارئة، وإنما هو غيضٌ من فيض المحبة في القلوب، وقطرةٌ من بحر الوفاء في النفوس، ولسانٌ ناطقٌ بما استقر في الصدور، وشاهدٌ صادقٌ على ما توارثته البيوت والدهور.
إنها مشاعر نمت في أعوام الثقة، وترسخت في أيام العطاء، وتجلّت في مواقف القرب والرعاية؛ حتى غدا القائد قريباً من شعبه، وغدا الشعب يرى في قائده أباً يرعى، وقلباً يحنو، ويداً تحمي.
ومن أصدق ما يعبّر عن هذا الشعور الجامع ما يردده أبناء البحرين في عهودهم ومواثيقهم: نعاهد سيدي جلالة الملك المعظم على بيعةٍ لا تنقضي، وولاءٍ لا ينثني، وطاعةٍ راسخةٍ ما بقي في الصدر نَفَسٌ، وفي القلب نبضٌ حيّ؛ نرقب أمره بعين الوفاء، ونفديه بالأرواح عند النداء، ونبقى على العهد أبناءَ دارٍ أوفياء، كما كان آباؤنا، وكما سيكون أبناؤنا، جيلاً بعد جيل، وعهداً يتلوه عهد، بإذن الله.
وما بين قائدٍ وفيٍّ وشعبٍ وفيّ، تُبنى الأوطان، وتدوم المسيرات، وتُصان المكتسبات.
وتبقى مملكة البحرين، بعون الله، دار عزٍ وأمان، وموطن نهضةٍ وامتنان، تحت قيادةٍ حكيمةٍ جعلت الإنجاز عادة، والحكمة قيادة، ومحبة الناس أعظم شهادة.
وإذا كانت الأمم تفتخر بتاريخها، فإن البحرين تفتخر بتاريخها وحاضرها، وتستبشر بمستقبلها؛ لأن حاضرها شاهدٌ على حكمة قائدها، ومستقبلها ثمرةٌ من ثمار رؤيته، وولاء شعبها له وفاءٌ لمن وفّى، ومحبةٌ لمن أحب الوطن وأعلى شأنه، فاستحق من الوطن حبّه، ومن الشعب عهده وولاءه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك