أثير- د.
زاهر بن بدر الغسيني أكاديمي مُتخصص في التفاعل الثقافي والعالم الإسلاميسؤالٌ يفتح نافذة على نموذج دبلوماسي مختلف في العلاقات الدولية، حيث تُبنى القوة على تراكم هادئ للثقة وإدارة دقيقة للتوازنات في بيئة إقليمية ودولية عالية التعقيد، وفي هذا السياق، تبرز سلطنة عُمان بوصفها نموذجًا دبلوماسيًا ذا طابع مُتفرد، إذ تُظهر تجربتها كيف يمكن للثقة أن تتحول من قيمة معنوية إلى مورد سياسي مؤثر داخل النظام الدولي، وقد تشكَّل هذا الموقع عبر مسار طويل من الممارسة السياسية المتزنة التي صاغت حضورًا دبلوماسيًا يرتكز على إدارة علاقات متوازنة ومتزامنة مع أطراف متباينة دون أن تمسَّ مصداقيتها لدى أي منها.
ولم يكن هذا الموقع نتاج ظرف سياسي عابر أو توازنات مرحلية مؤقتة، بل حصيلة تراكم مستمر للموثوقية تشكَّل عبر سلوك سياسي ودبلوماسي اتَّسم بالاتساق والقدرة على التكيف دون التفريط في الثوابت الأساسية، وقد انعكس هذا الحضور بوضوح في الأدوار التي اضطلعت بها سلطنة عُمان في عدد من ملفات الوساطة الإقليمية، وفي قدرتها على الحفاظ على قنوات الاتصال بين أطراف متباينة خلال فترات التصعيد والانفراج على حد سواء، ويمكن تفسير هذه القدرة من خلال مفهوم “الاستقرار السلوكي للدولة”، أي: انتظام الفعل السياسي عبر الزمن بصورة تجعل سلوك الدولة مفهومًا وقابلًا للتوقع لدى الفاعلين الآخرين، إذ لا تُبنى الثقة في العلاقات الدولية على التصريحات أو المواقف الظرفية، بل على تراكم الخبرة في التعامل مع الدولة واختبار أنماط سلوكها عبر الزمن، وكلما ازداد الاتساق بين الخطاب والممارسة، ارتفعت قدرة الدولة على إنتاج الثقة بوصفها بنية إدراكية مستقرة في أذهان الآخرين، تتحول تدريجيًا إلى أساس للقبول السياسي.
ومن المؤشرات الكاشفة عن رسوخ هذه البِنية الدبلوماسية وتماسك مرتكزاتها المؤسسية أن سلطنة عُمان لم تنخرط - عبر مختلف مراحل تطور سياستها الخارجية - في تحويل السجالات الإعلامية أو حملات التشكيك والانتقاد المتبادلة التي تبرز في بعض المِنصات الإعلامية أو فضاءات التواصل الاجتماعي إلى جزء من أدوات ممارستها الدبلوماسية أو محددات سلوكها الخارجي، فحتى في الحالات التي صدرت فيها قراءات إعلامية أو تصريحات سياسية من أطراف دولية فاعلة - بما في ذلك قوى كبرى كالولايات المتحدة الأمريكية - اتَّسم الأداء الدبلوماسي العُماني بالاتزان وضبط الإيقاع السياسي، مُحافظًا على نمطه التفاعلي الهادئ القائم على استيعاب السياقات الأوسع بدلًا من الاستجابة الانفعالية للمواقف أو المضامين الإعلامية المتداولة، بما يعكس درجة عالية من الثبات في إدارة الاستجابة السياسية، إذ تنطلق الدبلوماسية العُمانية من تصور مؤسسي يرى أن المجال الإعلامي - رغم تأثيره في تشكيل الانطباعات وصياغة التصورات العامة - يظلُّ مجالًا متقلبًا تحكمه اعتبارات آنية ومتغيرات سريعة لا تصلح لأن تكون أساسًا مرجعيًا لتوجيه الخيارات الإستراتيجية للدولة، أو إعادة صياغة أولوياتها الخارجية.
ومن هذا المنطلق، حافظتْ سلطنة عُمان على الفصل بين منطق إدارة العلاقات الدولية ومنطق التفاعل الإعلامي، وظلَّ الخطاب السياسي العُماني أقرب إلى مقاربة تراكمية تتجنب المناكفات العلنية، وتمنح الأولوية لاستمرارية قنوات التواصل والحوار بما يُعزز صورة عُمان بوصفها فاعلًا دبلوماسيًا يتعامل مع التحولات الدولية من منظور إستراتيجي هادئ، لا من منظور ردود الأفعال الظرفية أو الاعتبارات الإعلامية المؤقتة، ويمكن فهم الهدوء العُماني بوصفه امتدادًا مباشرًا لمبدأ الاستقرار السلوكي للدولة، وتجسيدًا لثقة مؤسسية ترى أن التأثير في العلاقات الدولية لا يُقاس بكثافة الاستجابات، وإنما بقدرة الدولة على ترسيخ الاتساق في سلوكها عبر الزمن، وفي مختلف مستويات التفاعل السياسي والإعلامي والدبلوماسي.
وعند الانتقال إلى تفسير الكيفية التي تتحوَّل بها الثقة المتراكمة إلى تأثير سياسي في البيئة الدولية، يبرز مفهوم القوة الناعمة لدى جوزيف ناي بوصفه أحد الأطر التفسيرية الأكثر أهمية لفهم مصادر النفوذ غير المادي في العلاقات الدولية.
وينطلق هذا التصور من افتراض أساسي مفاده أن القوة لا تُقاس فقط بامتلاك أدوات الإكراه أو الموارد المادية، وإنما تتجسَّد كذلك في القدرة على الجذب وكسب القبول الطوعي لدى الآخرين، وتستند هذه القدرة إلى مجموعة من المرتكزات، في مقدمتها: الثقافة، والقيم السياسية، والسياسة الخارجية عندما تُنظر إليها بوصفها شرعية ومتسقة مع المبادئ التي تعلنها الدولة، غير أن القيمة التفسيرية الأعمق لهذا المفهوم لا تكمن في وجود هذه المقومات بحد ذاتها، بل في الكيفية التي تُدرك بها من قبل الفاعلين الآخرين؛ إذ إن التأثير السياسي لا ينشأ تلقائيًا من امتلاك مصادر الجاذبية، وإنما من نجاح الدولة في ترسيخ صورة ذهنية تجعل سلوكها ومواقفها محل ثقة وقبول ومشروعية في الإدراك الخارجي دون حاجة إلى أدوات الضغط أو الإكراه.
وفي الحالة العُمانية، تعمل هذه العناصر ضمن بنية أوسع قوامها الاستقرار السلوكي والتفاعل الثقافي، فالثقافة السياسية العُمانية القائمة على التوازن وتجنب الاستقطاب تمنح الدولة جاذبية هادئة لكنها مستمرة، بينما تُترجم القيم السياسية إلى ممارسة مُتسقة تستند إلى الحوار وتفضيل الحلول التفاوضية.
بناءً عليه، يمكن تعريف القوة الناعمة السياسية العُمانية بأنها قدرة عُمان على إنتاج التأثير من خلال الموثوقية المتراكمة، والتفاعل الثقافي المستمر، والقبول الإدراكي لدى الآخرين، بما يجعلها طرفًا قادرًا على التواصل مع أطراف متباينة في الوقت نفسه دون أن تفقد توازنها أو حيادها الإيجابي.
أمَّا من حيث “التفاعل الثقافي”، فإن العلاقات الدولية لا تُفهم بوصفها تفاعلات مادية فحسب، بل بوصفها شبكات من المعاني والإدراكات المتبادلة التي تتشكل عبر الزمن، فالثقافة لا تعمل كموروث ثابت، بل كإطار يُولد أنماطًا من الفهم والتوقع ويُعيد تشكيل إدراك الآخرين للدولة وسلوكها، وهنا تصبح الثقافة مصدرًا مباشرًا لإنتاج ما يمكن تسميته بـ“الشرعية الإدراكية“، أي: تلك الصورة المستقرة التي تتكون لدى الفاعلين الآخرين حول مشروعية الدور السياسي للدولة ومصداقيته، وتتجلََّى هذه الشرعية في الحالة العُمانية في قدرة الدولة على بناء حضور سياسي يُنظر إليه بوصفه مُتزنًا وقادرًا على إدارة التباين دون تصعيد، ومن خلال هذا التفاعل المستمر بين الثقافة والسلوك السياسي، يتشكَّل ما يمكن تسميته بـ“رأس المال التفاعلي“، وهو الرصيد غير المادي الذي يتراكم عبر الزمن نتيجة استمرارية العلاقات وتعدد مستويات التواصل، وهذا الرصيد لا يمنح الدولة فقط قدرة على الحركة داخل بيئات متناقضة فحسب، بل يمنحها أيضًا “نفوذًا توافقيًا” يستند إلى القدرة على إيجاد مساحات مشتركة بين أطراف متباينة عوضًا عن فرض اتجاه محدد عليها، وتتجلََّى هذه البنية بوضوح في ملفات أمن الملاحة في مضيق هرمز، إذ برزت عُمان كفاعل محوري في النقاشات الدولية حول أمن الممرات البحرية، ففي ظل التوترات الإقليمية حافظت مسقط على خطاب دبلوماسي يعتمد على مفاهيم جامعة مثل: “حُريَّة الملاحة” و“الأمن المشترك“، ولم يكن هذا الخطاب مُجرد صياغة دبلوماسية، بل انعكاسًا لبنية إدراكية تسعى إلى تقليل الاستقطاب وإعادة تشكيل إدراك الصراع، وتُظهر هذه التجربة أن القوة الناعمة السياسية لا تتجلى في الخطاب فقط، بل في القدرة على إنتاج تأثير فعلي داخل بيئة دولية معقدة، فالقوة الناعمة السياسية العُمانية تتَّضح بوصفها حصيلة تفاعلٍ عضوي بين الثقافة السياسية والاستقرار السلوكي للدولة، بما يُنتج شرعية إدراكية راسخة لدى الفاعلين الدوليين، ويمنحها في الوقت ذاته نفوذًا توافقيًا داخل النظام الدولي يقوم على القبول والموثوقية.
ويمكن القول إن التجربة الدبلوماسية العُمانية لا تُفهم بوصفها سلسلة من المواقف المتفرقة أو الاستجابات اللحظية، بل بوصفها نسقًا متماسكًا يرتكز على انتظام الفعل السياسي وتراكم أثره عبر الزمن، بما يجعل من هذا الاتساق مصدرًا لإنتاج الثقة داخل النظام الدولي.
وفي هذا الإطار، يضطلع التفاعل الثقافي بدور الوسيط الذي ينقل هذه الثقة من مستوى الممارسة إلى مستوى الإدراك، من خلال إعادة تشكيل صورة الدور العُماني بوصفه حضورًا متزنًا يمكن التعويل عليه في البيئات المعقدة.
ومن ثَمَّ، تتحدَّد إجابة سؤال العنوان في أن القوة الناعمة السياسية العُمانية تتشكَّل من تفاعل ثلاث دوائر مترابطة: سلوك دبلوماسي منتظم يُنتج الثقة، وثقة تتحول إلى إدراك مستقر لدى الفاعلين الدوليين، وتفاعل ثقافي يُعيد صياغة هذا الإدراك في صورة قبول وشرعية عملية، ولا تتشكَّل القوة الناعمة السياسية العُمانية من الموارد الثقافية أو الممارسات الدبلوماسية كلٌّ على حدة، بل من التفاعل المستمر بين استقرار السلوك السياسي والتفاعل الثقافي؛ إذ تُنتج الممارسة المتسقة الثقة، بينما يمنحها التفاعل الثقافي قابلية الانتشار والترسخ في إدراك الفاعلين الدوليين، فتتحوَّل إلى مصدر للقبول والاعتبار والقدرة على التأثير بما يُعزز مكانة عُمان بوصفها شريكًا موثوقًا وفاعلًا يحظى بالاعتبار داخل النظام الدولي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك