في إطار الديناميكية التي تعرفها الدبلوماسية الجزائرية، تشهد العلاقات العسكرية الجزائرية مع عدد من دول الخليج العربي حركية متنامية خلال السنوات الأخيرة، تجسدت في سلسلة من الزيارات رفيعة المستوى التي تعكس توسع الانفتاح العسكري الجزائري وتعزيز حضوره في الفضاء الخليجي.
وفي هذا السياق، شارك الفريق أول السعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، في عدة محطات بارزة شملت الدوحة خلال جانفي 2022 ثم فيفري 2023، والرياض في فيفري 2024، والكويت في نوفمبر 2024، قبل أن يعود إلى الدوحة في جانفي 2026 للمشاركة في معرض “ديمدكس 2026″، وهو ما يعكس ديناميكية متصاعدة في التعاون العسكري والدفاعي بين الجزائر وشركائها الخليجيين.
بهذا الاتجاه، تندرج زيارة الفريق أول السعيد شنقريحة إلى مسقط بتاريخ 31 ماي 2026 ضمن هذا التوجه الاستراتيجي، غير أنها تحمل أبعادًا أعمق بالنظر إلى المكانة الخاصة التي تحتلها العلاقات الجزائرية–العُمانية.
فقد جاءت الزيارة في سياق الزخم الذي أعقب الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون إلى سلطنة عُمان، والتي فتحت آفاقًا جديدة للتعاون السياسي والاقتصادي والأمني، وأسست لمرحلة متقدمة من الشراكة بين البلدين.
يستند هذا التقارب إلى رصيد تاريخي من الثقة والتفاهم السياسي، إذ حافظت الجزائر وسلطنة عُمان على مواقف متقاربة تجاه العديد من القضايا العربية والإقليمية والدولية، انطلاقًا من تمسكهما بمبادئ السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واعتماد الحوار والحلول السلمية لتسوية النزاعات.
كما يشترك البلدان في رؤية دبلوماسية تقوم على الاعتدال والحياد الإيجابي، ما جعل العلاقات الجزائرية– العُمانية نموذجًا للتعاون العربي المتوازن القائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
ويستند هذا التقارب إلى رصيد تاريخي من الثقة والتفاهم السياسي، إذ حافظت الجزائر وسلطنة عُمان على مواقف متقاربة تجاه العديد من القضايا العربية والإقليمية والدولية، انطلاقًا من تمسكهما بمبادئ السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واعتماد الحوار والحلول السلمية لتسوية النزاعات.
كما يشترك البلدان في رؤية دبلوماسية تقوم على الاعتدال والحياد الإيجابي، ما جعل العلاقات الجزائرية– العُمانية نموذجًا للتعاون العربي المتوازن القائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، ومرشحة للارتقاء إلى مستوى شراكة إستراتيجية أكثر شمولًا خلال السنوات المقبلة.
ومن خلال تتبع أهمّ المحطات الخليجية التي زارها الفريق أول السعيد شنقريحة، قائد أركان الجيش الشعبي الوطني نائب وزير الدفاع من الدوحة في جانفي 2022 وفيفري 2023 وجانفي 2026، إلى الرياض في فيفري 2024، ثم الكويت في نوفمبر 2024، وصولا إلى مسقط في 31 ماي 2026، يتضح أن المؤسسة العسكرية الجزائرية تنتهج دبلوماسية دفاعية نشطة ومتوازنة تستهدف توسيع شبكة الشراكات الإستراتيجية وتعزيز الحضور الجزائري في الفضاء الخليجي.
وتشكل الزيارة الرسمية التي قام بها الفريق أول السعيد شنقريحة إلى سلطنة عُمان يوم 31 ماي 2026 والتي دامت إلى غاية 4 جوان محطة جيوسياسية متقدمة في مسار العلاقات الدفاعية بين البلدين، إذ تعكس انتقال التعاون الجزائري– العُماني من مستوى التنسيق الثنائي التقليدي إلى مستوى الشراكة الأمنية الإستراتيجية متعددة الأبعاد، فقد استُقبل شنقريحة لدى وصوله إلى مسقط من طرف كبار المسؤولين العسكريين في قوات السلطان المسلحة، يتقدمهم مسؤولون سامون من رئاسة أركان الجيش العُماني، إلى جانب سفير الجزائر لدى مسقط، في استقبال عسكري رسمي يعكس رمزية الحدث ووزنه الاستراتيجي.
وقد شملت أجندة الزيارة سلسلة لقاءات رفيعة المستوى، أبرزها المحادثات مع الفريق الركن بحري عبد الله بن خميس الرئيسي رئيس أركان قوات السلطان المسلحة، إضافة إلى لقاءات مع مسؤولين في وزارة الدفاع العُمانية، وركّز الجانبان على سبل تطوير التعاون في مجالات التدريب المشترك، وأمن الحدود، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والأمن البحري، وحماية الممرات الإستراتيجية.
تجاوز حجم المبادلات التجارية بين البلدين160 مليون دولار، مع توجه مشترك نحو مضاعفته خلال السنوات المقبلة عبر إطلاق مشاريع استثمارية كبرى.
ويبرز في هذا السياق مشروع إنتاج الأمونيا والأسمدة بأرزيو بقيمة تقارب 2.
4 مليار دولار، باعتباره أحد أبرز المشاريع الإستراتيجية المشتركة، إلى جانب فرص واعدة في مجالات الغاز والبتروكيمياء والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والخدمات اللوجستية.
ومن الناحية الجيوسياسية، تعكس هذه الزيارة سعي الجزائر إلى ترسيخ نموذج “الدبلوماسية الدفاعية المتوازنة”، القائم على تنويع الشراكات دون الانخراط في تحالفات عسكرية مغلقة، مقابل تموضع سلطنة عُمان كفاعل إقليمي يعتمد سياسة خارجية هادئة قائمة على الوساطة وبناء الجسور بين الأطراف المختلفة.
ويمنح هذا التقاطع في الرؤى بعدًا استراتيجيًّا للعلاقة الثنائية، يجعلها جزءًا من معادلة الاستقرار الإقليمي في محيط عربي شديد التعقيد.
كما تبرز أهمية الزيارة في كونها امتدادًا لمسار سياسي متنام بين البلدين الشقيقين خلال الفترة 2024- 2025، عقب زيارة الرئيس عبد المجيد تبون إلى مسقط (28–30 أكتوبر 2024)، وزيارة الدولة التي قام بها السلطان هيثم بن طارق إلى الجزائر (4–5 ماي 2025)، ما مهّد لانتقال العلاقات إلى مستوى أعمق يشمل البعد الأمني والعسكري.
وبالمناسبة كرّم الجانبُ العماني الفريق أول السعيد شنقريحة عبر منحه وسامًا عسكريًّا رفيعًا ودروعًا تذكارية شرفية تقديرًا لدوره في تعزيز التعاون الدفاعي بين البلدين، وأشرف على هذا التكريم كبار مسؤولي قوات السلطان المسلحة خلال مراسم رسمية تعكس عمق العلاقات الثنائية.
كما تسلم درعًا رمزيًّا باسم المؤسسة العسكرية العُمانية، في دلالة واضحة على الاعتراف المتبادل بأهمية الشراكة الدفاعية.
العلاقات الثنائية: تعاونٌ وانسجامتُعدُّ العلاقات بين الجزائر وسلطنة عُمان من العلاقات الثنائية الراسخة التي بُنيت على أسس الاحترام المتبادل والتفاهم السياسي والتقارب الحضاري.
وقد تعزز هذا المسار منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين سنة 1973، وهي المحطة التي شكلت الانطلاق الفعلي للتعاون الثنائي في مختلف المجالات.
وفي إطار ترسيخ هذه العلاقات، فُتحت سفارتان في كل من الجزائر ومسقط خلال النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، بما أتاح إقامة قنوات دائمة للحوار والتشاور السياسي، وساهم في تطوير التعاون الثنائي على أسس مؤسساتية مستقرة.
ومنذ ذلك التاريخ، حافظ البَلدان على مستوى منتظم من التنسيق الدبلوماسي داخل الأطر العربية والإسلامية والدولية، خاصة في القضايا المرتبطة بالسلم والأمن الإقليميين، واحترام سيادة الدول، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية.
ويستمد هذا التقارب قوته من انسجام الرؤى السياسية بين البلدين، إذ تُعرف الجزائر وسلطنة عُمان بانتهاجهما سياسة خارجية متوازنة تقوم على الحياد الإيجابي والحوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
وقد مكّن هذا التوافق من بناء رصيد مهم من الثقة السياسية، انعكس في انتظام المشاورات الدبلوماسية وتبادل الزيارات الرسمية وتنسيق المواقف داخل جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والأمم المتحدة.
تستند العلاقات إلى إرث حضاري غني، إذ تُعرف سلطنة عُمان بتاريخها البحري العريق ودورها التاريخي في ربط الحضارات والتبادل التجاري والثقافي عبر المحيط الهندي، كما عُرفت بسياسة الانفتاح والتسامح والتعايش.
ويجد هذا البعد صداه في الجزائر التي تمتلك بدورها عمقًا حضاريًّا وثقافيًّا متنوعًا.
وقد ساهم هذا التقارب في تعزيز التعاون بين الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الثقافية، إضافة إلى تنامي الاهتمام المتبادل بالتراث والفكر والحوار الحضاري.
اقتصاديًّا، ورغم أن حجم المبادلات التجارية لا يزال دون مستوى الإمكانات المتاحة إذ لا يتجاوز 200 مليون دولار، فإن البلدين يمتلكان فرصًا واسعة لتوسيع التعاون في مجالات الطاقة والبتروكيمياء والصناعات التحويلية والنقل البحري والخدمات اللوجستية والأمن الغذائي.
كما يمثل الموقع الجغرافي للجزائر على الضفة الجنوبية للمتوسط، وموقع عُمان الاستراتيجي على بحر العرب والمحيط الهندي، عاملًا مهمًّا في بناء شراكة اقتصادية قادرة على الربط بين الأسواق الإفريقية والمتوسطية والخليجية والآسيوية.
أما ثقافيًّا، فتستند العلاقات إلى إرث حضاري غني، إذ تُعرف سلطنة عُمان بتاريخها البحري العريق ودورها التاريخي في ربط الحضارات والتبادل التجاري والثقافي عبر المحيط الهندي، كما عُرفت بسياسة الانفتاح والتسامح والتعايش.
ويجد هذا البعد صداه في الجزائر التي تمتلك بدورها عمقًا حضاريًّا وثقافيًّا متنوعًا.
وقد ساهم هذا التقارب في تعزيز التعاون بين الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الثقافية، إضافة إلى تنامي الاهتمام المتبادل بالتراث والفكر والحوار الحضاري.
خطوط روحية مشتركة بين البلدينيُعزَّز هذا البعد الثقافي والديني في العلاقات الجزائرية– العُمانية بخصوصية التجربة السياسية والاجتماعية في سلطنة عُمان، التي قامت تاريخيًّا على مبدأ التسامح الديني ونبذ خطاب الكراهية، وترسيخ ثقافة التعايش بين مختلف المكونات المذهبية.
وقد عمل السلطان الراحل قابوس بن سعيد منذ بداية النهضة العُمانية الحديثة على ترسيخ نموذج ديني معتدل يقوم على احترام التعدد المذهبي داخل المجتمع، دون إقصاء أو تمييز.
وقد تجسدت هذه الرؤية في سياسات تشريعية ومؤسساتية أكدت على وحدة المجتمع العُماني، ومنعت كل أشكال التحريض الطائفي أو خطاب الكراهية، بما جعل من عُمان نموذجًا عربيًّا فريدًا في إدارة التنوع الديني بهدوء وتوازن.
وفي المقابل، اتجهت الجزائر بدورها إلى تكريس هذا التوجه من خلال مقاربة قانونية ومؤسساتية واضحة، حيث سنّت قانون مكافحة التمييز وخطاب الكراهية في الجزائر، الذي يهدف إلى حماية النسيج الاجتماعي وتعزيز قيم المواطنة والمساواة بين جميع المواطنين دون تمييز ديني أو جهوي أو فكري.
ويكشف هذا التقاطع بين التجربتين الجزائرية والعُمانية عن وجود أرضية قيمية مشتركة تقوم على احترام التنوع الديني والمذهبي، وترفض تحويل الاختلافات الفكرية إلى أدوات للصراع أو الإقصاء.
كما يبرز هذا التشابه في الرؤية دور الدولة في ضبط المجال الديني والإعلامي بما يحفظ السلم الأهلي ويعزز الاستقرار الاجتماعي.
يُظهر النموذج العُماني في إدارة التنوع الديني والثقافي، كما تبلور منذ عهد السلطان الراحل قابوس بن سعيد، أنه ليس مجرد خيار سياسي ظرفي، بل رؤية دولة متكاملة تقوم على فلسفة “الاستقرار عبر التسامح المؤسسي”.
فقد أسس هذا النهج لتوازن دقيق بين الهوية الدينية للمجتمع العُماني، متعددة المذاهب، وبين متطلبات الدولة الحديثة، إذ جرى تحويل الاختلاف المذهبي من مصدر محتمل للتوتر إلى عنصر إثراء اجتماعي وثقافي.
وتجسّد هذا التوجه عمليًّا في المنظومة القانونية، وعلى رأسها قانون الجزاء العُماني (المرسوم السلطاني رقم 7/2018) الذي جرّم صراحةً أفعال التحريض على الكراهية والتمييز، واعتبرها أفعالًا ماسَّة بالنظام العامّ والسلم الاجتماعي، إضافة إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (المرسوم السلطاني رقم 12/2011) الذي وسّع نطاق الحماية ليشمل الفضاء الرقمي، في مواجهة خطاب الكراهية العابر للمنصات الرقمية ووسائل التواصل الحديثة.
تجسدت هذه الرؤية في سياسات تشريعية ومؤسساتية أكدت على وحدة المجتمع العُماني، ومنعت كل أشكال التحريض الطائفي أو خطاب الكراهية، بما جعل من عُمان نموذجًا عربيًّا فريدًا في إدارة التنوع الديني بهدوء وتوازن.
وفي المقابل، اتجهت الجزائر بدورها إلى تكريس هذا التوجه من خلال مقاربة قانونية ومؤسساتية واضحة، حيث سنّت قانون مكافحة التمييز وخطاب الكراهية في الجزائر، الذي يهدف إلى حماية النسيج الاجتماعي وتعزيز قيم المواطنة والمساواة بين جميع المواطنين دون تمييز ديني أو جهوي أو فكري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك