العربي الجديد - أزمات تضرب المنتخبات قبل كأس العالم 2026... من شرقي إلى جماهير تونس قناة القاهرة الإخبارية - الكابوس الأكبر يتحقق.. كيف هزت الهوية الزرقاء لمنفذ هجوم المحطة أركان حكومة نتنياهو؟ Euronews عــربي - طريق هتلر السريع الشبح بطول 70 كيلومترا: أطول أطلال الطرق السريعة في ألمانيا القدس العربي - الأردن: ضغوط على رئيس الحكومة… تعديل وزاري أم تغيير أوسع؟ وكيف يستفيد الإسلاميون؟ التلفزيون العربي - التلفزيون العربي يكشف تفاصيل العملية.. ما أهمية منطقة كوخاف يائير؟ قناة القاهرة الإخبارية - معادلة القمع والرد.. فشل القبضة الأمنية لـ بن جفير في احتواء جيل المواجهة الجديد بفلسطين| تغطية خاصة الجزيرة نت - تذاكر بـ9 آلاف دولار واستنفار أمني.. نهائي السلة الأمريكي يسرق الأضواء من المونديال بحضور ترمب قناة الغد - إسرائيل: منفذ إطلاق النار قرب الطيبة كان شخصًا واحدًا وتم تحييده الجزيرة نت - وزير تركي: تريليون دولار هدر في غذاء العالم سنويا العربي الجديد - مصرف قطر المركزي يعلن عن تعديلات جديدة في الأوراق النقدية
عامة

من ويستفاليا إلى الذكاء الاصطناعي.. التحولات الكبرى في مفهوم السيادة

الجزيرة نت
الجزيرة نت منذ 1 ساعة

السيادة من تجلياتها الأولى إلى عصر الذكاء الاصطناعي والحروب السيبروفيزيائيةيحيلنا تتبع مسار مفهوم السيادة في متون الفكر السياسي والقانوني إلى أنها لم تكن يوما مقولة ناجزة أو فكرة مكتملة، بل تشكلت عب...

السيادة من تجلياتها الأولى إلى عصر الذكاء الاصطناعي والحروب السيبروفيزيائيةيحيلنا تتبع مسار مفهوم السيادة في متون الفكر السياسي والقانوني إلى أنها لم تكن يوما مقولة ناجزة أو فكرة مكتملة، بل تشكلت عبر مسار تاريخي طويل ومعقد، تداخلت فيها التأملات الفلسفية مع التأصيلات الدينية والقانونية، وتقاطعت عندها الرهانات الجيوسياسية والفكرية مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، مما أفرز مفهوما غنيا بالدلالات والمعايير المتغيرة التي تم توظيفها لخدمة مصالح متباينة عبر مختلف الحقب التاريخية.

فلسفيا يذكر العديد من الباحثين أن تجليات مفهوم السيادة الأولى كانت في محاولات" أفلاطون" 427-347 قبل الميلاد، حينما ربط الحكم المثالي بالعدالة المطلقة، ثم عند" أرسطو" 384-322 قبل الميلاد، الذي صاغ تصورا عن السلطة العليا داخل البوليس (المدينة)، معتبرا أن غاية الدولة هو تحقيق الخير الأسمى، مستندا في ذلك إلى الأخلاق" النيقوماخية" التي جعلت السعادة والحياة الفاضلة الغاية القصوى للوجود الإنساني.

ومن خلال العصور الوسطى الأوروبية، انتقل مفهوم السيادة إلى طور التأصيل القانوني، وهي الفترة التي شهدت تنافسا مستمرا على السيادة بين ثلاث قوى رئيسية: السلطة الروحية ممثلة في البابوية، والسلطة الزمنية المركزية التي جسدتها الإمبراطورية الرومانية المقدسة والملوك، إلى جانب السلطة المحلية التي تمثلت في الإقطاعيين والأمراء المحليين.

في هذا الإطار، شكل فكر أوغسطينوس 430-354، إحدى الركائز التأسيسية للبعد الأخلاقي والأيديولوجي للسلطة من خلال ربطه شرعية الحكم بالعدالة الإلهية، ثم جاء لاحقا توما الأكويني 1274-1225، ليضفي على ملامحها نظرية القانون الطبيعي باعتباره حلقة وصل بين الإرادة الإلهية والعقل الإنساني.

ومع نضوج هذه التصورات وتصاعد حدة التوترات بين الكرسي الرسولي في روما والسلطات الزمنية الأوروبية التي بلغت ذروتها خلال الانشقاق الغربي العظيم 1378- 1417، وهي الفترة التي كانت فيها (أفينيون، روما، وبيزا) تتنافس على السيادة الروحية؛ برز اللاهوتي الفرنسي جان غيرسون من خلال سعيه إعادة صياغة العلاقة بين البابوية والمجمعية.

ظلت فكرة خضوع البابا للمجمع جذابة للملكية الفرنسية والملكيات الأوروبية الأخرى، وهو الأمر الذي اضطر معه البابا يوجينيوس الرابع إلى الدخول في تسويات إقليمية مع الملوك الأوروبيين عرفت باسم الكونكورداتوفي أزمة مجمع كونستانس 1418-1414، عندما فر البابا يوحنا الثالث والعشرون بهدف تعطيل أعمال المجمع وتدخل الإمبراطور" سيغيسموند" الداعم، ألقى غيرسون خطبته الشهيرة في المجمع" امشوا بينما النور معكم"، ممهدا الطريق أمام صدور المرسوم التاريخي Haec sancta synodus، الذي نص على أن المجمع يمثل الكنيسة الجامعة ويستمد سلطته مباشرة من المسيح.

ذلك المرسوم كما يوضح فرنسيس أوكلي Francis Oakley، كان اللحظة التي بلورت الفكر الدستوري داخل الكنيسة، لكن هذا الفكر الذي يستند على أن السيادة النهائية تعود إلى جماعة المؤمنين مجتمعين لا إلى شخص البابا، أثارت حفيظة الباباوات اللاحقين فسعوا جاهدين لتحذير الحكام العلمانيين من أن المبادئ الكونسيلية تهدد نفوذ الملوك.

ومع ذلك ظلت فكرة خضوع البابا للمجمع جذابة للملكية الفرنسية والملكيات الأوروبية الأخرى، وهو الأمر الذي اضطر معه البابا يوجينيوس الرابع إلى الدخول في تسويات إقليمية مع الملوك الأوروبيين عرفت باسم الكونكوردات، أقرت بحقوق الحكومات في إدارة شؤونها الكنسية المحلية مقابل اعترافها الشكلي بالسلطة العليا للبابا.

في أواخر القرن السادس عشر، ارتقت فكرة السيادة إلى مستوى الترسيم القانوني الصارم على يد الفقيه الفرنسي جان بودان 1596-1530، الذي عرف السيادة بأنها" السلطة المطلقة والدائمة للدولة"، مؤكدا على وحدتها وعدم قابليتها للتجزئة أو التفويض، وقد جاء ذلك في سياق سياسي مضطرب سعت فيه السلطة الملكية الفرنسية إلى ترسيخ مكانتها في مواجهة التصدعات الإقطاعية والحروب الدينية.

ولاحقا، طور توماس هوبز 1679-1588، هذا التصور جاعلا السيادة تجسيدا لإرادة الجماعة في شخص الحاكم عبر عقد اجتماعي يضمن الأمن والأمان.

وفي صلح" ويستفاليا" العام 1648، جرى تكريس هذا الحدث بوصفه مهد مفهوم السيادة الحديثة وميلادها، حيث حولته الأدبيات السياسية والقانونية الغربية إلى أسطورة ونقطة تحول فارقة، انتقل فيها مفهوم السيادة من حيز التنظير الفلسفي والقانوني إلى مرتبة المبدأ المؤسس للنظام الدولي الحديث.

ويعَد" ليو غروس" Leo Gross، من أبرز من رسخوا هذا التصور الكلاسيكي في مقالته الشهيرة العام 1948، واصفا الصلح بأنه" البوابة المهيبة التي تقود العالم القديم إلى العالم الجديد".

وعلى ذات السياق، يرى" هنري كيسنجر" Henry Kissinger، في كتابه" النظام العالمي" World Order أن ويستفاليا مثل اللحظة المؤسسة للنظام الدولي الحديث القائم على سيادة الدولة وتوازن القوى، معيدا بذلك إنتاج الرواية نفسها التي قدمت قبل أكثر من نصف قرن.

لكن هذا التصور التقليدي تعرض للنقد منذ النصف الثاني من القرن العشرين من خلال تحليلات أعادت تفكيك الأسطورة الويستفالية في ضوء مقاربات تاريخية ومعرفية جديدة.

فبحسب ديريك كروكستون Derek Croxton، فإن من يدرس نصوص صلح ويستفاليا- وهو الاسم الشائع لمعاهدتي" مونستر" و" أوسنابرويك" - يصاب بخيبة أمل، إذ لا يجد فيها بيانا واضحا لمبدأ السيادة.

من خلال قراءة تحليلية متأنية للسياق التاريخي المحيط بصلح ويستفاليا، يتبين أن الصلح كان الحل السياسي لواحدة من أكثر الحروب الدينية تدميرا في أوروبا (حرب الثلاثين عاما 1648-1618)أما بيتر ستيرك Peter Stirk، فيذهب إلى أن الرؤية السائدة ليست سوى أسطورة تأسيسية متأخرة النشوء، مؤكدا أن معاصري الصلح لم ينظروا إليه على أنه ثورة فكرية أو سياسية، بل كحل براغماتي هدفه إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل حرب الثلاثين عاما المدمرة.

أما بالنسبة للافتراض القائل بأن ويستفاليا أحدث بالفعل تغييرا ثوريا في بنية العلاقات الدولية والقانون الدولي، فإن ما يفنده هو أن فقدان المؤسسات العالمية المهيمنة في العصور الوسطى (البابوية والإمبراطورية الرومانية المقدسة) كانت نتيجة عملية تدريجية بدأت قبل صلح ويستفاليا بوقت طويل، ومع ذلك فقد استمرت الإمبراطورية الرومانية المقدسة في الوجود لأكثر من قرن ونصف بعد الصلح.

من خلال قراءة تحليلية متأنية للسياق التاريخي المحيط بصلح ويستفاليا، يتبين أن الصلح كان الحل السياسي لواحدة من أكثر الحروب الدينية تدميرا في أوروبا (حرب الثلاثين عاما 1648-1618)، وقد جاءت معاهداتي" مونستر وأوسنابروك" كإقرار باستحالة إعادة فرض الوحدة الدينية الكاثوليكية على أوروبا، كما أن وقائع المفاوضات في ويستفاليا تكشف استمرار هيمنة البنى الهرمية التقليدية على النسق السياسي الأوروبي وتصدر النزاعات البروتوكولية والتنافس على الأسبقية والمكانة.

هذا بالإضافة إلى أن المفهوم القانوني المهيمن على نصوص المعاهدات لم يكن" السيادة" بالمفهوم الحديث، بل" الحق الإقليمي" أو" الولاية القضائية الإقليمية" المحدودة في إطار الإمبراطورية الرومانية المقدسة التي احتفظت بمرونتها وهيبتها لأكثر من قرن ونصف بعد الصلح.

وبالتالي فإن تلك المعاهدات لم تكن لترقى إلى مستوى المفهوم الحديث للسيادة، ناهيك عن المساواة السيادية.

وإذا كانت الأسطورة الناشئة" ويستفاليا" قد شغلت مركز السردية الأوروبية، فإن تجارب حضارية أخرى قدمت تصورات لتنظيم السلطة والسيادة تختلف عن المفاهيم الأوروبية للدولة ككيان إقليمي ذي حدود ثابتة وجهاز بيروقراطي؛ ففي جنوب شرق آسيا على سبيل المثال، جسد مفهوم" ماندالا" بنية مغايرة، تعكس من الناحية الدينية والفلسفية التوحد بروح عليا للحماية من القوى المدمرة، ومن الناحية السياسية فهو اتحاد رأسي بين الملك والإله واتحاد أفقي مع الإقليم، بحيث تعرف الدولة بمركزها لا بحدودها الإقليمية الثابتة.

فكانت السيادة والسلطة تقاسان بعدد الخاضعين للمركز لا بحدود مرسومة، وينطبق هذا أيضا على الدولة الإسلامية منذ نشأتها، وإن بدرجة أعلى من المرونة، سواء في مفهوم السيادة المستندة إلى مفهومي الخلافة والبيعة، أو في مفهوم الحدود المرتبط أساسا بتمييز دار الإسلام عن دار العهد.

مايكل هاردت" و" أنطونيو نيغري"، أن السيادة الحديثة رغم انبثاقها داخل أوروبا، فإنها ولدت وتطورت إلى حد كبير من خلال علاقة أوروبا مع محيطها، ولا سيما عبر مشروعها الاستعماري ومقاومة الشعوب المستعمرة لهإذن، ومن خلال ما سبق يمكن الجزم أن ويستفاليا بمكوناته وتعقيداته التاريخية لا يدعم الربط المتأخر بينه وبين مبدأ المساواة في السيادة بين الدول أو نشأة المفهوم الحديث للسيادة، إذ لم يكرس هذا الربط فعليا إلا مع نهايات القرن التاسع عشر، قبل أن يبلغ ذروته بعد الحرب العالمية الثانية مع مقالة" غروس".

عندئذ تحول الصلح من حدث تاريخي بالغ التعقيد إلى مرجعية رمزية وأداة خطابية تستدعى لإضفاء الشرعية للدول تحت مظلة النظام العالمي الجديد.

ومع انتصاف القرن التاسع عشر واستهلال الحقبة الاستعمارية الثانية المرتكزة أساسا على الهيمنة الاقتصادية والثقافية، استلهمت القوى الأوروبية التراتبية الهرمية والمفاهيم التي تولدت لاحقا من صلح ويستفاليا لصالح المشروع الإمبريالي الأوروبي بعد أن أضافت عليها صبغة انتقائية مزدوجة.

فبينما تمتعت القوى الاستعمارية بسيادة مطلقة على أراضيها ومجتمعاتها، مارست في المقابل عملية إنكار منهجية لسيادة الشعوب على بلدانها ومواطنها، مستندة إلى بنية معرفية استشراقية مفادها أن المجتمعات المستعمرة تفتقر إلى النضج السياسي لممارسة الحكم الذاتي أو تأسيس الدولة الحديثة.

ولتكريس هذه الازدواجية، جرى توظيف منظومة واسعة من الأيديولوجيات العنصرية، كان من أبرزها مفهوم" العبء الأبيض"، الذي قدم الغزو الاستعماري باعتباره مهمة حضارية وأخلاقية تهدف إلى إدارة الشعوب الهمجية وتهيئتها لحكم نفسها في مستقبل بعيد.

في هذا السياق، قدم" أنيبال كيخانو"، قراءة عميقة لمفهوم" كولونيالية السلطة"، موضحا أن نشوء العالم الجديد كان في أمريكا، ومعتبرا أن أحداثها شكلت اللحظة التأسيسية الأولى للحداثة الغربية، حيث ارتبط ظهورها بتكون نمط جديد من السلطة ذي طابع كوني يقوم على تداخل العرق ورأسمال والمعرفة ضمن بنية واحدة، وبناء على ذلك جرى ترميز الفروق بين الغزاة والمغلوبين في مفهوم العرق بوصفه مبدأ منظما للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وبذلك أعيد تنظيم العالم وفق تسلسل هرمي عنصري منح الأوروبيون موقع السيادة والهيمنة على نطاق كوني.

من جهتهما: يرى" مايكل هاردت" و" أنطونيو نيغري"، أن السيادة الحديثة رغم انبثاقها داخل أوروبا، فإنها ولدت وتطورت إلى حد كبير من خلال علاقة أوروبا مع محيطها، ولا سيما عبر مشروعها الاستعماري ومقاومة الشعوب المستعمرة له، وهكذا ظهرت السيادة الحديثة بوصفها مفهوما مزدوجا يتفاعل فيه وجه الهيمنة الأوروبية ووجه المقاومة داخل حدود القارة وخارجها في آن واحد، أي حكم أوروبا لذاتها، والحكم الأوروبي للعالم.

وفي هذا الإطار، يقدم الأكاديمي الإيراني" حميد دباشى"، قراءة نقدية لا يرى فيها أن أفكار إيمانويل كانط (1804-1724) وجورج هيجل (1831-1770)، بوصفها أعمالا فلسفية معزولة، وإنما يضعها داخل سياق تاريخي وسياسي باعتبارها جزءا من المنظومة الفكرية التي بررت التوسع الاستعماري الأوروبي.

فمن خلال تفكيك مفهوم" الذات العارفة" الكانطية، يكشف" دباشي" عن كيفية تحولها من ادعاء كوني مجرد إلى ذات متجسدة تاريخيا وثقافيا تحمل في طياتها التراتبية العرقية التي تضع الأوروبي في قمة السلم الحضاري، وبالتالي تحول الكونية الفلسفية المزعومة إلى أداة لإقصاء الآخر وتبرير وصايته الأخلاقية والمعرفية، أما في حالة" هيجل" فيرى دباشي: أن الهيمنة انتقلت من العقل إلى التاريخ وأن هيغل صمم جغرافيا للتاريخ تجعل من أوروبا المحطة الأخيرة لاكتمال الوعي البشري، فمن خلال كتاباته عن (شمس الغرب) تم نفي الحضارات الشرقية والإسلامية إلى هامش التاريخ واعتبارهما مجرد مراحل بدائية تم تجاوزها، ومن ثم فإن هذا التصور لم يكن وصفا للواقع بقدر ما كان أداة أيديولوجية تجعل من التبعية للغرب قدرا تاريخيا لا مفر منه.

ومن ثم، يمكن القول بأن الحداثة الأوروبية لم تنتج مفهوم السيادة بوصفها مبدأ للمساواة السياسية، بقدر ما صاغته كآليه لإعادة ترميز العالم وفق تراتبية عرقية وحضارية تكرس تفوق المركز الأوروبي وتعيد إنتاج التبعية والهيمنة على نطاق عالمي.

سعت بعض الدول إلى ابتكار إستراتيجيات سيادية جديدة تعزز بها حضورها داخل النظام العالمي، كالانخراط في التكتلات الاقتصادية لتحقيق أمن غذائي أو تكنولوجي ذاتي، أو استغلال التنافسات الجيوسياسية الإقليمية لتحقيق مكاسب وإن كانت محدودةهذا التصور المتمركز حول الذات الأوروبية لم يصمد طويلا، حيث أخذ في التصدع إثر وقوع القوى الإمبريالية في فخ" ثوسيديدس"، الذي قاد إلى الحروب العالمية ومهد لصعود حركات التحرر الوطني في القرن العشرين التي أعادت تعريف السيادة من كونها امتيازا إمبرياليا إلى كونها حقا إنسانيا جماعيا يتجسد في مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، ثم تحولها المتسارع إلى معيار ناظم للعلاقات الدولية؛ قوامه أن الدولة هي الفاعل المركزي صاحب السلطة العليا في إطار المساواة الشكلية بين الدول، حتى وإن ظلت ممارسات القوة الفعلية خاضعة لتراتبيات الهيمنة العسكرية والاقتصادية.

وفي مرحلة ما بعد الاستعمار، تكشف هشاشة الصرح القانوني الوليد للسيادة أمام التحولات العميقة التي شهدتها المنظومة الدولية خلال الحرب الباردة وما بعدها.

فالعديد من الدول المستقلة حديثا ورثت هياكل سيادية شكلية تفتقر إلى المقومات الفعلية للسيادة الوطنية المستقلة، وسرعان ما وجدت نفسها سريعا أمام التبعية الأيديولوجية والاقتصادية للمعسكرين الشرقي والغربي من جهة، ورحى التصدعات الداخلية في نسيجها الاجتماعي من جهة أخرى.

ورغم ذلك، شهدت مرحلة ما بعد الاستعمار نشوء مؤسسات وطنية سعت إلى ترسيخ نموذج الدولة الحديثة وفق المرجعية الأوروبية، فظهرت الجيوش النظامية باعتبارها رموزا للسيادة والاستقلال، وتأسست بيروقراطيات مركزية ودساتير حديثة تعلن وحدة الإقليم واحتكار العنف والسلطة الشرعية.

في هذا السياق، لم يكن فرض النموذج الأوروبي للدولة القومية المستند إلى سردية الإرث الويستفالي كشرط للاعتراف بسيادة وشرعية الدول، سوى آلية لتكريس الهيمنة في ثوب قانوني ومؤسسي جديد.

وكما تجادل" بوغدانوفا" Е.

Г.

Богданова، فقد نقل مفهوم السيادة الويستفالية إلى دول شرق آسيا عبر القنوات التعليمية والأيديولوجية الغربية التي روجت لتلك المفاهيم بوصفها المعيار الدولي لشرعية السلطة.

وقد أدى تبني تلك الدول لنماذج الحكم الويستفالية العلمانية إلى زعزعة أنماط السلطة التقليدية دون القضاء عليها كليا، إذ احتفظت الحكومات بتلك الآلية المؤسسية بهدف ضمان الاعتراف الدولي والاستفادة من مزايا النظام العالمي، مثل المساعدات الإنسانية وشبكات التجارة العالمية، مع تجنب الذوبان الكامل في القيم الغربية.

وهكذا، تبلورت المفارقة السيادية الأساسية: سيادة قانونية يعترف بها دوليا في العلن، تقابلها تبعية هيكلية يعاد إنتاجها في الخفاء.

ومع انقضاء الموجة التحررية وتبلور النظام الدولي الليبرالي الجديد، كانت القوى الإمبريالية قد أعادت تموضعها في شكل جديد من الهيمنة عبر تدشين مرحلة العولمة.

وعوضا عن الاحتلال العسكري المباشر نشأت منظومات أكثر مؤسسية ونعومة تعتمد على اقتصاد السوق والتكنولوجيا والمعرفة وسلاسل الإمداد، حيث أدوات السوق والمؤسسات المالية الدولية والتدفقات المعلوماتية الوسيلة الأبرز للهيمنة والنفوذ.

وفي مواجهة هذا التحول، سعت بعض الدول إلى ابتكار إستراتيجيات سيادية جديدة تعزز بها حضورها داخل النظام العالمي، كالانخراط في التكتلات الاقتصادية لتحقيق أمن غذائي أو تكنولوجي ذاتي، أو استغلال التنافسات الجيوسياسية الإقليمية لتحقيق مكاسب وإن كانت محدودة.

وكما يذكرنا أنطوني أنغي Antony Anghie، فإن هذه الجهود لا تختلف في جوهرها عن محاولات تاريخية سابقة قامت بها دول مثل إثيوبيا وتايلند والصين لحماية استقلالها ضمن نظام قانوني صاغته القوى الإمبريالية لخدمة مصالحها.

الفضاء الرقمي ليس منزوع السيادة، بقدر ما كان منذ نشأته حقلا معقدا لصراع سيادي تتشابك داخله الدولة والسوق والتقنية والفاعلون فيه ضمن علاقات القوة المتغيرة، وتتنازعه قوى كبرى بروايات متباينةفبينما استخدم حكام إثيوبيا الدبلوماسية والمواجهة العسكرية، نجح ملوك تايلند في تجنب الاستعمار عبر موازنة النفوذ البريطاني والفرنسي وتوظيف التنافس بينهما لصالحهم، فيما سعت الصين إلى توظيف المفاهيم الأوروبية المعلنة لتقييد سلوك الدول الغربية، ولو أنها أجبرت في النهاية على توقيع" معاهدة" نانكينغ" 1842، التي نزعت عنها أجزاء من سيادتها.

وباتساع ظاهرة العولمة في تسعينيات القرن العشرين، زاد انكشاف الدول أمام التدفقات المالية والمعلوماتية العابرة للحدود، وأدى تصاعد نفوذ الشركات متعددة الجنسيات والمنظمات فوق الوطنية إلى تقلص إرادة الدولة على التحكم في سياساتها النقدية والاقتصادية، وتآكل مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول بفعل العقوبات الدولية والأطر المؤسساتية التي تحتكرها القوى الكبرى.

وهنا، يعتبر ساياموف Саямов Ю.

Н، أنه في المنظمات فوق الوطنية تعتمد سيادة الدول المشاركة واستقلال سلوكها على مدى استبداد المنظمة وبيروقراطيتها وخضوعها لتأثير الدول التي تشغل مناصب قيادية فيها.

وعليه، فقد نشأ هامش سيادي تفاوضي في مرحلة ما بعد الاستعمار مكن الدول من إعادة تعريف السيادة وفق مصالحها وظروفها.

وبينما بات من المسلمات أن العولمة قد دشنت مرحلة وسيطة أزاحت خلالها الأسواق والمؤسسات المالية والكيانات فوق الوطنية جزءا من مركز الثقل السيادي عن الدولة، جاءت الثورة الرقمية المدعومة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي لتعمق هذا التحول بشكل غير مسبوق.

ففي الثامن من فبراير/شباط 1996، نشر جون بيري بارلو Barlow, J.

P، إعلان استقلال الفضاء الإلكتروني (أول Trend في العالم الافتراضي)، اتسم بنزعة عدائية واضحة تجاه سلطة الدولة ومفعما بإيمان راسخ بقدرة الشبكات الرقمية على التنظيم الذاتي بعيدا عن أي تدخل تشريعي أو سيادي.

بيد أن هذا المخيال النظري الحالم أساء التقدير العميق ببنية هذا العالم الافتراضي الناشئ وطبيعة تحولاته.

فالفضاء الرقمي ليس منزوع السيادة، بقدر ما كان منذ نشأته حقلا معقدا لصراع سيادي تتشابك داخله الدولة والسوق والتقنية والفاعلون فيه ضمن علاقات القوة المتغيرة، وتتنازعه قوى كبرى بروايات متباينة: فالصين تشدد على سيطرة الدولة على المحتوى، فيما الاتحاد الأوروبي يسلك مسارا تنظيميا قائما على سياسات تصنيعية وتنظيمية رقمية تحت مظلة حماية الحقوق الأساسية.

في المقابل، اتجهت الولايات المتحدة، خاصة مع تصاعد التوترات مع الصين إلى توظيف السياسة الصناعية كآلية للحفاظ على تفوقها في التقنيات الناشئة.

بينما ما زالت الإنسانية أسيرة عدم اليقين، أدى تصاعد الحروب والعمليات السيبروفيزيائية إلى تغيير قواعد المواجهات العسكرية التقليدية التي باتت تستهدف البنية المادية والرقمية والطاقة والاتصالات والوعي الجمعي في آن واحدأخيرا ونحن على أعتاب النصف الثاني من العقد الثاني للقرن الحادي والعشرين، أثبتت التجارب أن السيادة لم تكن أبدا مفهوما صلدا أو حالة استاتيكة مرتبطة فقط بالأرض والحدود واحتكار السلطة والعنف كما كان متخيلا، بل ممارسة أدائية بحراك ديناميكي نعبر عنها" بالانزياح السيادي" الإيجابي التفاوضي أو السلبي القهري، حيث تختبر باستمرار في مختبر العلاقات الدولية، وتقاس بالقدرة على الصمود والمناورة داخل فضاء عالمي تتجاوز فيه القرارات حدود الجغرافيا.

هذه الديناميكية تتجلى اليوم بشكل أكثر تحولا لتشمل البنية التحتية الرقمية، ومراكز البيانات، والكابلات البحرية والخوارزميات وأنظمة الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، في عالم تحولت فيه الشركات العملاقة من مجرد كيانات اقتصادية إلى بنى شبه سيادية تمتلك بيانات مليارات البشر، وتتحكم في تدفق المعرفة والاتصال والإدراك العام.

وفي هذا العالم المعقد، لم يعد السؤال المركزي من يمتلك الأرض؟ ، بل من يمتلك الخوارزمية؟ ، ومن يملك حق تفويض القرار للآلة؟وبينما ما زالت الإنسانية أسيرة عدم اليقين، أدى تصاعد الحروب والعمليات السيبروفيزيائية إلى تغيير قواعد المواجهات العسكرية التقليدية التي باتت تستهدف البنية المادية والرقمية والطاقة والاتصالات والوعي الجمعي في آن واحد؛ لدرجة تتيح شل دولة كاملة واختطاف رموزها وأخذ قياداتها غيلة، والتأثير على الانتخابات والأسواق والرأي العام باستخدام تلك الخوارزميات الخارقة.

وفيما ما زال المجتمع الدولي بمنأى عن جسر الهوة بين وتيرة التحولات التكنولوجية وبطء الأدوات القانونية والحراك المؤسسي الفاعل، هناك خطر حقيقي يكمن في تحول الدول إلى مجرد مشغلين محليين لمنصات عالمية تتحكم فيها قوى تقنية عابرة للحدود، فتغدو بذلك الانزياحات السلبية للسيادة أكثر وضوحا وحدة، لأن من لا يقوده قراره نحو الامتلاك الحر للمعرفة والبنية التحتية والقدرة السيبرانية، لن يفقد موقعه في الاقتصاد العالمي فحسب وإنما سيخسر تدريجيا قدرته على اتخاذ القرار داخل حدوده نفسها.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك