نادراً ما تبدو الفجوة بين التاريخ والحاضر كبيرة كما هي الحال مع المنتخب الألماني قبل انطلاق كأس العالم 2026.
فالدولة التي رفعت الكأس أربع مرات واعتادت لعقود طويلة أن تكون مرجعاً للاستقرار والنجاح في البطولات الكبرى، تصل إلى أميركا الشمالية وهي تحمل إرثاً ثقيلاً من الإخفاقات الحديثة أكثر مما تحمل ذكريات أمجادها القديمة.
لكن المفارقة أن المجموعة الخامسة لا تدور حول ألمانيا وحدها.
فبين منتخب إكوادوري يؤمن بأن جيله الحالي لا يقل كفاءة عن أي جيل سابق، وكوت ديفوار التي تملك ربما أكثر تشكيلاتها توازناً منذ نهاية حقبة ديدييه دروغبا ويايا توريه، وكوراساو التي تخوض أول مشاركة في تاريخها بواحدة من أكثر القصص غرابة في البطولة، تبدو المجموعة الخامسة واحدة من المجموعات التي يصعب اختزالها في صراع بين مرشح ومنافسيه.
قد تمنح الخبرة والتاريخ الأفضلية لألمانيا على الورق، لكن المنتخبات الثلاثة الأخرى تدخل البطولة وهي تملك أسباباً حقيقية للاعتقاد بأن التأهل ليس حلماً بعيد المنال.
ولهذا قد تتحول المجموعة إلى اختبار لقدرة الألمان على استعادة شخصيتهم أكثر من كونها فرصة سهلة للعبور إلى الأدوار الإقصائية.
وسيكون المنتخب الألماني محور الاهتمام منذ اليوم الأول للبطولة.
فبعد الخروج من الدور الأول في نسختي 2018 و2022، لم يعد الحديث داخل ألمانيا يدور حول المنافسة على اللقب بقدر ما يدور حول استعادة الثقة المفقودة.
وعلى رغم أن المدرب جوليان ناغلسمان لا يخفي اقتناعه بقدرة فريقه على الذهاب حتى النهاية، فإن هذا التفاؤل لا يبدو منتشراً بالدرجة نفسها بين الجماهير أو وسائل الإعلام.
ومنذ تتويج ألمانيا بكأس العالم في البرازيل عام 2014، فشل المنتخب في بناء مشروع مستقر يعيد إنتاج النجاح.
وتعاقبت أسماء كثيرة على التشكيلة، فيما تراجعت الهيبة التي كانت تجعل ألمانيا منافساً مرعباً في البطولات الكبرى بصرف النظر عن مستواها قبل انطلاقها.
مشروع ناغلسمان ومواهب هجومية واعدةومع وصول ناغلسمان في الـ15 من سبتمبر (أيلول) 2023، بدأت محاولة جديدة لإعادة بناء المنتخب.
ونجح المدرب الشاب (38 سنة) ولو نسبياً في إعادة بعض الحيوية إلى الفريق، وقاده إلى دور الثمانية في بطولة أوروبا 2024، لكن ذلك لم يكن كافياً لإقناع كثر بأن ألمانيا عادت فعلاً إلى مصاف المرشحين الأوائل.
وتزداد الشكوك بسبب حال عدم الاستقرار التي رافقت المنتخب خلال العامين الأخيرين.
فالتغييرات المتكررة في التشكيلة، والقرارات المثيرة للجدل، وبعض النتائج غير المقنعة في المباريات الودية، جعلت المشروع يبدو أحياناً أقرب إلى العمل قيد التطوير منه إلى فريق جاهز للمنافسة على كأس العالم.
ومع ذلك لا يمكن تجاهل نوعية المواهب التي يمتلكها المنتخب الألماني.
فالثلاثي الهجومي المكون من لاعب ليفربول فلوريان فيرتز، ولاعب بايرن ميونيخ جمال موسيالا، ومهاجم أرسنال كاي هافرتز يمنح ألمانيا أحد أكثر الخطوط الأمامية تنوعاً في البطولة.
ويحظى فيرتز تحديداً باهتمام خاص قبل انطلاق المنافسات.
فعلى رغم الموسم الأول الصعب الذي عاشه مع ليفربول بعد انتقاله مقابل مبلغ ضخم، لا يزال كثر داخل ألمانيا يرونه اللاعب القادر على تجسيد مستقبل المنتخب.
فالموهبة التي أبهرت أوروبا مع باير ليفركوزن لم تختف، بل تمر فقط بمرحلة انتقالية يأمل الألمان أن تنتهي في الوقت المناسب.
ويتمتع فيرتز بقدرة نادرة على الربط بين خطوط الفريق وصناعة المساحات واختراق التكتلات الدفاعية، وهي صفات تحتاج إليها ألمانيا بشدة في ظل الصعوبات التي واجهتها أمام المنتخبات المنظمة خلال الأعوام الأخيرة.
وإذا نجح الثلاثي الهجومي في الوصول إلى أفضل مستوياته، فإن المنتخب الألماني سيبقى قادراً على منافسة أي فريق في البطولة، حتى لو ظلت الشكوك قائمة حول بقية عناصر المنظومة.
الإكوادور تراهن على جيل يصنع التاريخوفي الطرف الآخر من المجموعة، تبدو الإكوادور واحدة من أكثر المنتخبات استقراراً في أميركا الجنوبية خلال الأعوام الأخيرة.
وعلى رغم أنها لا تحظى بالاهتمام الإعلامي نفسه الذي يرافق البرازيل أو الأرجنتين، فإن نتائجها تشير إلى مشروع يتطور بثبات ويقترب من تحقيق إنجاز جديد.
واحتلت الإكوادور المركز الثاني في تصفيات أميركا الجنوبية خلف الأرجنتين، وهو إنجاز يعكس قوة المنتخب أكثر مما يعكس مجرد حسن استغلال الظروف.
ويستند هذا التطور إلى جيل من اللاعبين نشأ في بيئات صعبة ووجد في كرة القدم وسيلة لتغيير حياته.
وتجسد قصة لاعب وسط تشيلسي موسيس كايسيدو هذه الرحلة أكثر من أي لاعب آخر.
فالنجم الذي أصبح أحد أبرز لاعبي الوسط في العالم بدأ مسيرته في ملاعب متواضعة داخل أحياء فقيرة، قبل أن يتحول إلى رمز لجيل كامل من اللاعبين الإكوادوريين الذين شقوا طريقهم إلى أوروبا.
ولا يقتصر الأمر على كايسيدو.
فمدافع باريس سان جيرمان ويليان باتشو، ومدافع أرسنال بييرو هينكابي، وجويل أوردونيز، وجوردي كايسيدو، يمثلون جميعاً نتاج مشروع كروي نجح في تحويل المواهب الخام إلى لاعبين قادرين على المنافسة في أعلى المستويات.
ويتميز المنتخب الإكوادوري بمزيج من القوة البدنية والسرعة والانضباط التكتيكي، ويمتلك خبرة متزايدة في التعامل مع البطولات الكبرى.
وبعد بلوغه دور الـ16 في نسخة 2006، يعتقد كثر أن الجيل الحالي يملك الإمكانات اللازمة لتجاوز ذلك الإنجاز وكتابة فصل جديد في تاريخ الكرة الإكوادورية.
كوت ديفوار تدخل بثقة بطل أفريقيأما كوت ديفوار فتدخل البطولة وهي تحمل طموحات ربما تبدو جريئة، لكن لها أساس.
فمنذ تتويجها بلقب كأس الأمم الأفريقية على أرضها، بدأ الشعور يتنامى داخل البلاد بأن المنتخب يمتلك المقومات اللازمة للمنافسة خارج حدود القارة أيضاً.
ولا يضم الجيل الحالي أسماء بحجم دروغبا أو يايا توريه من حيث الشهرة العالمية، لكنه قد يكون أكثر توازناً على مستوى البناء الجماعي.
فالفريق يملك خيارات هجومية كثيرة، يتقدمها أماد ديالو وسيمون أدينغرا ويان ديوماندي، وعزز صفوفه بلاعبين قرروا تمثيل كوت ديفوار بعد اللعب للفئات السنية الفرنسية.
ويستفيد المدرب إميرس فاي (42 سنة) من وفرة واضحة في الخيارات، سواء في الخط الأمامي أو خط الوسط أو الدفاع.
ووجود القائد فرانك كيسيه وإبراهيم سانغاري يمنح الفريق شخصية قوية في وسط الملعب، بينما يمثل عثمان ديوماندي أحد أبرز المدافعين الصاعدين في الكرة الأفريقية.
وربما تكون أكبر نقاط قوة المنتخب الإيفواري هي الثقة التي اكتسبها من رحلته الدرامية نحو لقب كأس الأمم الأفريقية 2024.
فالفريق الذي كان قريباً من الخروج المبكر ثم عاد ليحرز اللقب أثبت أنه يمتلك قدرة ذهنية كبيرة على التعامل مع الضغوط، وهي ميزة قد تكون حاسمة في بطولة مثل كأس العالم.
كوراساو وقصة الظهور الأول الاستثنائيةأما كوراساو فتكتب واحدة من أكثر القصص فرادة في نسخة 2026.
فالدولة الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها 150 ألف نسمة أصبحت أصغر دولة تتأهل إلى كأس العالم، لكنها تصل إلى البطولة بتركيبة غير تقليدية تجعل من الصعب التعامل معها باعتبارها مجرد منتخب هاوٍ جاء لاكتساب الخبرة.
فالغالبية الساحقة من لاعبي المنتخب ولدوا أو نشأوا في هولندا، ويأتون بخلفيات كروية أوروبية واضحة.
وقد لعب المدرب المخضرم ديك أدفوكات (78 سنة) دوراً محورياً في بناء هذا المشروع، بعدما نجح في استقطاب اللاعبين ذوي الأصول الكوراساوية وإقناعهم بتمثيل المنتخب.
وعلى رغم محدودية الإمكانات مقارنة بمنافسيه، نجح الفريق في بناء هوية واضحة تقوم على الانضباط والتنظيم والاستفادة من الحماسة الكبيرة التي ترافق أول ظهور في تاريخ البلاد على المسرح العالمي.
ولا يخفي أدفوكات واقعيته في شأن صعوبة المهمة، لكنه يدرك أيضاً أن فريقه لا يفتقر إلى الجودة أو الشخصية.
ولهذا قد تتحول كوراساو إلى أحد المنتخبات القادرة على إرباك حسابات المجموعة، حتى لو لم تكن مرشحة للتأهل.
مجموعة مفتوحة على جميع الاحتمالاتوفي المحصلة تبدو المجموعة الخامسة أكثر تعقيداً مما قد توحي به الأسماء.
فألمانيا تدخلها وهي مطالبة بإثبات أنها تجاوزت أعوام التخبط الأخيرة، والإكوادور تمتلك جيلاً يؤمن بقدرته على تحقيق أفضل إنجاز في تاريخ البلاد، وكوت ديفوار تحمل طموحات أفريقية مشروعة مدعومة بتشكيلة متوازنة، فيما تسعى كوراساو إلى تحويل قصتها الاستثنائية إلى مفاجأة رياضية.
ولهذا قد لا يكون السؤال الرئيس في هذه المجموعة هو ما إذا كانت ألمانيا ستتأهل، بل ما إذا كانت قادرة على استعادة المكانة التي جعلتها لعقود طويلة واحدة من القوى العظمى في كرة القدم العالمية.
وهو ما قد يساعدها في بقية مشوار البطولة، أما بقية المنتخبات، فستدخل المنافسة وهي تدرك أن الفرصة متاحة، وأن المجموعة الخامسة قد تكون واحدة من المجموعات التي تكافئ الطموح بقدر ما تحترم التاريخ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك