انتشرت على منصات الإنترنت الشهر الماضي أنشودة مُصاحبة بتحريكٍ للصور (أنيميشن) عنوانها" حيدر"، لتُضاف إلى منظومةٍ متكاملةٍ من الدعاية الحربية لحساب الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تتخذ من مجسّمات لعبة ليغو شخوصاً لها، يُعتقد أنّها من تصميم شركاتٍ أجنبيةٍ صغيرةٍ متخصصةٍ في صناعة المحتوى، ذاع من بينها اسم" إكسبلوسيف ميديا".
تمتاز تلك الليغويّة عن سائر الميمات المشابهة (Meme) بحبكةٍ محكمةٍ مُحمّلةٍ بجملةٍ معقّدةٍ من الرموز الثقافية والتاريخية، تجعلها تتجاوز التضليل إلى التدليل، ليس على المرويّة التي يُراد الترويج لها داخل إيران قبل خارجها فحسب، بل أيضاً على المرونة التي يتحلّى بها نظام الجمهورية الإسلامية وعزمه على تغيير نفسه، ليس بأثرٍ مباشرٍ من القوى الخارجية، وإنما وفق شروطه، وبالشروط التي تضمن له بقاءه.
تدور الحبكة حول بطلٍ خارق يُدعى" حيدر"، والاسم واحدٌ من ألقاب الإمام علي بن أبي طالب، يعني الأسد، ويرمز إلى الشجاعة والفروسية.
يُعيد الفيديو توظيف هذا اللقب في سياق الحرب الراهنة، ليغدو السوبر هيرو محارباً مقدّساً يتصدّى للعدوان ويقود المعركة حتى النصر وهزيمة" الشيطان الأكبر".
تستجيب الموسيقى إلى البعد الديني، من خلال تصميمها، من جانبٍ، وفق تقليد المدّاحي (مداحى)، وهو إنشادٌ رثائيٌّ يؤدّيه منشدٌ (مدّاح) وتردّد من خلفه جموعُ الرجال خلال مراسم عاشوراء بحسب المذهب الشيعي.
إيقاعه ثنائيٌّ ذو لونٍ صوفيٍّ حماسيٍّ، تستوحي ضربته الرئيسية طقس اللطم على الصدر.
ومن جانبٍ آخر، تُعَصْرَن الأنشودة عبر توزيعٍ مينيماليٍّ جذّابٍ مشغولٍ بالمحسّنات الإلكترونية، يقوم على مصاحبةٍ هارمونيةٍ مؤلّفةٍ من نغمةٍ مقابلةٍ تأتي من طبقة الباص المنخفضة، بما يزيد من الوقع الدرامي ويعزّز السمة الملحمية، دافعاً الشكل في اتجاه نمط الروك أوبرا.
تظهر الملحمية أيضاً في المشهدية البصرية، ما يستدعي إلى الذاكرة فيلم" سيد الخواتم" (The Lord of The Ring) الصادر عام 2001 بإخراج بيتر جاكسون، إذ تُستثمر الطبيعة الجبلية للتضاريس الإيرانية في لقطاتٍ بانوراميةٍ فائقة الاتساع، تغلب عليها الأجواء الليلية المعتمة، تستلهم سينما نهاية الزمان الهوليوودية، أو ما يُعرف نقدياً بـ" البانوراما القياموية" (Apocalyptic Panorama) بهدف تصوير النزاع القائم بوصفه حرباً مقدسة وصراعاً وجودياً بين قوى الخير والشر، أو بين النور والظلام؛ ثنائيةٌ تعود إلى المعتقدات الفارسية السابقة للإسلام، من زرادشتية ومانوية.
يصدح صوت المدّاح في مستهلّ الفيديو، داعياً الشعب الإيراني إلى النهوض في وجه العدوان، محوّلاً طقس الحزن المستمر، بحسب تنظير الإمام الخميني، الأب المؤسس للجمهورية الإسلامية، إلى ثورةٍ مستمرة، لا تقاوم الخارج فحسب، بل تواجه" المندسّين" داخل البلاد أولاً قبل الاستعداد للنزال الأخير.
بهذا؛ تسعى المروية إلى إعادة تأطير الاحتجاجات الشعبية المتكرّرة ضد النظام منذ بدء الألفية الثالثة، وإدراجها ضمن سيرورة الحرب المقدّسة.
لذلك؛ يقدّم الفيديو صورةً مصغّرةً (Microcosm) للمجتمع، حاصراً التمثيل في الفئات الموالية للنظام.
فتظهر النساء باللباس الشرعي، فيما يمارس الرجال الشعائر الدينية، ويقودون الجموع على متن الحافلات والدراجات النارية، أو يخوضون المعركة من الثكنات وغرف العمليات، كما يظهر أحدهم بلحيةٍ بيضاء ونظارة، وقد ضُخِّم حجمه، بتقريب العدسة، ممثّلاً للطبقة السياسية الحاكمة ومؤكِّداً انتماءها إلى الأمة الإيرانية ومشاركتها مصيرها.
ويُلجأ إلى تضخيم الحجوم بواسطة المقياس الهرمي في التصوير (Hieratic Scale) بغية أسطرة عددٍ من الشخصيات الخيّرة والشريرة على حدّ سواء، فحين يسمع الشاب حيدر صوت المدّاح، يمسح الدمع وينبري لتلبية النداء، متحوّلاً إلى فارسٍ قروسطيٍّ عملاق، مستوحاة أزياؤه من التاريخ الفارسي القديم، متوشّحاً بالأخضر مستحضراً المذهبيّة الشيعية، ومتقلّداً سلاح الكلاشنكوف، رمز الثورة في مقاومة قوى" الاستكبار العالمي"، كما إنه يتقن رمي السهام، معترضاً الطيور الخرافية الكاسرة في إشارةٍ إلى الترسانة الصاروخية الإيرانية التي يحرص الفيديو على استعراضها تباعاً، بدءاً بالمسيّرات الجوية والبحرية وصولاً إلى الصواريخ البالستية.
بجوار الترسانة العسكرية، تعرض ليغويّة" حيدر" ترسانةً موازيةً من الدلالات الثقافية، تسلّط الضوء على التغيير في أيديولوجيا النظام وخطابه.
فبدلاً من العالموية ذات المركزية الإسلامية، التي طالما قدّمت الثورة الإيرانية نفسها من خلالها بوصفها هويةً كبرى عابرةً للحدود، باتت تتقدّم هوياتية قومية إثنية ومذهبية أكثر تمترساً في وجه المنطقة والعالم، لا تتوانى عن إسقاطٍ صريحٍ للنزاع التاريخي السنّي الشيعي على العلاقة المتوترة مع الجوار العربي بتقسيم الميدان، بحسب كلمات الأنشودة، إلى معسكرين متحاربين: حيدريين ويزيديين، في استدعاءٍ لواقعة كربلاء التي شكّلت إحدى اللحظات المؤسسة في التاريخ السياسي للإسلام، بين الحسين بن علي ويزيد بن معاوية في القرن السابع الميلادي.
كذلك، لا يتوانى الخطاب عن إنهاء القطيعة الثورية التي مارستها الجمهورية الإسلامية، ظاهرياً على الأقل، مع الرموز الوثنية للحقبة الشاهانية، قاطعاً بذلك الطريق أمام المعارضة الملكيّة في المنفى والملتفة حول نجل الشاه الأسبق رضا بهلوي، في سعي إلى استمالة الحنين القومي لدى جيل الشباب من الإيرانيين إلى المجد الإمبراطوري الغابر.
فالحرب المقدسة، بحسب مروية المدّاح، ليست حرب حيدر ثأراً للحسين وحسب، أو للمرشد الأعلى علي خامنئي، وإنما أيضاً حرب رستم ضد" الشيطان الأبيض" مستشهداً بإرث" كتاب الملوك" (شاهنامه) لأبي القاسم الفردوسي في القرن العاشر، الذي روى فيه، عبر التاريخ والأسطورة، قصة فارس منذ بدء الخليقة وحتى الفتح الإسلامي.
حيدر إذاً بطلٌ خارقٌ إيرانيٌّ هجينٌ، في نسخته الليغويّة المنبثقة من الحقبة الهويّاتية الجديدة، يخوض حرباً لاتناظرية متعددة الجبهات يؤمن بأنها وجوديةٌ فاصلة.
وإذ يضع النظام الإيراني، بصوت المدّاح، الصراع الراهن ضمن استقطابٍ أخلاقيٍّ أسطوريٍّ يُذكّر بالمواجهة القياموية بين" الأحرار" و" موردور" في عالم" سيد الخواتم"، فإنه لم يعد يقدّم نفسه بوصفه طليعة ثورةٍ إسلاميةٍ عالميةٍ فحسب، بل أيضاً بوصفه تجسيداً للأمة الإيرانية ذاتها، بامتدادها التاريخي السابق للإسلام، وفي تداخل مكوّنَيها الشيعي والفارسي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك