قد يكون من المفاجئ أن تقع المعرفة الأهم للمؤسسة خارجها.
فقد توظف الآلاف من الموهوبين الذين يؤرشفون ويديرون أعمالها في أنظمة إدارية متطورة، حتى إذا كانت الحاجة إلى ترقية هذه الأنظمة وجدت الفجوة.
الذين يفهمون الأنظمة التي تدير المؤسسة فهما عميقا لم يعودوا فيها.
الفجوة التي تكتشف في الأوقات الحرجة موجودة منذ البداية إنما تتسع مع كل تحديث.
المفارقة أن التطور الذي تدفع به المؤسسة ينطوي على آثار جانبية عميقة.
يبدأ المشروع بهدف معقول، فيتحقق الهدف وتستفيد المنظومة من ثمرات التطور في إدارة الميزانيات والمشتريات والخدمات اللوجستية، ثم يأتي وقت التحديث.
عندها ترى المؤسسة نفسها أمام المرآة.
التطوير الذي أشرف عليه ونفذه عدد من الموظفين منذ سنوات مازال موجودا إنما سلسلة الأعمال التي أدت إلى تحقيقه غير موجودة.
الوثائق قديمة أو غير مكتملة.
المديرون الذين عملوا على التطوير غادروا المؤسسة، فلم يبق منهم إلا الأسماء في المحاضر وبعض العروض.
الفريق الاستشاري الذي نفذ المشروع تفرق بين شركات استشارية وجهات حكومية داخل البلد أو خارجه.
ما تكتشفه الجهة أن ذاكرتها التقنية تشظت.
ليس هذا السيناريو غريبا ولا يعبر عن سوء إدارة بالضرورة لكنها صعوبة بحاجة إلى حل.
تتطلب مشاريع التقنية الكبيرة خبرة متخصصة، وفي وقت التطوير يجتمع المتخصصون في فريق واحد مكون من أعضاء داخل الجهة وخارجها لتنفيذ التحسينات المطلوبة بنجاح.
المشكلة فيما يحدث بعد ذلك.
مع الوقت، تراكم لدى الجهة ما هو أكبر قيمة من الأنظمة التي نفذتها، إنها المعرفة الجمعية للأنظمة نفسها مستودعة في الفريق الذي نفذها.
تتكون لدى الفريق معرفة تفصيلية موزعة بين أفراده، تتضمن قرارات اتخذت في تصميم سلسلة الحوكمة، وتدفقات العمليات والبيانات التابعة لها.
كلها مستودعة في الأنظمة نفسها إنما الفريق هو من يمتلك الإجابة عن أسئلة السياق التي تنبع أغلبها من سؤال لماذا: لماذا صمم النظام بهذه الطريقة التي تختلف عن الأنظمة الأخرى؟ لماذا استثني هذا القطاع من النظام ليستعين بنظام آخر؟ الإجابات متوزعة في خريطة ذهنية في أكثر من مكان.
تقع المشكلة عندها إذا عجزت المؤسسة عن قراءة خريطتها الخاصة.
تركز معظم المناقشات حول الاعتماد الرقمي على الحوسبة السحابية أو الذكاء الاصطناعي أو أشباه الموصلات أو البيانات.
ومع ذلك، تواجه المؤسسات نقطة ضعف قلما يُلتفت إليها: وجود المعرفة المؤسسية لأدق أعمالها وأهمها لدى جهات خارجية.
تتراكم المعرفة متسربة إلى الخارج بهدوء تحت غطاء النجاح لكن تظهر التكاليف لاحقا.
السؤال المهم لهذه الجهات وإجابته ليست في خطة تطوير الأنظمة للعام القادم، لكن ما يمكن لها أن تستعيده من ذاكرتها المعرفية بعد خمس سنوات.
الاختبار الحقيقي للنظام هو قدرة المؤسسة على حفظ سيرته الذاتية بما يسهم في استمرارية أعماله لأطول مدة ممكنة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك