نواكشوط –«القدس العربي»: لم يعد الجدل الدائر في موريتانيا حول مصير التبرعات الموجهة إلى قطاع غزة مجرد خلاف عابر بين أطراف مختلفة في الرأي، بل تحول خلال الأيام الأخيرة إلى قضية رأي عام استقطبت سياسيين وبرلمانيين وعلماء ومدونين وناشطين، وأعادت طرح أسئلة حساسة حول آليات جمع الأموال وإيصالها إلى الفلسطينيين في ظل الحرب والحصار.
وتفجرت الأزمة عقب تصريحات للسفير الفلسطيني في موريتانيا، بشير أبو حطب، قال فيها إن التبرعات التي جُمعت باسم الشعب الفلسطيني «لم تصل إلى الشعب الفلسطيني»، وهو تصريح أثار ردود فعل غاضبة لدى قطاعات واسعة من الموريتانيين الذين شاركوا في حملات الدعم والإغاثة لصالح غزة.
ومع تصاعد الانتقادات، أصدر السفير الفلسطيني بياناً توضيحياً أكد فيه احترامه الكامل للشعب الموريتاني وعلمائه وأئمته ووجهائه، نافياً أي إساءة إليهم، لكنه تمسك في الوقت ذاته بموقفه الأصلي، معتبراً أن حديثه جاء في إطار مسؤوليته الرسمية كممثل لدولة فلسطين، وأن ما صرح به يندرج ضمن اختصاصه الدبلوماسي والوطني.
وقال السفير إنه تعرض لحملة من الشتائم والإساءات عقب المقابلة التلفزيونية التي أدلى بها، مؤكداً أنه لا يزال ينتظر من مخالفيه تقديم ما يثبت خطأ ما ذهب إليه بشأن مصير التبرعات.
ويقف في قلب الجدل الدائر الرباط الوطني لنصرة الشعب الفلسطيني وقضايا الأمة (محسوب على الإخوان ووثيق الصلة بحماس ويضم شخصيات مستقلة) باعتباره أبرز هيئة قادت حملات التبرع الشعبية الموريتانية لصالح غزة خلال الأشهر الماضية.
ورغم أن منتقديه يصنفونه ضمن الفضاء القريب من التيار الإسلامي، يؤكد القائمون عليه أنه منظمة أهلية مستقلة تضم شخصيات من مشارب سياسية وفكرية متعددة.
وفي خضم السجال، خرج رئيس مجلس إدارة الرباط، وزير المالية الموريتاني السابق سيدي ولد أحمد ديه، للدفاع عن المؤسسة، مؤكداً أنها منظمة غير حكومية وغير سياسية، تخضع للقوانين الموريتانية ولرقابة الجهات المختصة، وتمتلك أنظمة محاسبية وآليات تدقيق معروفة.
وشدد ولد أحمد ديه على أنه لو اكتشف أي فساد أو اختلال في تسيير أموال التبرعات لما تردد في كشفه وإبلاغ المتبرعين والسلطات المختصة، معتبراً أن أموال الموريتانيين الموجهة إلى الفلسطينيين أمانة ينبغي صونها بأقصى درجات المسؤولية.
وأكد أن الرباط سيصارح المتبرعين والسلطات فوراً إذا أصبح عاجزاً عن إيصال المساعدات إلى مستحقيها، وسيتصرف حينها وفق ما يقتضيه القانون.
وفي مواجهة رواية السفير الفلسطيني، استند المدافعون عن حملات التبرع وصدقية إيصالها للمستحقين، إلى تصريحات لقيادات فلسطينية أكدت وصول الدعم الموريتاني إلى داخل القطاع.
وفي هذا الإطار، أشاد القيادي في حركة حماس أسامة حمدان بجهود الرباط الوطني لنصرة فلسطين، مؤكداً أن الدعم الذي يقدمه الموريتانيون يصل إلى مستحقيه في غزة، وأن الفلسطينيين يثمنون هذا الإسناد في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها القطاع.
كما أكد المفكر الإسلامي والسياسي الموريتاني محمد جميل منصور، أنه لم يسمع من داخل غزة أو من أوساط المقاومة الفلسطينية أي تشكيك في وصول المساعدات الموريتانية.
ورأى ولد منصور أن المتبرعين الموريتانيين كانوا يعرفون الجهات التي يقدمون عبرها دعمهم، وأن الثقة التي منحها المواطنون لتلك الجهات لا تزال قائمة.
كما حذر من الخوض في تفاصيل طرق إيصال المساعدات إلى القطاع المحاصر، معتبراً أن الحديث العلني عن هذه المسارات قد يخدم الأطراف الساعية إلى إغلاقها أو تعطيلها.
وأخذ الجدل بعداً سياسياً إضافياً بعد الرسالة التي سلمها النائب البرلماني عن حزب «تواصل»، اسلكو أبهاه، إلى السفير الفلسطيني.
واعتبر النائب أن تصريحات السفير فُهمت على نطاق واسع باعتبارها تشكيكاً في جهود وطنية شارك فيها علماء وأئمة ودعاة وسياسيون ومنتخبون ورجال أعمال وآلاف المواطنين الذين تبرعوا دعماً لغزة.
وأكد أن التبرعات جُمعت وسُيرت عبر مؤسسات وهيئات موريتانية معروفة وخاضعة للقوانين الوطنية، معتبراً أن التشكيك في مصيرها لا يمس المتبرعين فقط، بل يطال أيضاً مصداقية مؤسسات وطنية وجهات رسمية كانت على اطلاع على تلك الجهود الإنسانية.
وتساءل النائب عن أسباب إثارة القضية عبر وسائل الإعلام بدلاً من القنوات الدبلوماسية والرسمية المعتادة، داعياً السفير إلى مراجعة تصريحاته والاعتذار عنها حفاظاً على العلاقات الأخوية بين الشعبين الموريتاني والفلسطيني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك