عمان - تشهد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في هذه المرحلة زخما غير مسبوق من التصريحات المتبادلة، حتى باتت كثافتها وتناقضاتها تثير حالة من الالتباس يصعب معها فهم الاتجاه الحقيقي للأحداث.
اضافة اعلانوبين تهديدات متصاعدة ورسائل متناقضة، يطرح السؤال نفسه: هل هذه اللغة جزء من تكتيك مدروس يستهدف الداخلين الإيراني والأميركي على حد سواء، أم أنها تعكس حالة استعصاء تحول دون تتويج أي طرف بالنصر؟وبحسب خبراء، فإن هذا السيل من الخطابات يفتح الباب أمام قراءة مزدوجة، إما أنه أداة ضغط وإدارة للرأي العام، أو أنه دليل على مأزق سياسي وعسكري يجعل الحسم أبعد مما يتصور.
وتعليقا على ذلك، يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الألمانية الأردنية د.
بدر الماضي، إن المشهد الراهن يعكس إشكالية عميقة في فهم السلوك الإيراني والأميركي على حد سواء.
وأضاف، أن" الولايات المتحدة لا تبدو مستعجلة في حسم الملف الإيراني، إذ ترى أن البعد الاقتصادي يشكل ورقة ضغط أساسية على الداخل الإيراني، عبر محاصرة الموانئ وتعطيل العمليات المالية للنظام حول العالم".
وفي المقابل، تواجه واشنطن معضلة أخرى تتمثل في أن عدم الحسم ينعكس سلبا على سمعة الرئيس الأميركي ويستنزف الاقتصاد الداخلي، ما يجعلها في مأزق لا يقل تعقيدا عن مأزق إيران.
وأشار الماضي إلى أن الإدارة الأميركية لا ترغب في تكرار سيناريو حرب الأربعين يوما، لكنها في الوقت ذاته تبقي الضغط العسكري والسياسي والاقتصادي حاضرا، لتؤكد أن لا تسوية سهلة مع النظام الإيراني.
وأضاف أن حسم المعركة مؤجل حاليا لأسباب متعددة، لكن إذا ما قيس حجم الخسائر، فإن إيران ستكون الطرف الأكثر تأثرا مقارنة بالولايات المتحدة، نظرا لما يعانيه الداخل الإيراني من أزمات اقتصادية قد تنفجر في أي لحظة.
ومع ذلك، يبقى الهدف النهائي للنظام الإيراني هو البقاء، فيما يسعى الرئيس الأميركي إلى ضبط السلوك الإيراني وإظهار نفسه مختلفا عن أسلافه من الرؤساء، رغم أنه يواجه إشكالية كبيرة داخل الولايات المتحدة.
ولفت إلى أن كلا الطرفين يواجهان مأزقا معقدا، وأن الأمور لا تتجه نحو الحسم في المدى القريب، بل نحو تأجيل إعلان النصر.
وتابع، " كل طرف سيحاول تسويق نفسه منتصرا، مستثمرا هذه اللحظة التاريخية في العلاقة بين البلدين.
غير أن إيران ستسعى أكثر من غيرها إلى تسويق رواية الانتصار، لتؤكد أنها لم تتأثر بما جرى، وأنها حققت إنجازا على الولايات المتحدة، وهي رواية قد تلقى قبولا لدى جزء من الشعب الإيراني، كما ستجد صدى أكبر لدى قطاعات واسعة من الشعوب العربية التي ترى في إيران طرفا يقوم بمهمة بالنيابة عنها وعن القضية الفلسطينية".
خطاب بين العصا والجزرة وصراع السردياتمن جانبه، قال الخبير الأمني والإستراتيجي د.
عمر الرداد، إن تصريحات الرئيس الأميركي رغم ما يبدو فيها من تناقضات حادة، ليست عشوائية أو مرتبكة كما قد يُظن، بل هي جزء من خطاب مدروس يترجم رؤية سياسية واقتصادية واضحة.
وأكد أن ترامب يوظف أسلوب" العصا والجزرة" بالتعامل مع إيران، حيث يجمع بين التهديد والوعيد من جهة، وبين الإشارة لإمكانية عقد صفقة تجارية أو مالية من جهة أخرى، وذلك في إطار حسابات داخلية مرتبطة بالرأي العام الأميركي وضغوط الديمقراطيين، فضلا عن انعكاس هذه التصريحات على الأسواق المالية وأسعار النفط والمواد التموينية.
وأضاف أن تصريحات ترامب كثيرا ما تؤدي إلى تذبذب الأسواق، حيث تنخفض أسعار النفط فور حديثه عن قرب التوصل إلى صفقة أو عند إبداء المديح للقيادة الإيرانية، ما يعكس ارتباط خطابه بالاعتبارات الاقتصادية الداخلية، إلى جانب محاولاته مواجهة الحملات الإعلامية التي يشنها الديمقراطيون عبر منصات مثل" سي إن إن" و" نيويورك تايمز".
وأشار إلى أن الإيرانيين، في المقابل، يفتقرون للقدرة على صياغة سردية إعلامية تضاهي خطاب ترامب، حيث يقتصر ردهم غالبا على مواجهة روايته الإعلامية، مع الحرص على إظهار الصمود وعدم تقديم تنازلات، مع الاستعداد في الوقت نفسه للمفاوضات.
كما لفت الرداد إلى أن إيران تواصل الحديث عن مواجهات واحتكاكات في منطقة الخليج ومضيق هرمز، أحيانا بصورة مبالغ فيها، عبر الحديث عن إطلاق صواريخ أو مسيرات باتجاه الموارد الأميركية، غير أن ما يُؤخذ عليها هو تكرار استهدافات في دول الخليج، مثل البحرين والكويت، ما يكشف عن مشكلات داخلية لدى الحرس الثوري.
وشدد على أن هذه التصريحات المتبادلة بين واشنطن وطهران تنسجم في النهاية مع سياسة التضليل الإعلامي، حيث يسعى كل طرف إلى مخاطبة الداخل.
وقال إن ترامب يوجه رسائله إلى الداخل الأمريكي فيما يوجه الحرس الثوري رسائله إلى الداخل الإيراني، ما يجعل الخطاب الإعلامي أداة رئيسية في إدارة الصراع بين الطرفين.
فيما أكد رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د.
خالد شنيكات، أن الهوة السياسية التي تفصل بين أطراف النزاع الأمريكي الإسرائيلي من جهة، والإيراني من جهة أخرى، لا تزال شاسعة وعميقة.
واعتبر أن العجز المشترك عن حسم المواجهة العسكرية ميدانياً لصالح أي طرف خلال العام الحالي، قد ألقى بظلاله مباشرة على طاولة المفاوضات، مسبباً حالة من الجمود والاستعصاء السياسي نتيجة التناقض الصارخ بين السقوف المرتفعة لكلا الجانبين، حيث تسعى الولايات المتحدة لفرض شروط تصل إلى حد" شبه الاستسلام" لطهران، في حين تتمسك إيران برؤية تهدف بالأساس إلى إعادة صياغة قواعد اللعبة الإقليمية بالكامل.
وأوضح أن الحزمة الإيرانية المقترحة لتسوية النزاع تتضمن مطالب استراتيجية مترابطة، تبدأ من التأسيس لنظام أمني مشترك في منطقة الخليج، مروراً بالحصول على تعويضات عن خسائر الحرب والإفراج عن الأرصدة المالية المجمدة، وصولاً إلى رفع الحصار الاقتصادي الشامل والوقف النهائي للعمليات العسكرية مع ربطها مباشرة بالتهدئة في جبهتي غزة ولبنان، فضلاً عن الإقرار بحق طهران في تخصيب اليورانيوم وامتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية؛ وهي الطموحات التي تواجهها الإدارة الأمريكية برفض قاطع في معظم تفاصيلها، معتمدةً على عقيدة" الضغط الأقصى" والحصار المطبق لدفع النظام الإيراني نحو الرضوخ، ما يعكس ثبات الهدف الإستراتيجي الأميركي المتطابق تماماً مع الرؤية الإسرائيلية والمتمثل في محاولة تغيير سلوك النظام أو تقويضه.
وأضاف أن واشنطن تصر بالمقابل على انتزاع تنازلات جوهرية مستمرة، تشمل الوقف الكامل لتخصيب اليورانيوم، وتسليم المخزون المخصب حالياً، والإبقاء على تجميد الأصول المالية، مستندةً في ذلك إلى استراتيجية" النفس الطويل" عبر الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية المتواصلة لتجفيف منابع القوة الإيرانية ومحاولة تغيير قواعد الاشتباك، بالتوازي مع تحركات استخبارية أميركية مكثفة لجمع قاعدة بيانات واسعة حول هيكلية القيادة الإيرانية وأصولها وقدراتها الصاروخية، للتعامل مع سيناريو" الاستعصاء التام" وفشل الدبلوماسية الذي قد يقود لصدام مسلح، مستبعداً في الوقت ذاته فرضية اندلاع الحرب الوشيكة كعامل حاسم نظراً لارتفاع كلفتها العالية على الأميركيين وضبابية نتائجها.
وشدد على محددات الموقف الأميركي الحالي تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب، الذي لن يقبل بأقل من اتفاق يضمن له" نصراً تاريخياً حاسماً" يتجاوز به ثغرات اتفاق عام 2015 المفكك، ويركز بالدرجة الأولى على فرض سيادة مطلقة لحرية الملاحة في مضيق هرمز، وتجريد إيران من أي قدرة على فرض ترتيبات أمنية منفردة في هذا الممر المائي الحيوي، وهي الشروط التي تواصل الولايات المتحدة الضغط بكل أوراقها لانتزاعها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك