شهدت صورة إسرائيل خلال العقود الماضية تحولات جوهرية في نظرة المجتمع الدولي إليها، إلا أن السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ اندلاع الحرب على غزة، مثلت نقطة تحول غير مسبوقة في مكانة إسرائيل الدولية وصورتها لدى الرأي العام العالمي.
فبعد أن نجحت لعقود طويلة في تقديم نفسها كدولة تواجه تهديدات أمنية وتسعى إلى حماية وجودها، أصبحت اليوم تواجه اتهامات متزايدة بممارسة سياسات الاحتلال والاستيطان والعقاب الجماعي، بل وارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وجرائم ضد الإنسانية، الأمر الذي أدى إلى تراجع واضح في حجم التأييد الشعبي والسياسي الذي كانت تتمتع به في العديد من الدول الغربية.
اضافة اعلانلقد أسهمت مشاهد الدمار الواسع والخسائر البشرية الكبيرة في قطاع غزة في إحداث تحول عميق في الرأي العام العالمي.
فوسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل الاجتماعي نقلت صوراً يومية للمعاناة الإنسانية، الأمر الذي جعل القضية الفلسطينية أكثر حضوراً في الوعي العالمي من أي وقت مضى.
ولم تعد الرواية الإسرائيلية هي الرواية الوحيدة المسيطرة على الفضاء الإعلامي الدولي، بل ظهرت روايات بديلة تستند إلى شهادات ميدانية وتقارير حقوقية ووثائق قانونية، ما دفع قطاعات واسعة من الرأي العام إلى إعادة النظر في طبيعة الصراع وأسبابه الحقيقية.
وفي هذا السياق، برزت موجة احتجاجات غير مسبوقة في الجامعات الأميركية والأوروبية، حيث شهدت عشرات الجامعات اعتصامات ومظاهرات تطالب بوقف الحرب على غزة ووقف الدعم العسكري لإسرائيل.
وقد حملت هذه الاحتجاجات دلالات سياسية مهمة، لأنها صدرت عن فئة الشباب والطلبة الذين يمثلون النخب السياسية والفكرية المستقبلية في المجتمعات الغربية.
كما عكست هذه التحركات اتساع الفجوة بين السياسات الرسمية لبعض الحكومات الغربية وبين مواقف قطاعات واسعة من شعوبها تجاه ما يجري في الأراضي الفلسطينية.
ومن العوامل التي ساهمت في تآكل الدعم الدولي لإسرائيل استمرار سياسة التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس الشرقية وسورية ولبنان، والتي تُعد وفق القانون الدولي غير شرعية.
فبدلاً من التقدم نحو تسوية سياسية قائمة على حل الدولتين، استمرت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في فرض وقائع جديدة على الأرض، الأمر الذي قوض فرص السلام وأضعف الثقة الدولية بإمكانية التوصل إلى حل عادل ودائم للصراع.
كما أن استمرار العمليات العسكرية في أكثر من جبهة إقليمية أثار انتقادات متزايدة لسياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية.
فقد اتهم العديد من المراقبين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو باستخدام التصعيد العسكري المستمر كوسيلة للحفاظ على تماسك ائتلافه الحكومي والبقاء في السلطة في ظل أزمات سياسية داخلية متلاحقة وملاحقات قضائية سابقة تتعلق بقضايا فساد.
وأدى هذا الانطباع إلى تعزيز الاعتقاد لدى بعض الأوساط الدولية بأن استمرار الحروب لم يعد مرتبطاً فقط باعتبارات أمنية، بل أيضاً بحسابات سياسية داخلية.
وفي المقابل، تواجه إسرائيل اليوم تحديات قانونية ودبلوماسية متزايدة على الساحة الدولية.
فقد أصبحت محل تحقيقات ومراجعات قانونية أمام مؤسسات دولية، كما ارتفعت الأصوات المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة خلال الحرب.
وإلى جانب ذلك، بدأت بعض الدول والمنظمات الحقوقية بإعادة تقييم علاقاتها ومواقفها تجاه السياسات الإسرائيلية، في ظل تنامي القلق من تداعيات استمرار الصراع على الأمن والاستقرار الإقليميين.
إن أخطر ما تواجهه إسرائيل حالياً لا يتمثل فقط في الانتقادات السياسية أو الضغوط الدبلوماسية، بل في التغيير التدريجي والعميق في الرأي العام العالمي.
فالتاريخ يبين أن الشرعية الدولية لا تُقاس فقط بميزان القوة العسكرية أو التحالفات السياسية، بل أيضاً بقدرة الدول على الحفاظ على صورتها الأخلاقية واحترامها للقانون الدولي.
وعندما تبدأ الشعوب، وخصوصاً في الدول الحليفة، في التشكيك في سياسات دولة ما، فإن ذلك ينعكس تدريجياً على مواقف الأحزاب السياسية والمؤسسات التشريعية وصناع القرار.
وعلى الرغم من استمرار الدعم الرسمي الذي تتلقاه إسرائيل من بعض القوى الدولية الكبرى، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن هذا الدعم لم يعد يحظى بالإجماع الشعبي الذي كان سائداً في العقود السابقة.
فهناك جيل جديد في الغرب ينظر إلى القضية الفلسطينية من منظور حقوق الإنسان والقانون الدولي أكثر من نظرته إليها من منظور الصراعات التقليدية أو التحالفات الجيوسياسية.
وقد ساهمت وسائل الإعلام الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي في نقل صور الأحداث والمعاناة الإنسانية بشكل مباشر إلى الرأي العام العالمي، الأمر الذي عزز منسوب التعاطف مع الفلسطينيين، وفتح نقاشات أوسع داخل الجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات السياسية حول مستقبل الصراع، وحدود استخدام القوة، وضرورة إيجاد تسوية عادلة ومستدامة تستند إلى الشرعية الدولية وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها.
وفي المحصلة، تبدو إسرائيل اليوم أمام تحدٍ استراتيجي غير مسبوق يتمثل في تراجع رصيدها المعنوي والسياسي على المستوى الدولي.
فالقوة العسكرية قادرة على تحقيق مكاسب ميدانية مؤقتة، لكنها لا تستطيع وحدها ضمان الشرعية أو كسب تأييد الرأي العام العالمي.
ولذلك فإن استمرار الاحتلال، وتوسع الاستيطان، وتصاعد الحروب الإقليمية، وتجاهل المطالب الدولية بوقف العنف، كلها عوامل تسهم في تسريع عملية فقدان إسرائيل لجزء متزايد من مؤيديها حول العالم.
ومن دون معالجة جذور الصراع والالتزام بمبادئ القانون الدولي والعدالة، فإن أزمة الشرعية التي تواجهها إسرائيل مرشحة للتفاقم خلال السنوات المقبلة بصورة قد تكون أكثر تأثيراً من أي تحدٍ عسكري أو أمني آخر.
*أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك