قناة الغد - الدولار يحافظ على مكاسبه مع توقعات رفع أسعار الفائدة العربية نت - لماذا تتعذر التسويات والحروب الملتبسة؟ روسيا اليوم - تحول استراتيجي إسرائيلي.. البنية التحتية الإيرانية في خطر قناة الغد - نقل الدكتور حسام أبو صفية للحبس الانفرادي بسجون الاحتلال يني شفق العربية - جيش الاحتلال يعلن اعتراض صاروخ يمني تجاه وسط إسرائيل العربية نت - أسرى الثنائية.. لماذا نعجز عن رؤية المساحة الوسطى؟ التلفزيون العربي - الحوثيون يعلنون حظر الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر العربية نت - هل يستطيع اللبناني الجنوبي أن يتكلّم؟ CNN بالعربية - إعلام إيراني: إطلاق موجة جديدة من الصواريخ باتجاه إسرائيل يني شفق العربية - نتنياهو يعقد مشاورات أمنية مع الكابينيت عقب اتصال مع ترامب
عامة

المقاطعة بوصفها فعل عزل اجتماعي

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة

في بداية عام 2012 بلغ الاستقطاب ذروته، خصوصاً بين السوريين والسوريات أفراداً. كنت أعيش في حي شعبي وسط دمشق، السمة العامة لسكانه أنهم مسيحيون مع أننا لو دققنا في الأرقام والهويات الدينية للحي لخرجنا بأ...

في بداية عام 2012 بلغ الاستقطاب ذروته، خصوصاً بين السوريين والسوريات أفراداً.

كنت أعيش في حي شعبي وسط دمشق، السمة العامة لسكانه أنهم مسيحيون مع أننا لو دققنا في الأرقام والهويات الدينية للحي لخرجنا بأرقام مغايرة للتعريف السائد.

لم يكن الموقف المعلن من الثورة السورية واضحاً، كما هو في الواقع المتوارى خلف جدران البيوت وفي الحلوق الصامتة.

ثمة روايات مختلفة، وكل رواية تُروى حسب السياق العام.

في العمل روايات صامتة، مجرد هزات صغيرة بالرأس للموافقة على رواية رسمية يراد تعميمها.

ومن المعلوم أن الأحياء الشعبية هي خزان القوة العاملة في الدوائر الحكومية والأعمال الخاصة والهامشية، وحتى في مفاصل الجيش والأمن.

أما في وسائل المواصلات، فهناك روايات متعددة حسب وجهة الحافلة وانتماء الركاب.

والمقصود بالانتماء هنا ليس المناطقي فقط، بل الانتماء الوظيفي.

كان من الطبيعي أن تستقل حافلة تقل رجال الأمن، أو مع عسكري يحمل سلاحه الرشاش أو يضع قنابل يدوية تزنر خصره بجعبة تنفخه ليبدو أكبر من حجمه الجسدي والرمزي.

وفي أيام الجمعة تحديداً، كانت الحافلات تمتلئ بأشخاص من الموظفين أو المستقلين وهم عائدون من مهمة مجبرين عليها أو فخورين بها، إذ لا مجال هنا لتصديق أي من الروايتين تنطبق على أي شخص.

كان المشهد نابضاً بالتناقض حتى داخل الحشود نفسها التي تستبيح قمع التظاهرات ثم تعود لتستبيح بعدها وسائط النقل، متباهية ببطولات لم تحدث أصلاً، وبانتهاكات كنت أنت المحشور في زاوية الحافلة الآن شاهداً عليها.

من سيصدقك إذا قلت إنك كنت هناك أيضاً وتعرف كل ما حدث، هل كنت ستتكلم أصلاً؟ أنت محشور هنا فعلياً.

وكل رغبتك أن تغادر بأقصى سرعة ممكنة ولن تتمكن من ذلك لأن بيوتهم ملاصقة لبيتك.

ستبقى معهم مرغماً حتى المحطة الأخيرة بسبب طغيان عنوان السكن بوصفه جامعاً حصرياً بينكم لا فكاك منه.

رغم الصمت المعلَن وسيلةً للهرب من إعلان موقف واضح، كان التصنيف قد تم فعلياً، مهمة أمنية قام بها أهل الحي بنجاح وتشاركية غريبة.

كان من أهم التصنيفات، تصنيف المعارضين، إشاعة معارضتهم كخبر يوازي نشر خبر توفر الخبز في فرن محدد.

كانت الحالة توازي فعلياً عملية الوصم لاستكمالها بالعزل المجتمعي.

ذات صباح، رفض صاحب البقالة أن يبيعني اللبن، قائلاً بجلافة صادمة: " أنت معارضة، ولن نتوقف حتى نخرجك من الحارة"، في لحظة واحدة تحولت الحارة إلى ما يشبه السجن المفتوح.

تكرر المشهد في محال أخرى، حيث رفض بائع المواد المنزلية بيعي مقلاة صغيرة تحت ذات الذريعة.

غير أني نجوت من المقاطعة في محال أخرى مثل المنجد واللحام وبائع الخضار الذي كان يترك بعض ربطات الخبز للنساء الوحيدات اللواتي قتل أو اعتقل أزواجهن.

وهكذا وجدنا أنفسنا منفيين بقرار جماعي، لكننا احتفلنا بالتضامن معاً.

المحصلة أني أعرف ماذا تعني المقاطعة، أعرف معناها العميق وأثرها القاتل على النفس والروح والحضورالمحصلة أني أعرف ماذا تعني المقاطعة، أعرف معناها العميق وأثرها القاتل على النفس والروح والحضور.

إذ أضحت الحارة سجناً، كما أن الداعين لمقاطعتنا هم السجانون، ولم تعد تجدي معهم كل محاولات استنهاض الإرث الاجتماعي المشترك سابقاً بيننا.

تختلف المقاطعة حين توجه ضد عدو خارجي أو بضاعة أو علامة تجارية ثبت انتهاكها وتجاوزها معايير السلامة الصحية والغذائية والأمنية وبين المقاطعة الأهلية أو المقاطعة المجتمعية.

ففي الوعي المبكر، كانت حملات مقاطعة إسرائيل والمؤسسات الداعمة لها فعلاً نضالياً وطنياً في مواجهة البطش والقتل والتغول.

أما أن يتحول جارك وقريبك وشريكك في الحي وفي حافلة النقل وأولاده يشاركون أولادك على مقاعد الصف أو في طابور الخبز، إلى من يقاطعك فإنه سلاح قاتل أشد بطشاً من سلاح المعارك.

المقاطعة المجتمعية على أساس طائفي أو سياسي هي فعلياً عمليات عزل اجتماعي وجماعي خطيرة ومؤذية جداً، ليس من السهل تقبلها أو تجاوزهاتبدو حملات المقاطعة الداعية لمقاطعة العلويين خاصة في ريفي حمص وحماة دعوات لوقف أي محاولات لترسيخ أسس عيش مشترك ممكن، بل تسعى إلى إضعاف من تُراد مقاطعتهم وحرمانهم حتى من إمكانية العيش بعائدات أرزاقهم وغلالهم.

من جُبر على تجرع المقاطعة عقوبةً جماعية، يدرك اليوم عمق أثرها.

قد أنسى ذكرياتي مع المحققين والشرطة ورجال الأمن، أو قد أتخفف من الأذى الذي لحقني بسببهم، لكني لن أنسى أبداً وقوفي عزلاء وحيدة وضعيفة أمام جاري الذي قال لي حرفياً: " ما عنا لبن للبيع اتركي من ايديك واطلعي برا المحل".

المقاطعة المجتمعية على أساس طائفي أو سياسي هي فعلياً عمليات عزل اجتماعي وجماعي خطيرة ومؤذية جداً، ليس من السهل تقبلها أو تجاوزها.

أما النسيان، فعسير جداً تماماً كنسيان طعنة ما زالت تعمم الألم في صدورنا.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك