ألازيغ/ سعاد أوزتورك/ الأناضول- اعتمدت في هذا العمل على دمج الحفر اليدوي على الخشب مع تقنية التذهيب بالورق- هذه التقنية كانت تستخدم تقليديا في زخرفة القصور والأسقف والأثاث الفاخر خلال العهد العثماني- نفذت العمل على قطعة خشبية ضخمة يبلغ طولها ثلاثة أمتار وعرضها مترا ونصف المتر واستغرقت شهرا كاملا- معظم الأعمال مستوحاة من شخصيات وأحداث ورموز تاريخية مرتبطة بتركيا للتعريففي عمل فني لافت، أعاد حرفي تركي من ولاية ألازيغ شرقي البلاد تجسيد خريطة البحّار والملّاح العثماني الشهير بيري ريس على الخشب، مستعينًا بتقنيات الحفر والتذهيب التراثية.
ويحمل العمل الفني الخشبي الضخم، توقيع الفنان والحرفي فاتح باكير، الذي أمضى نحو عقدين في ممارسة فنون الحفر والنقش على الخشب، وكرّس جزءا كبيرا من مسيرته للحفاظ على الحرف التقليدية وتطوير أساليب فنية تمزج بين التراث والابتكار.
ويعد بيري ريس أحد أشهر علماء الملاحة ورسامِي الخرائط في التاريخ العثماني، واشتهر بخريطته العالمية التي رسمها مطلع القرن السادس عشر، والتي أثارت اهتمام الباحثين والمؤرخين حول العالم بسبب دقتها اللافتة مقارنة بالإمكانات التقنية المتاحة في ذلك العصر.
وقال باكير (40 عاما) إنه بدأ الاهتمام بفن التذهيب العثماني متأثرا بوالده، قبل أن يتوسع تدريجيا في دراسة الفنون البصرية وتقنيات الحفر على الخشب.
وأوضح، خلال حديثه للأناضول، أنه يعمل في هذا المجال منذ نحو 20 عامًا، ويواصل إنتاج أعماله الفنية داخل ورشة أنشأها قبل ثماني سنوات في الطابق السفلي من منزله.
وأشار إلى أن اهتمامه يتركز بشكل خاص على الموضوعات التاريخية والتراثية، معتبرا أن الفن يمكن أن يكون وسيلة فعالة لإحياء الذاكرة الثقافية ونقلها إلى الأجيال الجديدة.
واختار باكير هذه المرة خريطة بيري ريس لتكون محور مشروعه الفني الجديد، انطلاقا من قيمتها التاريخية والعلمية.
وقال إن الخريطة تمثل إنجازا استثنائيا بالنظر إلى الحقبة التي أُنجزت فيها، مضيفا: " في زمن لم يكن فيه الناس قادرين حتى على تخيل كثير من المعارف الجغرافية المتاحة اليوم، تمكّن أجدادنا من إنتاج أعمال ذات قيمة كبيرة، لذلك أردت أن أجسد هذا الإرث بطريقتي الخاصة".
وأوضح أنه اعتمد في تنفيذ العمل على دمج الحفر اليدوي على الخشب مع تقنية التذهيب بالورق، التي كانت تستخدم تقليديا في زخرفة القصور والأسقف والأثاث الفاخر خلال العهد العثماني.
وأضاف أن ما يميز أعماله هو تطوير أسلوب خاص يعتمد على الاستفادة من الظلال والعمق البصري الناتج عن الحفر، ثم تغطية الأجزاء المنحوتة بطبقات من الورق الذهبي، ما يمنح اللوحة مظهرا فنيا مختلفا عن الأساليب التقليدية المعروفة.
وأكد أن هذه التقنية تمثل بصمته الفنية، قائلا: " بعد أن طورت هذا الأسلوب، أصبحت أركز بشكل كامل على هذا المجال، ولا أعرف شخصا آخر يُطبق التقنية نفسها بالطريقة التي أستخدمها".
وعن مدة العمل، قال باكير إن إنجاز الخريطة استغرق شهرا كاملا، بدءا من رسم تفاصيلها على الخشب وصولا إلى مراحل الحفر والتذهيب النهائية.
وأوضح أن العمل نُفذ على قطعة خشبية ضخمة يبلغ طولها ثلاثة أمتار وعرضها مترا ونصف المتر، ما تطلب جهدا إضافيا للحفاظ على دقة التفاصيل وتناسقها.
وأضاف أنه بدأ برسم الخريطة يدويا على سطح الخشب، ثم انتقل إلى مرحلتي الحفر والنحت، قبل معالجة السطح بمواد خاصة وتجهيزه لإضافة طبقات الورق الذهبي التي تمنح اللوحة مظهرها النهائي.
ولفت إلى أنه حرص على دراسة جميع التفاصيل الواردة في الخريطة الأصلية وإعادة إنتاجها بأكبر قدر ممكن من الدقة، تقديرا للقيمة التاريخية التي تمثلها.
وفي حديثه، ذكر باكير أن العمل على موضوعات تاريخية يمنحه شعورا خاصا بالارتباط بالماضي، لا سيما عندما يتعلق الأمر بإنجازات تركت أثرا واضحا في التاريخ الإنساني.
وقال إن أكثر ما يثير إعجابه هو أن كثيرا من هذه الإنجازات تحققت في عصور كانت تفتقر إلى الوسائل التقنية الحديثة، ومع ذلك لا تزال تحظى بالإعجاب حتى اليوم.
وأضاف أن معظم أعماله الفنية مستوحاة من شخصيات وأحداث ورموز تاريخية مرتبطة بتركيا وتراثها الحضاري، مؤكدا أنه يسعى من خلال فنه إلى الإسهام في التعريف بتاريخ بلاده والحفاظ على موروثه الثقافي.
وأشار إلى أن أعماله تلقى اهتماما داخل تركيا وخارجها، وأنه يشارك بها في معارض وفعاليات فنية دولية، كما ينجز لوحات خاصة بطلب من شخصيات ومؤسسات في بلدان مختلفة.
وختم بالقول إن هدفه لا يقتصر على إنتاج أعمال فنية جميلة، بل يمتد إلى إبقاء التاريخ حاضرا في الوعي العام عبر لغة الفن، وإبراز قيمة التراث الذي خلفته الحضارات السابقة للأجيال المعاصرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك