يأتي استهداف جماعة الحوثيين عمق مدينة يافا المحتلة فجر اليوم الاثنين، ليمثل تحولاً نوعياً في توقيت التدخل العسكري للجماعة، إذ لم يكن مجرد هجوم منفرد، بل جاء متزامناً مع ذروة التصعيد الإقليمي الذي أعقب الرد الإيراني على الغارات الإسرائيلية التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت أمس.
وبحسب مراقبين، فإن توقيت هذه الضربة يحمل دلالة استراتيجية واضحة، فهي تأكيد عملي لتفعيل" وحدة الساحات"، ورسالة مباشرة بأن المحور الإقليمي الموالي لطهران قد انتقل من مرحلة" التريث" أو" المشاغلة المحدودة" إلى مرحلة الاستجابة المباشرة والمتصاعدة، مما يعني أن الحوثيين قرروا كسر حالة الجمود التي سادت الفترة الماضية وإعادة إشعال جبهة البحر الأحمر كجزء لا يتجزأ من المعركة الكبرى مع إسرائيل، وهي الورقة التي لطالما لوّحت باستخدامها القيادات العسكرية الإيرانية في مواجهة المحاولات الأميركية الهادفة للسيطرة على مضيق هرمز والتحكم فيه.
وفي السياق، كشف البيان العسكري الذي تلاه المتحدث باسم القوات المسلحة التابعة للحوثيين عن تحول جذري في قواعد الاشتباك، حيث لم يكتفِ البيان بإعلان نجاح الدفعة الصاروخية في إصابة أهدافها الحساسة في يافا، بل صعّد الموقف بإعلان حظر شامل وتام للملاحة البحرية الإسرائيلية في البحر الأحمر.
وتكمن أهمية هذا البيان في كونه يمثل ربطاً عضوياً بين الرد الإيراني والتحركات الميدانية اليمنية، حيث صاغت الجماعة موقفها كجزء من رد جماعي على" العدوان الصهيوني" الذي طاول طهران والضاحية الجنوبية لبيروت، المعقل الرئيس لحزب الله.
ولم يكتفِ البيان بالجانب الصاروخي، بل حمل تهديداً مبطناً وواضحاً بأن أي تحرك إسرائيلي في الممر المائي الدولي سيُعامل كهدف عسكري مشروع، في مؤشر على نية الجماعة تحويل ممرات الملاحة إلى ساحة مواجهة مفتوحة لإرباك الحسابات الإسرائيلية والأميركية.
ويأتي التحرك الحوثي الأخير ضمن سياق خطة شاملة ومدروسة تديرها طهران لتوظيف أدوار حلفائها في المنطقة وفق تصعيد متزامن، وقد مهد الحوثيون لهذا التصعيد عبر سلسلة من المواقف السياسية والتهديدات التي سبقت العملية، حيث أكدوا جاهزيتهم لمواجهة" التصعيد بالتصعيد"، وهو ما يضع المنطقة أمام مرحلة جديدة من العمليات التي لن تقتصر على الصواريخ والمسيّرات الموجهة نحو العمق الإسرائيلي فحسب، بل ستشمل تهديداً دائماً لخطوط الإمداد والملاحة المرتبطة بإسرائيل.
ويتماشى التحرك الحوثي الأخير مع تنسيق إقليمي وثيق ضمن أطراف" محور المقاومة"، حيث اتخذ حلفاء طهران مواقف تصعيدية موازية للرد الميداني.
وفي هذا السياق، أصدرت" كتائب حزب الله" في العراق بياناً حازماً يوم أمس، حذرت فيه من أن أي تدخل أميركي مباشر في هذا الاشتباك سيُقابل برد فعل واسع، مؤكدة أنها ستضع القواعد والمصالح الأميركية في العراق وعموم المنطقة تحت دائرة الاستهداف المباشر.
ويعكس هذا الموقف وحدة الميدان وتكامل الأدوار بين الفصائل الحليفة لإيران في مواجهة التهديدات الأميركية والإسرائيلية الراهنة.
ومن خلال هذا النهج، تسعى جماعة الحوثي إلى فرض معادلة" حصار الممر المائي" كأداة ضغط استراتيجية تهدف إلى إنهاك الداخل الإسرائيلي اقتصادياً وعسكرياً، معتمدة على ما تصفه بـ" المفاجآت العسكرية" والتنسيق الوثيق مع بقية أطراف محور المقاومة، مما يمهد لمسرح عمليات طويل الأمد يتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية للصراع.
ويأتي هذا التصعيد امتداداً لمسار بدأ منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران صباح يوم السبت الموافق 28 فبراير/شباط 2026، وهي الحملة التي أطلقت عليها إسرائيل اسم" زئير الأسد"، بينما سمتها الولايات المتحدة بـ" الغضب الملحمي".
وعلى الرغم من أن الحوثيين يُعدّون من أبرز حلفاء طهران في المنطقة، إلا أنهم آثروا التريث لأكثر من شهر قبل إعلان انخراطهم الرسمي، حين أصدروا في 27 مارس/آذار الماضي بياناً عسكرياً أكدوا فيه أن يدهم باتت على الزناد، مشددين على أن تدخلهم المباشر مرهون بمعايير استراتيجية، منها انضمام تحالفات دولية جديدة ضد طهران، أو استخدام البحر الأحمر في عمليات عدائية ضدها.
وقد سبق هذا المشهد الراهن مرحلة من التدخل العسكري المحدود، حيث نفذ الحوثيون سلسلة من العمليات النوعية بين 28 مارس/آذار و6 إبريل/نيسان الماضيين.
يُذكر في هذا الصدد أن المتحدث العسكري للجماعة كان قد كشف عن عملية مشتركة نُفذت في 6 إبريل الماضي بمشاركة الحرس الثوري الإيراني والمقاومة الإسلامية في لبنان، مستهدفة أهدافاً في أم الرشراش بصواريخ مجنحة ومسيّرات، لتشكل تلك الهجمة العملية السادسة والأخيرة في ذلك الإطار الزمني، قبل أن تنتقل الأوضاع اليوم إلى مستوى جديد من التصعيد المفتوح.
ويوضح المحلل السياسي سعيد عقلان، في تصريح لـ" العربي الجديد"، أن استئناف الحوثيين عملياتهم العسكرية ضد إسرائيل لا يمثل حدثاً معزولاً، بل يندرج ضمن استراتيجية الرد الإيراني الشامل التي تسعى طهران من خلالها إلى رسم معادلة ردع جديدة في المنطقة، وتهدف طهران عبر هذا التحرك إلى إيصال رسالة سياسية وعسكرية واضحة للمجتمع الدولي والإقليمي، مفادها أن محورها لا يزال يحتفظ بزمام المبادرة وبكامل قدراته الهجومية، سواء عبر الضربات المباشرة التي تشنها من العمق الإيراني بموجات متلاحقة من الصواريخ والمسيّرات، أو من خلال التنسيق الوثيق مع أذرعها الإقليمية في كل من لبنان واليمن والعراق، والتي أثبتت احتفاظها بجاهزيتها القتالية العالية رغم التوترات المستمرة.
وفي قراءته للمشهد العسكري اليمني، يرى عقلان أن حالة التحييد أو غياب الضربات الجراحية المركزة من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف تابعة لجماعة الحوثي منذ اندلاع الحرب، قد منحت الجماعة فرصة استراتيجية ثمينة، فقد استغلت الجماعة هذه المساحة الزمنية لإعادة ترتيب أوراقها العسكرية بعيداً عن أعين الرصد، حيث ركزت جهودها على إعادة توزيع وتأمين ترسانتها من الصواريخ الباليستية ومنصات الإطلاق المتنقلة، بالإضافة إلى نشر أسراب الطائرات المسيّرة في مناطق جغرافية وعرة ومتباعدة في أنحاء البلاد.
ويشدد عقلان على أن هذه التحركات الميدانية لم تكن مجرد إجراءات احترازية، بل هي جزء من خطة دفاعية وهجومية مدروسة تهدف إلى تعزيز قدرة الجماعة على الصمود وتوسيع نطاق تأثيرها في أي تصعيد إقليمي قادم، بما يضمن لها دوراً محورياً في مسرح العمليات المفتوح.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك