توقّفنا في المقالات السابقة عن حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان في خمس محطات، شملت: إعلان فرانكفورت 1992، ومفاوضات أبوجا 1992 – 1993، ومبادئ الإيقاد 1994، ولقاء نيروبي 1993، وإعلان واشنطن 1993، ثم اتفاق أسمرا الرباعي 1994.
وقد أوضحنا أنه بعد صدور مشروع مبادئ الإيقاد في مايو عام 1994، بدأت الحركة الشعبية لتحرير السودان في مناقشة وانتزاع حق تقرير المصير من الأحزاب الشمالية، في توازٍ لانتزاع الفصيل المنشقِّ من الحركة لحق تقرير المصير من حكومة الإنقاذ.
وقد نجحت الحركة الشعبية في انتزاع حق تقرير المصير بدايةً من الحزب الاتحادي الديمقراطي في إعلان القاهرة في 13 يوليو عام 1994، ثم من حزب الأمة في اتفاق شقدوم في 12 ديسمبر عام 1994، ثم من الحزبين، ومعهما قوات التحالف السودانية، من خلال الاتفاق الرباعي في 27 ديسمبر عام 1994.
وفي نقلةٍ نوعيةٍ كبيرةٍ، فقد وقّع على الاتفاق الرباعي السيد محمد عثمان الميرغني، والدكتور جون قرنق، والدكتور عمر نور الدائم، والعميد عبد العزيز خالد، بأنفسهم، خلافاً للاتفاقات السابقة التي شملت من الموقّعين من هذه القيادات الدكتور عمر نور الدائم فقط.
عليه فقد كان إعلان القاهرة في 13 يوليو عام 1994 أولَ وثيقةٍ رسميةٍ يعترف فيها حزبٌ شماليٌ بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، مثلما كان إعلان فرانكفورت في 25 يناير عام 1992 أولَ اتفاقٍ رسميٍ توقّعه حكومةٌ في الخرطوم يعترف بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
من الجانب الآخر، فإن إعلان فرانكفورت كان بين حكومة الإنقاذ والفصيل المنشق من الحركة الشعبية الأم، بينما كان إعلان القاهرة (والاتفاقيات التي تلته) بين أحزاب المعارضة الشمالية والحركة الشعبية لتحرير السودان الأم.
وقد أثار ذلك الوضع التكميلي السؤال الساخر من بعض المراقبين إن كانت تلك مصادفةً تاريخيةً، أم توزيعَ أدوارٍ ذكيٍ داخل الحركة الشعبية وفصائلها في تعاملها مع الأحزاب الشمالية؟صارت الخطوة المُتبقّية للحركة الشعبية، بعد الاتفاق الرباعي مع حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي وقوات التحالف السودانية، هي تأكيد حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان بواسطة اجتماعٍ عامٍ للتجمع الوطني الديمقراطي، بكل أحزابه وتنظيماته.
ولكن كما ذكرنا في المقال السابق، فقد كان واضحاً أنه بعد موافقة الحزبين الكبيرين (الأمة والاتحادي الديمقراطي)، واللذين عارضا بشدّة هذا الحق في الماضي، (بل عارضا حتى مطلب النظام الفيدرالي)، فإن مسألة موافقة جميع أحزاب وتنظيمات التجمّع الوطني الديمقراطي على حق تقرير المصير أصبحت إجرائيةً، ومسألة وقتٍ، لا أكثر ولا أقل.
بعد حوالي الستة أشهرٍ من اتفاق القوى الرئيسية السودانية (الاتفاق الرباعي) في 27 ديسمبر عام 1994 بين حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي وقوات التحالف السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان الأم، والذي أكّدت فيه هذه الأحزاب الشمالية حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، عقدت أحزاب ومنظمات التجمّع الوطني الديمقراطي مؤتمراً أسمته “مؤتمر القضايا المصيرية.
”تم عقد الاجتماع في مدينة أسمرا عاصمة دولة إريتريا في الفترة من 15 وحتى 23 يونيو عام 1995.
وقد شاركت في المؤتمر قياداتٌ سياسيةٌ وعسكريةٌ ونقابيةٌ مثّلت الحزب الاتحادي الديمقراطي، حزب الأمة، الحركة الشعبية لتحرير السودان، تجمع الأحزاب الأفريقية السودانية، الحزب الشيوعي السوداني، النقابات، القيادة الشرعية للقوات المسلحة، مؤتمر البجة، قوات التحالف السودانية، وشخصياتٌ وطنيةٌ مستقلةٌ شماليةٌ وجنوبيةٌ.
بات واضحاً أن ذلك الاجتماع كان أكبرَ حشدٍ للأحزاب والتنظيمات السودانية يتم عقده منذ انقلاب الإنقاذ في 30 يونيو عام 1989.
تداول المؤتمرون في عدّة قضايا شملت إيقاف الحرب وإحلال السلام في السودان، حق تقرير المصير، علاقة الدين بالسياسة، شكل الحكم خلال الفترة الانتقالية، برامج وآليات تصعيد النضال من أجل إسقاط نظام الجبهة القومية الإسلامية، ترتيبات ومهام الفترة الانتقالية، مقوّمات سودان المستقبل، هيكلة التجمّع الوطني الديمقراطي، والقضايا الإنسانية.
اتخذت أحزاب وتنظيمات التجمّع الوطني الديمقراطي، بعد مداولاتٍ دامت لأكثر من أسبوع، عدّة قراراتٍ خلال مؤتمر القضايا المصيرية تمّ تضمينها في بيانٍ أُطلِق عليه اسم “إعلان أسمرا” الذي صدر في اليوم الختامي للمؤتمر في 23 يونيو عام 1995.
كرّرت ديباجة الإعلان ما ورد في ديباجات الاتفاقيات الثلاثة الماضية (مع الحزب الاتحادي الديمقراطي، وحزب الأمة، والحزبين معاً بالإضافة إلى قوات التحالف السودانية في الاتفاق الرباعي) من التزام الأطراف التزاماً راسخاً بإنهاءٍ عاجلٍ للنزاع المسلّح الراهن عبر تسويةٍ عادلةٍ ودائمةٍ، وهو ما يتطلّب أن تتحلّى القيادات بالشجاعة السياسية والحنكة وبعد النظر.
وأكّدت الديباجة أن الخيار المفضّل هو الوحدة المؤسّسة على التنوّع، والاعتراف بأن السودان بلدٌ متعدد الأعراق والديانات والثقافات واللغات، وأن تلك الوحدة يجب أن تقوم على حـق المواطنة، وعلى المساواة في الحقوق والواجبات، وفق المعايير المضمّنة في المواثيق العالمية حول حقوق الإنسان.
أكّدت الديباجة كذلك أن وحدة السودان الدائمة لا يمكن أن تستند على القـوة والقهر، وإنما على العدل والقبول الحر من جانب كل المجموعات في السودان.
كان أول وأهم القرارات التي وردت في إعلان أسمرا هو ذلك المتعلّق بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
وقد تضمّن الإعلانُ عدّةَ فقراتٍ عن حق تقرير المصير، منها أن حق تقرير المصير حقٌّ إنسانيٌ ديمقراطيٌ أساسيٌ للشعوب، يحقّ لأي شعبٍ ممارسته في أي وقتٍ.
وأقرّ الإعلان بأن ممارسة حق تقرير المصير تُوفِّر حلّاً لقضية إنهاء الحرب الأهلية وتُيسّر استعادة الديمقراطية وتعزيزها.
أشار الإعلان أن المناطق المتأثّرة بالحرب هي جنوب السودان، ومنطقة أبيي، وجبال النوبة، وجبال الأنقسنا.
وأّكّد أن شعب جنوب السودان (بحدوده القائمة في أول يناير 1956) سيمارس حقه في تقرير المصير قبل انتهاء الفترة الانتقالية، وأن الخيارات التي ستُطرح للاستفتاء في الجنوب هي الوحدة (بما في ذلك الكونفيدرالية والفيدرالية) والاستقلال.
وأشار الإعلان أيضاً بأن ممارسة حق تقرير المصير، بجانب كونه حقّاً ديمقراطياً وإنسانياً أصيلاً للشعوب، فإنه أيضاً أداةٌ لوضع نهايةٍ فوريةٍ للحرب الأهلية ولإتاحة فرصةٍ فريدةٍ وتاريخيةٍ لبناء سودانٍ جديدٍ قائمٍ على العدالة والديمقراطية والاختيار الحر.
وكأن هذه الفقرات لاتكفي، فقد أضاف الإعلان التزام الأطراف بالسلام العادل والديمقراطية والوحدة القائمة على الإرادة الحرة لشعب السودان وبحلِّ النزاع الراهن بالوسائل السلمية، عبر تسويةٍ عادلة ودائمة.
وواصل الإعلان أنه لتحقيق هذه الغاية فإن التجمّع الوطني الديمقراطي يدعم إعلان المبادئ الصادر عن مجموعة الإيقاد كأساسٍ عمليٍ للتسوية العادلة والدائمة.
ولا بُدَّ من التذكير أن مبادئ الإيقاد تشمل حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وعلمانية الدولة السودانية.
أوضح الإعلان أن التعـرّف على آراء أهل منطقة أبيي فيما يتعلق برغباتهم إما بالبقـاء داخل الحدود الإداريـة لإقليم جنوب كردفان، أو بالانضمام إلى إقليم بحر الغزال، سيتم عبر استفتاءٍ يُنظّم خلال الفترة الانتقالية، ولكن قبل ممارسة الجنوب لحق تقريـر المصير.
واذا ما أظهرت نتيجة الاستفتاء رغبــة أكثرية أهل هذه المنطقة في الانضمام إلى إقليم بحر الغزال، فإنهم سيمارسون حق تقرير المصير كجزءٍ من شعب جنوب السودان.
أما بالنسبة لجبال النوبه والأنقسنا فقد أوضح الإعلان أن الحكــومة الانتقالية ستسعى للتوصّل إلى حلٍ سياسيٍ لتصحيح الظلامات التي عانى منها أهل تلك المناطق، وستنظّم استفتاءً لمعرفة آرائهم حول مستقبلهم السياسي والإداري خلال الفترة الانتقالية.
لم ينس الإعلان تضمين وعد التجمّع الوطني الديمقـراطي أن تخطّط السـلطة المركزية، خلال الفترة الانتقالية، وتضع موضع التنفيذ التدابيرَ اللازمة لبناء الثقة وإعادة بناء هيـاكل الدولة، والمؤسسات الاجتماعيـــة والاقتصادية، ومنــــاهج الأداء على النحو المطلوب، بحيث تقـود ممارسة حق تقرير المصير إلى دعم الخيار الوحدوي.
وقد وقّع على إعلان أسمرا:الحزب الاتحادي الديمقراطي (الدكتور أحمد السيد حمد)،حزب الأمة (الدكتور عمر نور الدائم)،الحركة الشعبية لتحرير السودان (الدكتور جون قرنق)،تجمّع الأحزاب الأفريقية السودانية (السيد أبدون أقاو أجوك)،الحزب الشيوعي السوداني (السيد التيجاني الطيب)،القيادة الشرعية للقوات المسلحة (الفريق أول فتحي أحمد علي)،النقابات (السيد هاشم محمد أحمد)،مؤتمر البجة (السيد محمد طاهر)،قوات التحالف السودانية (العميد عبد العزيز خالد)،وبعض الشخصيات الوطنية (السيد فاروق أبو عيسى، والدكتور الواثق كمير).
بالإضافة إلى إعلان أسمرا، فقد قام أعضاء التجمّع الوطني الديمقراطي بإصدار بيانٍ آخر أكثر تفصيلاً أسموه “البيان الختامي.
” وقد كرّر البيان الختامي نفس الفقرات من إعلان أسمرا عن حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
شمل البيان الختامي أيضاً فصلاً عن الدين والسياسة في السودان أورد فيه البيان الفقرات التي تضمنها إعلان نيروبي.
وشمل البيان الفقرات الخاصة بحقوق الإنسان المضمّنة في المواثيق والعهود الإقليمية والدولية والتي ستُشكّل جزءاً لا يتجزأ من دستور السودان، وأن أي قانونٍ يتعارض معها يعتبر غير دستوريٍ وباطل.
وشمل البيان كذلك ضمان القانون للمساواة الكاملة بين المواطنين، وعدم التمييز بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو الثقافة، وبطلان أي قانونٍ يصدر مخالفاً لذلك.
كما حظر البيان قيام أي حزبٍ سياسيٍ يُؤسّس على أساسٍ دينيٍ.
وهكذا ضمّنت الحركة الشعبية مقررات إعلان نيروبي عن الدين والسياسة الذي صدر عند انتهاء لقاء التجمّع الوطني الديمقراطي في 17 أبريل عام 1993 في وثيقةٍ مع حق تقرير المصير، والتي وقّعت عليها كل أحزاب وتنظيمات التجمّع الوطني الديمقراطي في 23 يونيو عام 1995.
شمل البيان الختامي أيضاً فقراتٍ مطوّلة عن شكل الحكم خلال الفترة الانتقالية، وأوضح أنه سيقوم على أساس الحكم اللامركزي، على أن يحدّد الدستور الانتقالي السلطات والصلاحيات وتوزيعها بين المركز والكيانات الإقليمية.
وتناول البيان برامج وآليات تصعيد النضال لإسقاط نظام الإنقاذ.
واعتمد المؤتمر عدّة تقارير، شملت البرنامج الاقتصادي للفترة الانتقالية، برنامج للسياسة الخارجية وسياسات التعاون الإقليمي والدولي، قانون تنظيم الأحزاب السياسية، ميثاق العمل النقابي، وقانون الصحافة والمطبوعات.
وقد شابهت تلك الوثائق، إلى حدٍّ كبير، الوثائق التي ناقشها وأجازها اجتماع لندن للتجمع الوطني الديمقراطي في 26 يناير عام 1992 (والذي لم تكن الحركة الشعبية لتحرير السودان طرفاً فيه).
أقرّ المؤتمر الهيكل التنظيمي للتجمع الوطني الديمقراطي والذي يتكوّن من المؤتمر، هيئة القيادة، المكتب التنفيذي، الأمانة العامة، أمانات متخصصة ومراكز للفروع.
وتمّ انتخاب السيد محمد عثمان الميرغني رئيساً للتجمع، والدكتور جون قرنق نائباً للرئيس، والسيد مبارك الفاضل المهدي أميناً عاماً للتجمع.
وقد وقّع على وثيقة البيان الختامي ممثلو كل الأحزاب والتنظيمات المنضوية تحت مظلة التجمّع الوطني الديمقراطي.
وهكذا توّجت الحركة الشعبية بإعلان أسمرا نجاحاتها في انتزاع حقّ تقرير المصير من كلِّ أحزاب وتنظيمات المعارضة معاً، وفي وثيقةٍ لا غموض أو لبس فيها، وقّع عليها قادة هذه الأحزاب والتنظيمات أنفسهم دون وساطةٍ أو ضغوطٍ من طرفٍ ثالث، أو حتى مشاركة طرفٍ ثالثٍ في الاجتماع كوسيطٍ أو مراقبٍ.
لا بد من إضافة أن الوثيقة نفسها أشارت إلى مواطني جنوب السودان كـ “شعب جنوب السودان”، واتفقت بأن هذا الشعب “سيمارس حقه في تقرير المصير.
”لم تعد المسألة مسألة إعطاء شعب جنوب السودان هذا الحق، بل أصبحت توقيت وكيفية ممارسته لهذا الحق.
كما يُلاحظ أيضاً الربط في إعلان أسمرا بين حقوق الإنسان والديمقراطية وشعار السودان الجديد من جهة، وحق شعب جنوب السودان في تقرير المصير، من الجهة الأخرى.
كان إعلان أسمرا بلا شك إنجازاً كبيراً للحركة الشعبية، إذ أنه أتي بعد أربعة أعوامٍ فقط من مؤتمر توريت الذي تبنّت فيه الحركة مبدأ تقرير المصير، وبعد ثلاثة أعوامٍ ونصف من إعلان فرانكفورت الذي وافقت حكومة الإنقاذ بمقتضاه مع فصيل الناصر على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
لقد اثبت إعلان أسمرا، بما لا يدع مجالاً للشك، الحنكة والفطنة السياسية التي عالجت بها الحركة الشعبية مسألة حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وانتزعت بها عبر نهجٍ تدريجيٍ ذكيٍ وماهرٍ هذا الحق من كل أحزاب وتنظيمات التجمّع الوطني الديمقراطي فرادى، ثم مجتمعةً.
لا بد من التذكير أن أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي الثلاثة التي شاركت في مؤتمر القضايا المصيرية ووافقت ووقعت على إعلان أسمرا (الأمة والاتحادي الديمقراطي والشيوعي) كانت قد رفضت رفضاً قاطعاً مطلب الأحزاب الجنوبية لمطلب الفيدرالية في مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965.
وقد بررت هذه الأحزاب رفضها للنظام الفيدرالي في ورقتها المشتركة التي قدّمتها للمؤتمر بالقول:“يشعر السودانيون خاصةً في الشمال أن الوضع الفيدرالي ما هو إلّا خطوةٌ نحو الانفصال لأنه درجةٌ بعيدة المدى نحو تلاشي الحكومة المركزية، ولأنه نظامٌ ثبت تشجيعه للنعراتِ الإقليمية والعصبيّات المحليّة، لا سيما وأنه في هذه الحالة يشكّل نزعةً إلى الابتعاد عن الوحدة، بعكس المعتاد في النظم الفيدرالية التي تقرّب بين مقاطعاتٍ أو دولٍ كانت مستقلّةً أو شبه مستقلّة، أو لم يكن بينها إلّا الرباط الاستعماري.
”نعم، نفس الأحزاب التي رفضت مجتمعةً وبإصرار عام 1965 الوضع الفيدرالي لأن الوضع الفيدرالي، في رأيها، ما هو إلّا خطوةٌ نحو الانفصال، عادت وقبلت عام 1995 بوضوح حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان رغم أن الانفصال هو أحد الخيارين في استفتاء حق تقرير المصير.
كما لا بد من إضافة التوافق التام للاحزاب الشمالية مجتمعةً في الحالتين – حالة رفض الفيدرالية عام 1965، وحالة قبول حق تقرير المصير عام 1995.
من المؤكد أنه لو تم قبول مطلب الفيدرالية عام 1965 وتم تطبيقه بجدية وحسن نية، فإن مطلب حق تقرير المصير لم يكن ليجد أرضاً ليُولد وينشأ ويترعرع فيها.
لكنه مسرح العبث السياسي السوداني، وغياب الجدية والإرادة السياسية، والاستخفاف المتواصل من الشمال بقضية وقادة الجنوب! !يحاول البعض أن يجادل أن موافقة أحزاب وتنظيمات التجمّع الوطني الديمقراطي على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان في مؤتمر أسمرا كان مشروطاً بسقوط نظام الإنقاذ، وقيام نظامٍ ديمقراطيٍ تعدّدي، وفترة انتقالية تعمل خلالها هذه الأحزاب والتنظيمات على جعل الوحدة جاذبةً لأبناء وبنات جنوب السودان بتطبيق الاتفاقيات التي وقّعتها مع الحركة الشعبية.
غير أنه لا بد من إضافة أنه لم تتضح أيّة مقدرة سياسية أو عسكرية للتجمع الوطني الديمقراطي منذ عام 1989 لمحاولة إسقاط نظام الإنقاذ.
عليه فلا بدّ لهذا الوضع أن يثير التساؤل إن كانت أحزاب وتنظيمات التجمّع الوطني الديمقراطي، والتي فشلت في بناء قدراتها العسكرية والسياسية والدبلوماسية والجماهيرية لإسقاط نظام الإنقاذ، قد وافقت على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان مقابل أن تقوم الحركة الشعبية بإسقاط نظام الإنقاذ لها، وتسلّمها مفاتيح الخرطوم؟لن يخطئ القارئ إن توصّل إلى أن المسألة كانت في المعدّل النهائي، في ذهن أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي، هي صفقةٌ بين التجمّع الوطني الديمقراطي والحركة الشعبية لتحرير السودان: إسقاط الحركة الشعبية لنظام الإنقاذ في الخرطوم، مقابل منح التجمعِ الوطني شعب جنوب السودان حق تقرير المصير.
لكن كان واضحاً منذ البداية أن الأحداث والتطورات في مسرح الأحداث السودانية لن تسير وتتوالى بتلك الصورة الساذجة.
بحلول منتصف عام 1995 كانت الحركة الشعبية قد انتزعت حق تقرير المصير من كل أحزاب وتنظيمات التجمّع الوطني الديمقراطي فرادى.
ثم أكّدت الحركة ذلك في وثيقةٍ واحدةٍ في غاية الوضوح مع كل هذه الأحزاب والتنظيمات مجتمعةً في إعلان أسمرا.
في ذلك الوقت كانت حكومة الإنقاذ قد بدأت الترتيبات لما أسمته “السلام من الداخل” مع الفصائل المنشقّة من الحركة الشعبية، بعد أن قاد الدكتور غازي العتباني وفدها وأعلن الانسحاب من مبادرة الإيقاد في 6 سبتمبر عام 1994، كما ناقشنا في المقال الخامس من هذه السلسلة من المقالات.
وقد قامت حكومة الإنقاذ من خلال مفاوضات السلام من الداخل في عامي 1996 و 1997 (بعد أقل من عامٍ من صدور إعلان أسمرا في يونيو عام 1995) بالاعتراف الكامل وغير المشروط، في اتفاقياتها مع الفصائل المنشقة من الحركة الشعبية الأم، بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، في تأكيدٍ كاملٍ لإعلان فرانكفورت الذي وقّعت عليه مع فصيل الناصر في 25 يناير عام 1992.
وبدأت مجموعة الإنقاذ، من خلال محاولاتٍ مرتبكةٍ، وضع الأسس وبناء المؤسسات لتفعيل ذلك الاتفاق، كما سنناقش في المقالين القادمين من هذه السلسلة من المقالات.
وهكذا برز وتأكّد مساران للتفاوض، أحدهما بين الحركة الشعبية الأم وأحزاب وتنظيمات التجمّع الوطني الديمقراطي المعارض، والآخر بين حكومة الإنقاذ والفصائل المنشقّة من الحركة الشعبية الأم.
ولكنّ هذين المسارين لم يكونا متوازيين كما قد يبدو من الوهلة الأولى.
فقد التقيا في نهاية المطاف وقادا، كلٌ بقدرٍ كبيرٍ من مساهماته، إلى بروتوكول مشاكوس عام 2002، والذي أطّر لحقِّ تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
وقد قاد بروتوكول مشاكوس إلى اتفاقية السلام الشامل عام 2005، ثم للاستفتاء وانفصال جنوب السودان بسلاسةٍ بالغةٍ عام 2011.
سنواصل النقاش في المقالين القادمين عن مسار التفاوض الحكومي مع الفصائل المنشقّة من الحركة الشعبية الأم، والذي تمت تسميته “السلام من الداخل”، والتوصّل عامي 1996 و 1997 إلى اتفاقية الخرطوم للسلام.
وقد أكّدت حكومة الإنقاذ من خلال تلك الاتفاقية قبولها، بوضوحٍ وبلا مواربة، مطلب حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان الذي كانت قد منحته لهم (باستحياء! ) في إعلان فرانكفورت عام 1992.
وسنناقش أيضاً في هذين المقالين محاولات تفعيل اتفاقية الخرطوم، ونتعرّض للمشاكل التي قابلتها منذ البداية، وأدّت بعد أعوام قلائل إلى موتها موتاً طبيعياً، وسريعاً كما كان متوقّعاً منذ بدايتها العرجاء، ونتائج وتداعيات فشل اتفاقية الخرطوم وانهيار مشروع الإنقاذ الذي تمّت تسميته “السلام من الداخل”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك