لا تبدو حمص مجرد مدينة خرجت من الحرب، بل ذاكرة مثقلة بالغياب والندوب، ففي الفيلم الوثائقي" ذاكرتي ممتلئة بالأشباح"، يوثق المخرج أنس الظواهري، في عمله المصور صيف عام 2023، أثر الخراب في المكان والناس، مستعيداً وجهاً من الصدمة الجماعية التي خلفتها الحرب التي شنتها قوات النظام المخلوع، وبقيت حاضرة حتى بعد توقف أصوات الرصاص.
لم تعد مدينة حمص إلا مجرد ظل لما كانت عليه في السابق، فبعد أن كانت مركزاً صناعياً كبيراً في البلد، تحولت إلى ساحة معركة أساسية خلال الفترة ما بين 2011 و2014.
وفي خضم هذا الاستنزاف الهائل، أجبر آلاف المدنيين على التهجير أو النزوح، أو ألفوا أنفسهم محاصرين داخل مدينتهم.
يستعرض هذا الفيلم الوثائقي المؤثر الذي صوره في صيف عام 2023 المخرج الفلسطيني الأصل والسوري النشأة، أنس الظواهري، ملامح الصدمة الجماعية والحزن الذي ما برح يخيم على هذه المدينة، حتى بعد توقف أصوات الرصاص.
عبر لقطات طويلة وبطيئة، معظمها ثابت، يكشف الفيلم ركام المباني المقصوفة، وهياكل الأبنية الخربة، والشوارع المهجورة، فيكشف بوضوح عن حجم الوحشية التي خلفتها الحرب.
ويسود المكان شعور بالجمود والسكون، في وقت تظهر فيه كل جدران المدينة وقد امتلأت بفجوات خلفها الرصاص، وتحولت إلى ندوب في الأبنية تعبر عن الجراح النفسية التي حملها الناجون معهم.
تترافق صور الدمار مع شهادات مؤلمة من سكان حمص، ما يعطي الأنقاض بعداً إنسانياً عميقاً، إذ يستعيد أحد أهالي حمص كيف تحولت حمص من مدينة للفكاهة والضحك إلى مدينة للألم والحزن.
وبسخرية مريرة، يعتبر آخر نفسه محظوظاً لأنه فقد بصره، بما أنه لن يتحمل بعد ذلك الصدمة النفسية المترتبة على رؤية المدينة التي أحبها وقد سويت بالأرض.
تتخلل الفيلم أغان ذات إيقاع جنائزي وأناشيد رثاء، ما يضفي عليه نبرة شجية أقرب إلى المرثية البصرية لحمص بعد أن انقلبت الأحوال فيها.
وفي الوقت الذي يوثق المخرج أنس الظواهري الألم الذي خلفته الحرب، فإنه يفسح المجال أيضاً لإبراز صمود من ظلوا على قيد الحياة وقدرتهم على الاستمرار، مع تركيز خاص على الأطفال والمراهقين الذين خلفت الحرب أثراً بالغاً على حياتهم، إذ اضطر معظمهم للعمل في وقت مبكر بدلاً من الذهاب إلى المدرسة، ومع ذلك، نراهم ينخرطون في اللعب بكل حيوية، حتى بين الأنقاض والخرائب.
وفي ظل سلام يبدو أشد هشاشة من أي وقت مضى، تخلف براءتهم وفرحتهم آثاراً مؤلمة وعذاباً شديداً في آن معاً.
في أعقاب الحروب والصدمات الجماعية، يبرز الفن كأداة إنسانية قادرة على إعادة بناء العلاقة مع الذاكرة والألم.
فهو لا يقتصر على التوثيق أو التعبير الجمالي، بل يسهم في تفكيك الصدمة الاجتماعية ومنحها لغة قابلة للفهم والمشاركة.
ومن خلال الإبداع، يجد الأفراد والمجتمعات مساحة للتأمل والتطهير العاطفي، ما يفتح الباب تدريجياً أمام التعافي وإعادة ترميم الروابط الإنسانية التي تضررت بفعل العنف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك