لم يتأخر بابا الفاتيكان لاوون الرابع عشر في خطابه التاريخي أمام البرلمان الإسباني، والذي ألقاه اليوم الاثنين، على هامش زيارة رسمية إلى إسبانيا تمتد حتى يوم الجمعة المقبل، في انتقاد مناخ الشرخ السياسي الحاصل في إسبانيا بين اليمين واليسار.
وقال البابا، في هذا الإطار، إنه" لا يجب للتعددية السياسية أن تؤدي إلى تخوين الخصم واستبعاده، فحتى الخصام يمكن أن يكون سبيلاً للسلام".
وإن كان بابا الفاتيكان قد تحدّث مطولاً عن السلام بقوله إنه" يحتاج إلى خطاب عام يحترم المختلف"، وإن" إسبانيا عرفت كيف تنظر إلى الإنسان على أنه أكثر من مجرد قطعة"، فقد غاب عن خطابه أي ذكر لما يعانيه البشر في قطاع غزة الفلسطيني بشكل مباشر، أو أي تنديد لحرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع أو العدوان على جنوب لبنان أو حتى للحرب على إيران، مكتفياً بعبارات إنسانية عامة تتحدث عن السلام العالمي وضرورة تفادي الحروب.
بابا الفاتيكان في البرلمان الإسبانيوقال بابا الفاتيكان، اليوم، في كلمة أمام البرلمان الإسباني في مدريد، إن تصاعد الصراعات وتفاقم الاستقطاب وتفشي انتهاكات حقوق الإنسان دفعت العالم إلى أزمة عميقة.
وأضاف البابا أن" العالم يمر بأزمة روحية وثقافية عميقة، تتجلّى في أشكال متعددة من العنف والاستقطاب وانعدام الثقة المتبادل"، مضيفاً أنه" يمكن للأسلحة أن تفرض صمتاً مؤقتاً، لكن لا يمكنها أبداً بناء سلام حقيقي ودائم"، ومعتبراً أن زيادة الإنفاق العسكري الأوروبي" أمر مقلق".
كما رأى أن عدم مساعدة المهاجرين في العالم يشكل تحدياً للأساس الأخلاقي للنظام الدولي، لافتاً إلى أنه ينبغي على الدول أن تبحث عن حلول تتجاوز" مجرد إدارة التدفقات"، وأن تعالج الأسباب التي تجبر الناس على مغادرة بلدانهم الأصلية، بما في ذلك الحرب والفقر وتغير المناخ.
كما دعا لاوون إلى" يقظة أخلاقية صارمة" بشأن كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب.
وجّه البابا مجموعة من الرسائل السياسية الداخلية، خصوصاً في ملفات الهجرة والذاكرة التاريخيةوكان مراقبون يتوقعون أن تكون كلمة بابا الفاتيكان لاوون الرابع عشر ذات طابع سياسي أكثر، لا سيما أنها الأولى من نوعها تحت قبة البرلمان الإسباني.
لذلك كان متوقعاً أن يتناول، بشكل مباشر وبلغة واضحة، مواقف حكومة بيدرو سانشيز اليسارية، التي تُعد من أكثر الحكومات في أوروبا دعماً لفلسطين وانتقاداً للحرب الإسرائيلية على غزة أو الحروب التي يعيشها الشرق الأوسط في جنوب لبنان، وإبراز تفردها عن غيرها من الجوار الأوروبي في قضايا الالتزام بالقوانين الدولية، واحترام سيادة الدول، والدعوة إلى الحلول السلمية، ومواقفها من الحروب، لكن يبدو أنه فضّل خطاباً أخلاقياً وإنسانياً عاماً، يخلو من رسائل مباشرة أو أمثلة واقعية أو حتى ذكر لأماكن الإبادات والصراعات في العالم واقتصر على توجيه رسائل عامة عن الدبلوماسية والسلام واحترام القانون الدولي.
وإذا كانت خطبة البابا أمام البرلمان الإسباني، بحضور أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، ورؤساء المؤسسات القضائية والحكومات السابقة، باستثناء خوسيه لويس ثاباتيرو (الذي يتحضّر من أجل إلقاء كلمته أمام المحكمة بسبب دعوات فساد واختلاس أمول ضده) وأعضاء الحكومة الإسبانية، على رأسهم سانشيز، ورئيس المعارضة ألبيرتو نونيوز فيخو، ذات طابع أخلاقي واجتماعي أكثر منها سياسياً؛ لا سيما تلك التي أكّد فيها" ضرورة مساعدة المهاجرين" وعلى أنه" لا يمكن لدولة واحدة أن تواجه ملف الهجرة بمفردها" وأن" أوضاع المهاجرين في أوروبا والعالم تستوجب استقبالاً يحترم الكرامة الإنسانية"، وأن" المجتمعات يجب أن تضع الإنسان في المقام الأول وتعالج الأسباب التي تدفعهم إلى الرحيل"، فإنه وجّه أيضاً مجموعة من الرسائل السياسية الداخلية التي تصب في مصلحة حكومة سانشيز، خصوصاً في ملفات الهجرة والذاكرة التاريخية.
وكانت حكومة سانشيز قد اعتمدت مرسوم تسوية لأوضاع المهاجرين غير النظاميين، وهو ما أثار غضب اليمين الإسباني، وخلق مناخاً سياسياً واجتماعياً مثقلاً بالاستقطاب والكراهية وصعود خطب اليمين المتطرف المعادية.
ودعا البابا في خطابه، ضمن هذا السياق، إلى ضرورة حماية الديمقراطية والتعددية والدفاع عن المهاجرين وضرورة المحافظة على السلام ورفض الحروب، مؤكداً ضرورة" رفض سياسات الحرب ورفض المصالح التي تستفيد من النزعات المسلحة".
وهذه عملياً مواقف تتقاطع مع مواقف الحكومة الإسبانية داخلياً، سواء عبر ملف الهجرة، وأوروبياً، وذلك من خلال دعواتها المتكررة في المحافل الدولية كافة إلى الحلول السلمية، في أوكرانيا أو غزة أو لبنان، أو حتى في الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.
هو إذاً خطاب، وإن لم يخلُ من رسائل محرجة لحكومة سانشيز، خصوصاً تلك التي كرّر فيها لاوون الرابع عشر مواقف الكنيسة الرافضة للإجهاض والقتل الرحيم (التي تبنّتها حكومة سانشيز)، إلا أنها سياسياً، جاءت بمثابة غرفة إنعاش لحكومة تتعرض لانتقادات داخلية وخارجية.
يرى مراقبون أن رسائل البابا المبطنة موجهة إلى اليمين واليمين المتطرف في إسبانياوجاءت الكلمة في اليوم الثالث من زيارة البابا التاريخية إلى إسبانيا، وهي الأولى لبابا الفاتيكان منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، إلى هذا البلد.
وقد حملت هذه الزيارة الكثير من الدلالات والأبعاد السياسية، خصوصاً في ظل الوضع العالمي، والسياق الأوروبي الذي يشهد تصاعد خطاب قوى اليمين المتطرف، سواء داخل إسبانيا أو أوروبا، وهو ما أدى إلى ازدياد الانقسامات والاختلافات السياسية والاجتماعية في القارة العجوز.
لا يمكن اعتبار رحلة البابا إلى إسبانيا مجرد زيارة دينية أو حدث بروتوكولي عادي، إذ إنّه لا يمكن قراءتها إلا في سياق السياسية الداخلية الإسبانية والأوروبية، خصوصاً أن رسائله سرعان ما تحولت إلى محور للنقاش السياسي والإعلامي، خصوصاً تلك التي أكد فيها ضرورة رفض الاستقطاب والكراهية وصعود الخطابات الشعبوية المتشددة.
فقبل وصوله إلى العاصمة الإسبانية، كان بابا الفاتيكان في مواقفه كلها تقريباً المتعلقة بسياسات الهجرة، ورفض الحروب، والدعوة إلى السلام، والديمقراطية، واحترام القانون الدولي، قد أبدى تقارباً واضحاً من مواقف الحكومة الإسبانية، وهو الأمر الذي اعتبر على أنه دعم غير مباشر لرؤية حكومة سانشيز.
وتأتي هذه الزيارة لتأكيد هذا الدعم من خلال اللغة الأخلاقية التي استخدمها البابا في كل لقاءاته حتى اللحظة، حيث حرص على أن يقدم نفسه كقائدٍ أخلاقي يتدخل في القضايا الكبرى التي تمزق المجتمعات الغربية.
فأمام الملك فيليبي السادس وكبار المسؤولين الإسبان، انتقد التيارات الشعبوية والقومية المتشددة التي تكثر في أوروبا، كما حذّر بوضوح من مقاربات هوياتية تعطي للأشياء تفسيراً واحداً، لكنها في واقع الحال تملأ العالم بالأشباح والأعداء.
كذلك أكد أمام القيادات الإسبانية نبذ الجدران التي تضع الحدود أمام السلام، ورفض السلاح الذي يقوض فرص السلام، داعياً إلى ضرورة البحث عن الحوار والمصالحة والعيش المشترك.
وتأتي هذه الرسائل جميعها التي أطلقها البابا في مصلحة بيدرو سانشيز، ويرى مراقبون أنها رسائل واضحة إلى اليمين المحافظ الذي يتزعمه ألبيرتو نونيوز فيخو، والذي انتقد موقف الحكومة الإسبانية اليسارية، خصوصاً تلك التي وقفت فيها إلى جانب الشعب الفلسطيني، وكذلك اليمين المتطرف، وخصوصاً حزب فوكس بزعامة سانتياغو أباسكال.
وقد تكون المفارقة الكبرى أن زعيمي الحزبين قد صفقا لكل ما قاله البابا، في مشهد يعكس الحرج الكبير الذي يعيشه اليمين المحافظ والمتطرف على السواء في التعامل مع شخصية دينية مثل بابا الفاتيكان.
لا شك في أن حكومة سانشيز التي تتعرض لما تتعرّض له من عمليات تحقيق، وقضايا فساد، ومحاولات لا تنتهي لحجب الثقة عنها، واتهامات سياسية وإعلامية وصلت إلى شخص سانشيز نفسه، وجدت في زيارة البابا متنفساً سياسياً لها، إذ إنها ستوجّه الأنظار هذه الفترة على الأقل بعيداً عن مشكلات الحزب الحاكم، وقضايا الفساد، نحو ملفات القيم الإنسانية والاجتماعية والسياسية والعالمية التي تلتزم بها حكومة سانشيز.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك