بقلم اللواء: د.
رضا فرحات (أستاذ العلوم السياسية)لم تعد الشاشات نوافذ نطل منها على العالم، بل أضحت مرايا عاكسة تعكسنا نحن، وتعيد تشكيلنا ببطء وصمت، ولم تعد منصات التواصل مجرد قنوات اتصال، بل تحولت إلى مختبرات بشرية ضخمة، تدار فيها تجارب الوعي على نطاق غير مسبوق، و ما بدأ كحديقة مفتوحة للحوار، صار اليوم متاهة ذكية تصممها خوارزميات لا تملأ الفراغ بالمعرفة، بل بالاستثارة، ولا تبحث عن الحقيقة، بل عن الانخراط.
نحن لا نستخدم هذه المنصات؛ إنها من تستخدمنا، كل نقرة، كل ثانية توقف، كل مشاعر نشاركها، تتحول إلى بيانات تغذي نماذج تنبؤية تعرف رغبتنا قبل أن ندركها، وتقدم لنا عالما مصغرا مفصلا على مقاس تحيزاتنا، و الوهم الأكبر أننا نختار بحرية، بينما الخيار مهيأ مسبقا، والواقع مرشح بعناية، والحقيقة مقنعة بغلاف من التأكيدات التي لا تتعارض مع قناعاتنا.
هنا تتآكل الحدود بين الصادق والمفبرك، ليس لأن الكذب أصبح أسهل، بل لأن نظام المكافأة الرقمي لا يكافئ الدقة، بل يكافئ الصدمة، الشائعة أسرع من التحقق لأن الخوف والغضب يولدان تفاعلا أسرع من التأمل، والمعلومة لم تعد تقاس بمعيار الصحة، بل بمعيار الانتشار، فتطغى الضجة على العمق، ويصبح الصدى بديلا عن الجوهر.
نتيجة ذلك، لم نعد نعيش في مجتمع واحد، بل في مجتمعات موازية، كل منها محاصر بفقاعة من الترددات المتشابهة، الحوار يتحول إلى تبادل “مونولوجات”، والاختلاف يفسر كخيانة، والنقاش يصير ساحة تصفية حسابات، المجال العام يتشظى إلى جزر معزولة، كل منها يعبد إلهه الرقمي، ويفقد القدرة على سماع النغمات الأخرى.
وفي القلب من هذا التحول، تتحول المعركة من الأرض إلى العقل، فلم تعد الحروب تقتصر على حدود جغرافية، بل امتدت إلى حدود الإدراك، التلاعب بالمشاعر، وتزوير السرديات، وبث الشك المؤسسي، كلها أسلحة ناعمة تصنع بلمسات أصابع على شاشات، وتطلق كصواريخ نفسية تستهدف تماسك النسيج الاجتماعي، من يتحكم في الخوارزمية، يتحكم في نبض المجتمع؛ ومن يملك البيانات، يملك القدرة على صياغة الواقع قبل وقوعه.
لكن اليأس ليس قدرا، والاستسلام ليس خيارا، الإنسان لم يفقد قدرته على التمييز، بل يحتاج إلى إعادة تفعيلها، المواجهة تبدأ برفض الانسياق التلقائي، وبزرع مسافة نقدية بين العين والعقل، بين المؤشر والحقيقة، الوعي ليس هبة تمنح، بل عضلة تدرب، والتحقق ليس رفاهية، بل درع واقي في عصر تزدهر فيه الأوهام.
الحل لا يكمن في الهروب من الرقمنة، فهذا مستحيل ومتناقض مع روح العصر، بل في إعادة التوازن، نحتاج إلى “صيام رقمي” واع ومساحات خالية من الضوضاء لاستعادة القدرة على التأمل والقراءة العميقة والحوار المباشر، العقل يحتاج إلى الصمت ليصنع الفكرة، ويحتاج إلى المسافة ليرى الصورة كاملة.
الأهم من ذلك، أن التربية الإعلامية لم تعد مادة اختيارية، بل أصبحت مناعة مجتمعية، تعليم الأجيال كيف تعمل الخوارزميات، وكيف تمييز بين الخبر والرأي والتضليل، وكيف تتحقق من المصادر قبل النشر، هو خط دفاع أول عن الهوية الفكرية والأمن الوطني الناعم، المدرسة والبيت والإعلام مطالبون جميعا ببناء جيل لا يستهلك المحتوى بشكل سلبي، بل يحاوره، وينقده، ويتعامل معه بوصفه أداة وليس سيدا.
وسائل التواصل ليست شرا مطلقا، بل مرآة تضخم ما نحن عليه، المشكل ليس في الأداة، بل في الغفلة عن طريقة عملها، التحدي الجوهري اليوم ليس كيف نغادر العالم الرقمي، بل كيف نسكنه بوعي، ونستخدمه دون أن يستخدمنا، ونبقى أسياد أفكارنا وسط طوفان الخوارزميات.
الحرية في العصر الرقمي لم تعد تقف عند حق النشر، بل ارتقت إلى حق التفكير المستقل، وحق الشك الصحي، وحق رفض الانسياق خلف التيارات المصنوعة، ومن يحمي وعيه، يحمي سيادته الداخلية، ومن يمارس النقد قبل التصديق، يمارس الحرية الحقيقية.
العقل الحر ليس نتاج العزلة، بل ثمرة اليقظة، وفي ساحة الوعي، النصر ليس لمن يملك أعلى صوت، بل لمن يملك أعمق نظر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك