اكد الشيخ الدكتور عبدالقادر سليم، من علماء الأوقاف والأزهر الشريف بكفرالشيخ، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين سيدنا محمد البشير النذير السراج المنير الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه حق قدره ومقداره العظيم، أما بعد: فإن الهجرة النبوية الشريفه تشريع للأمة، ومعلم من معالم دينها، ولقد غيَّرت الهجرة النبوية مجرى التاريخ، وحملت في طيَّاتها معاني التضحية والبذل والفداء، والصحبة والايثار، والصبر والنصر، والتوكُّل والإخاء، جعلها الله طريقًا للنصر والعزة وبناء الدولة وميلاد الأمة، ورفع راية الإسلام ونصرته؛ قال الله تعالى: ﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 40].
أضاف الدكتور عبدالقادر سليم، لذا كان من وراء هذا الحادث العظيم مقاصد وغايات، وحكم ودلالات، فالهجرة جاءت لبناء دولة قوية.
وميلاد أمة مكرمة مصانة.
وقد بذل حضرة النبى والصحابة كل ما يملكون من أجل بناء الدولة الجديدة، ولتحقيق العدالة والحرية والمساواة والمحافظة على نسيج المجتمع الجديد بكل أطيافه وأشكاله ومعتقداته المختلفة والمتباينة، ولترسيخ القيم الحضارية والأخلاقية والحقوق والواجبات في تأسيس الدول، وكيفية المحافظة عليها.
ولبعث الأمة من جديد عن طريق الهجرة إلى المدينة.
أشار، لقد تحمل رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في سبيل بناء دولته الجديدة، العبء الثقيل من التطاول عليه بالسخرية والاستهزاء، ثم بالكذب والافتراء، ثم بتجربة الوعد والإغراء، ثم بتسليط الجهلة والسفهاء.
ولكن رسول الله يمضي بهدى ربه وتوفيقه، معتصمًا بحبله؛ مرددًا قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾ [يس: 9]، ويخرج رسول الله من بينهم وهم لا يبصرونه، يلتمس أرضًا خصبة صالحة لنشر رسالة ربه، والبحث عن موطن جديد للعيش بكرامة وعدالة وتحقيق مبدأ الاستخلاف بالعمل والعمران.
وقد تعلم أصحاب النبي منه كيف تكون التضحية بالغالي والنفيس من أجل بناء الأوطان وتشيد العمران وتكريم الإنسان وازدياد الإيمان، ففي حادث الهجرة عاش الصحابة التضحية في أروع صورها، وبذلوا في سبيل دينهم وبناء دولتهم الجديدة الغاليَ والنفيس، وبذلوا الجهد الجهيد والوقت الثمين، لم تشغلهم الأموال والأعمال، ولا الزوجات والأولاد عن الخروج في سبيل الله، ونصرة الدين، ضحوا بكل شيء، نعم، بكل شيء؛ حتى تبقى راية الإسلام خفاقة، وتبنى الدولة، وتولد الأمة وتبعث من جديد، ولتبقى كلمة التوحيد تتردد في جنبات هذا الكون بعزة وكرامة؛ زوج يفارق زوجته، وأب يفارق أبناءه، وابن يفارق والديه، ورجل يبيع نفسه لله، وآخر يقدم ماله، وكلهم جميعًا تركوا الديار والأوطان، والأموال والأقارب والخلان، كل ذلك في سبيل رضا الرحمن، وإعلاء كلمة الواحد الديان، وبناء الأوطان وازدياد العمران والمحافظة على كرامة الإنسان.
لقد سخروا كل ما يملكون من أجل إعلاء كلمة الله وفداءً لرسوله، وخدمة لدعوته، سخروا نفسهم، وأولادهم، وأموالهم، ومواليهم، ورواحلهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك