لسنوات طويلة، استقبل موقع فيسبوك مستخدميه بعبارة بدت وكأنها وعد دائم" إنه مجاني وسيبقى كذلك دائما".
لكن هذا الشعار الذي رافق بدايات عصر التواصل الاجتماعي يبدو اليوم أبعد ما يكون عن الواقع، بعدما بدأت شركات التكنولوجيا الكبرى في إعادة رسم نموذج أعمالها، والانتقال تدريجيا من الاعتماد الكامل على الإعلانات إلى عالم الاشتراكات المدفوعة.
ويتناول مذيع قناة الجزيرة علي نشوان في تقرير له، ملامح مرحلة جديدة بدأت تتشكل بصمت، عنوانها الأبرز الانتقال من" المجانية المطلقة" إلى الاشتراكات المدفوعة، في تحول يغير قواعد اللعبة التي استقرت لسنوات طويلة.
يستحضر نشوان العبارة التي رافقت الملايين عند دخولهم إلى فيسبوك" إنه مجاني وسيبقى كذلك دائما"، مشيرا إلى أن هذه الجملة التي كانت رمزا لمرحلة كاملة من الإنترنت باتت اليوم أقرب إلى الذكريات، بعدما بدأت شركات التواصل البحث عن مصادر دخل تتجاوز الإعلانات التقليدية.
وبحسب التقرير، أطلقت شركة" ميتا" اشتراكات مدفوعة تحمل اسم" بلس" على منصاتها الأشهر فيسبوك، وإنستغرام، وواتساب، مقابل رسوم شهرية تتيح للمستخدمين مزايا إضافية، مثل التصفح غير المرئي للقصص، والحصول على بيانات أوسع حول التفاعل والمشاهدات، إلى جانب أدوات تخصيص أكثر تقدما داخل التطبيقات.
ورغم أن هذه المزايا قد تبدو بسيطة في ظاهرها، إلا أنها تعكس، وفق التقرير، تحولا جذريا في فلسفة عمل المنصات الرقمية؛ إذ لم تعد تعتمد فقط على بيع انتباه المستخدمين للمعلنين، بل باتت تبيع جزءا من التجربة نفسها للمستخدم مقابل المال، في نموذج مزدوج يجمع بين الاشتراكات والإعلانات في آن واحد.
ويعود هذا التحول، كما يوضح نشوان، إلى تكاليف ضخمة فرضها سباق تطوير الذكاء الاصطناعي، حيث تتسابق شركات التكنولوجيا الكبرى لبناء مراكز بيانات عملاقة وتطوير نماذج أكثر تقدما.
وتقدر" ميتا" وحدها إنفاق نحو 145 مليار دولار على البنية التحتية ومراكز البيانات ومكونات الحوسبة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ما يدفعها إلى البحث عن مصادر دخل إضافية.
ولا يقتصر هذا الاتجاه على" ميتا" فقط، إذ يشير التقرير إلى أن شركة" أوبن إيه آي" بدأت باختبار ظهور إعلانات ضمن النسخة المجانية من روبوت المحادثة" تشات جي بي تي"، في حين تبقى النسخ المدفوعة خالية من الإعلانات، بما يعزز منطق الدفع مقابل تجربة أكثر نقاء.
ويطرح التقرير سؤالا حول دوافع المستخدمين للدفع مقابل خدمات كانت مجانية في السابق، موضحا أن بعض هذه المزايا يلعب على وتر الفضول الإنساني، مثل معرفة من أعاد مشاهدة القصص أو متابعة المحتوى.
وهي تفاصيل، رغم بساطتها، ترتبط بحسب دراسات بسلوكيات نفسية تعكس الحاجة إلى القبول والانتماء الاجتماعي، حتى في فضاء رقمي سريع ومجزأ.
لكن مع توسع نموذج الاشتراكات، يحذر باحثون من اتساع ما يمكن تسميته بالفجوة الرقمية الجديدة، والتي لا تتعلق فقط بإمكانية الوصول إلى المنصات، بل بالاختلاف بين ما يحصل عليه المستخدمون داخل المنصة الواحدة.
فهناك فئة تدفع للحصول على تجربة أكثر سلاسة وخصوصية وأقل إزعاجا بالإعلانات، مقابل فئة أخرى تعتمد على النسخ المجانية التي قد تكون مثقلة بالإعلانات والمحتوى منخفض الجودة والمصمم أساسا لجذب التفاعل السريع دون قيمة حقيقية.
وفي خضم هذا التحول، يبرز ما يعرف بـ“إعياء الاشتراكات”، وهو شعور متزايد لدى المستخدمين من كثرة الاشتراكات الشهرية المتراكمة.
وتشير دراسة لمؤسسة بحثية إلى أن الفرد يعتقد أنه ينفق في المتوسط نحو ستة وثمانين دولارا شهريا على الاشتراكات، بينما تكشف المراجعة الفعلية أن الرقم قد يصل إلى أكثر من مئتي دولار شهريا دون وعي كامل، في وقت يعترف فيه كثيرون بالاستمرار في دفع اشتراكات لا يستخدمونها أساسا.
ويطرح التقرير سؤالا لم يعد مرتبطا فقط بإضافة بضعة دولارات مقابل مزايا إضافية، بل بات أعمق من ذلك بكثير:هل نتجه نحو عالم تصبح فيه التجربة الرقمية نفسها مقسمة حسب القدرة على الدفع؟ أم أننا سنكتشف في النهاية أننا تحولنا من مستخدمين لمنصات مجانية إلى مشتركين دائمين في خدمات لا تتوقف عن إعادة تعريف معنى “المجانية” نفسها؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك