ذاكرة الأمم محفوظة بين الورق والحبرما بين جلسات ثقافية تجمع النخبة وأهل الرأي والسياسة والدين ومجالس بها الصحبة والأقارب والأحبة، وتجمعات شبابية تتسم بالسرعة والنشاط والحيوية، لا تزال الصحف بالحبر والورق، تقف كشاهد على عصور وحقب تاريخية مضت بما احتوته من إنجازات وانكسارات ومطبات، وتتواجد لتوثق وتؤرخ لحقب جديدة قادمة رغم كل الصعوبات والتحديات التي تواجهها تلك الصحف في عصر تتسابق فيه الكلمات وتتسارع الأخبار كما لو أنها جهّزت لتُستهلك بسرعة فمنشور خلال دقائق وفيديو ينتشر في ساعات وتعليق يسبق أحيانا التحقق من الحدث.
إن الصحف الورقية في العالم أجمع لا تزال شامخة وهامة وضرورية فهي خيار مهني وثقافي وأخلاقي، يثبت قيمته في زمن باتت فيه الحقيقة تُستهدف أحيانا بالالتباس، وبات فيه الخبر يتعرض للتلاعب قبل أن يصل إلى القارئ.
وقد تمنحنا مواقع التواصل الاجتماعي لحظة من الخبر، مثل انفعال سريع أو صوت مرتفع ومقاطع متقطعة، أما الصحيفة الورقية فتمنح القارئ سردا مكتملا بقدر الإمكان يتضمن خلفية وسياقا وأرقاما وشهادات وتدقيقا.
يعتقد البعض أن الورق أبطأ من الشاشة، ولكن في الحقيقة هو ذاكرة الأمة وتاريخها وشاهد على أحداثها، فالأخبار حين تُكتب على صفحات الصحف تصبح جزءاً من أرشيف الأمم محفوظة وقابلة للإطلاع، وليست محكومة بخوارزميات تُغير ترتيبها كل لحظة.
إن الحروب والأزمات والتحولات السياسية والاقتصادية والكوارث، حتى النجاحات الوطنية كلها تترك أثرا في الوجدان والوقائع.
ومن حق الأجيال القادمة أن تعود لتقرأ الأحداث، لا كما تروجها موجة آنية بل كما وثقتها مؤسسة صحفية مهنية وملتزمة، فالصحيفة الورقية بخبرتها التحريرية تحول»الآن» إلى «توثيق» وتجعل «الحدث» «مرجعا».
الصحافة الورقية تقوم على منظومة تحريرية واضحة تسمح بمساحة من الوقت للمراجعة والتدقيق والتأكد من مصداقية الحدث والخبر بدلا من الاندفاع، والسعي وراء سباق زمني قد يفقد الحقيقة مصداقيتها، كما أنها تتمتع بمسؤولية تحريرية تفرض التدقيق في المصدر واللغة والأرقام، والأهم هو إمكانية العودة إلى المادة لاحقًا دون أن تضيع بين آلاف المنشورات أو تُمحى بكبسة زر.
إن كثيرا من الأخبار على الإنترنت مع أنها قد تكون صحيحة تظل عرضة لسرعة النشر والنسخ والتعليق قبل التحقق والتضليل المتعمد أو غير المتعمد، حتى حين تتصدى الحسابات للجريمة المعلوماتية، فإن الفوضى تظل حاضرة ويتضح ذلك جليا من صورة قديمة تُقدم كأنها حديثة ورقم يقذف دون مصدر وادعاء يتداول قبل أن يتأكد أحد من صحته.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى مثل كتابة نصوص وتلخيص وترجمة وأحيانًا إنتاج مواد بصرية أو تقارير خبرية تبدو مقنعة، يصبح التوليد سريعا ويصبح التأكيد والتوثيق مهملا، وهنا تظهر قيمة الصحافة الورقية التي تعتمد على سلسلة بشرية محترفة تتحقق من المصادر، وتتأكد من المراجعات وتعتمد على قواعد تحريرية لا تُستبدل تماما بخوارزمية.
في الواقع الصحف لا تقول كل شيء بشكل سريع وآنٍ، لكنها تقول ما يمكن إثباته، وفي زمن يزدحم فيه الادعاء تصبح قيمة الإثبات أعلى من الوقت والسرعة.
وهناك جانب يومي لا يُذكر كثيرا حيث تتميز قراءة الصحيفة الورقية بأسلوب مختلف فهي تحتاج إلى تركيز عند القراءة، وعادات أوسع من مجرد «التمرير»، فالقارئ حين يفتح صحيفة فإنه لا يستهلك خبرا فحسب بل يدخل في حوار مع تجربة تحرير كاملة.
لذلك، فالصحافة الورقية تبنى على علاقة ثقة تدريجية، يتعلم منها القارئ أسلوب فهم الأحداث وتدفعه للتمييز بين الخبر والرأي وبين الادعاء والوثيقة.
وقد يكون المستقبل للورقة والحبر بدلا من الشاشة والكبس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك