كيف أصبحت قطر عقدة إستراتيجية لا يُمكن تجاوزها؟مضادات تعترض صواريخ، واتصالات تتوالى لاحتواء التصعيد، وتهديدات واعتداءات، وأنظمة تبحث عن النجاة، وشرق أوسط جديد يتشكل، ومنعطفات تاريخية تضع سلوك الدول تحت المجهر.
وسط هذه التوترات، برزت قطر مجدداً في سياسة خارجية متعددة الاتجاهات؛ لتكرس حقيقة إستراتيجية أدركتها منذ ثلاثة عقود، وتحديداً عند تولي صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الحكم عام 1995، حين توقفت قطر عن سؤال: «كيف تنجو الدولة الصغيرة؟ » واستبدلته بـ: «كيف تصبح الدولة الصغيرة ضرورة لا يمكن تجاهلها، وعقدة إستراتيجية لا يمكن تجاوزها؟ ».
لطالما واجهت قطر المعضلة التقليدية التي تواجهها الدول الصغيرة في بيئة إقليمية مضطربة؛ فقد أدركت مبكراً أنها لا تمتلك ثقلاً عسكرياً كبيراً أو قاعدة سكانية واسعة تمكنها من فرض نفوذها بالوسائل التقليدية.
لذا اختارت الدوحة مساراً ذكياً ومعقداً انتهجته منذ ثلاثة عقود، تتبلور نتائجه اليوم، وتتشكّل ملامحه في الحرب الراهنة، وهو الانتقال من القوة الناعمة إلى القوة الشبكية.
بدأت القصة بازدهار الغاز الطبيعي المسال الذي لم يكن مجرد قصة نجاح اقتصادي بدأت في التسعينيات، بل كان خطوة جيوسياسية بارعة؛ حيث ربطت قطر نفسها بأسواق الطاقة العالمية، ليس كدولة مصدرة للغاز فحسب، بل كعقدة إستراتيجية مركزية داخل شبكة واسعة من الاعتماد المتبادل تشمل الدول، والشركات متعددة الجنسيات، والمؤسسات الدولية العابرة للقارات، ومكوّنات المجتمع المدني العالمي في عوالم الطاقة، والمال، والأمن، والإعلام، والاتصال.
وبالتالي أصبح من الصعب الاستغناء عن هذه الدولة ضمن هذه المنظومة، لا لأنها الأقوى عسكرياً أو الأكبر جغرافياً، بل لأنها دولة اندمجت بشبكة معقدة من الاعتماد المتبادل تضم الأسواق الأوروبية والآسيوية والأمريكية، ولديها علاقات متوازنة مع القوى الكبرى والمتوسطة والقوى الإقليمية الفاعلة.
عند هذه النقطة، لم تعد قطر قابلة للتهميش بسهولة؛ فممارسة الضغط عليها تعني إرباك أطراف أخرى أيضاً.
وهنا تتجلى البصمة الأهم للشيخ حمد بن خليفة آل ثاني؛ فهو لم يبنِ قوة قطر الناعمة فحسب بوصفها دولة حديثة ومنفتحة ومتفاعلة مع العالم من خلال الوساطة الدبلوماسية والتنمية والتعليم والثقافة والرياضة، بل بنى دولة أكثر أهمية واستعصاءً على التهميش، ورسخ حقيقة أساسية لا تزال دول متوسطة وكبرى تتجاهلها، وهي أنه في العالم الحديث، القوة ليست قوة السلاح فقط، بل قوة التموضع.
الدرس هنا مباشر: في القرن الحادي والعشرين، وبعد مرور مائة يوم على الحرب الأمريكية– الإسرائيلية–الإيرانية، والتوقف المستمر لإنتاج الغاز الطبيعي المسال في مرافق «رأس لفان» و»مسيعيد» الصناعيتين، تتأكد حقيقة أن القوة لم تعد حكراً على الدول التي تمتلك أكبر الجيوش، بل في أن تصبح جزءاً لا غنى عنه من شبكات الطاقة والاقتصاد والأمن والدبلوماسية التي تشكل العالم المعاصر وترسم ملامح الشرق الأوسط الجديد.
يأتي هذا في سياق القوة الشبكية، حيث امتلاك النفوذ لا يعتمد على الهيمنة، بل على التشابك والتموضع داخل منظومات مترابطة.
لم تكن قطر بحاجة إلى أن تتفوق على الآخرين بالقوة الصلبة، بل إلى أن تصبح ذات أهمية إستراتيجية لا غنى عنها في الشرق الأوسط الجديد، وقد حوّلت قطر هذا الترابط إلى عنصر من عناصر الحماية.
ولهذا فإن الإرث الحقيقي يتجاوز مجرد بناء دولة حديثة؛ إنه إرث صاغ «عقيدة أمان» جديدة للدول الصغيرة.
لقد انتشلت قطر نفسها من هوامش البحث عن الاعتراف بدورها في منطقة الخليج، ووضعها في قلب المعادلات التي لا يمكن شطبها.
أثبتت قطر خلال الحرب الراهنة للعالم أن خروج الدول الصغرى من دائرة التهميش لا يكون بمحاكاة ترسانات الدول الكبرى، بل بتحويل الجغرافيا والاقتصاد والدبلوماسية إلى شبكة مصالح مترابطة، يُصبح معها إقصاء الدولة مغامرة دولية باهظة الثمن، وأن نفوذ الدول في القرن الحادي والعشرين لم يعد يُقاس بالحدود، بل بعدد الخيوط الحيوية التي تُمسكها الدولة في هذا العالم المتغير.
@snasser24.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك