لا أتذكر عدد المرات التي شاهدت فيها فيلم «أشباح غويا»، لكنها بالتأكيد ليست أقل من ثلاث مرات.
وربما سأشاهده مرات أخرى في المستقبل، ليس لأن الفيلم من الأعمال السينمائية العظيمة، وهذا أكيد، وليس لأنه يتناول حياة واحد من أهم الرسامين في تاريخ الفن الأوربي، ولكن لأنه يطرح سؤالاً عميقاً ظل يرافقني طويلاً: كيف يمكن للرعب أن يتحول إلى جمال؟نحن غالباً ما نتخيل الفنان شخصية مفتونة بالجمال، نتصوره باحثاً عن الوجوه المعبرة والمناظر الطبيعية والألوان المشرقة.
لكن غويا ينسف هذا الصورة تماماً؛ فهذا الإسباني الشهير بدأ حياته رساماً للبلاط الملكي، يرسم النبلاء والأمراء والملكات في لوحات تمجد السلطة والأناقة والمكانة الاجتماعية.
كان يمتلك كل ما يمكن أن يحلم به فنان في عصره من شهرة ونفوذ واعتراف.
ومع ذلك، اختار في مرحلة حاسمة من حياته أن يدير ظهره لهذا العالم، وأن يتبع شيئاً آخر أكثر غموضاً وإزعاجاً.
يتوقف الفيلم عند تلك اللحظة بالتحديد، لحظة ولادة غويا الآخر، غويا الذي لم يعد منشغلاً بملامح الأرستقراطيين بقدر انشغاله بملامح الخوف الإنساني.
فراح يرسم الكوابيس والهلوسات والمخلوقات الشبحية والوجوه المذعورة في سلسلة رسومه الشهيرة «النزوات».
ففي السلسلة، لم يعد العالم مكاناً منظماً تحكمه العقلانية والفضيلة، بل كان مسرحاً للفوضى والجنون والعنف.
اختار مخرج الفيلم أن يحاكي تجربة غويا من لوحاته نفسها، فالوجوه تخرج من الظلال كما تخرج من لوحاته، والإضاءة تبدو وكأنها مرسومة بالفرشاة وليس بالكاميرا، حتى الشخصيتان الرئيسيتان، الكاهن لورنزو والحسناء إينيس، تبدوان وكأنهما خرجتا من أحد بورتريهاته القديمة.
وكأن الفيلم لا يريد أن يروي سيرة غويا بقدر ما يريد أن يجعلنا نسكن داخل رؤيته للعالم.
السؤال الحقيقي لا يتعلق بالفيلم وحده، بل بغويا نفسه.
ما الذي يدفع فناناً ناجحاً إلى التخلي عن الطريق الآمن وملاحقة أشباحه الداخلية؟ لماذا يختار أن يتأمل الرعب ولا يختار الهرب منه؟ربما لأن الفنان الحقيقي لا يرى العالم كما نراه نحن.
يشيح الإنسان العادي بنظره عن المشاهد المؤلمة، يحاول أن ينسى.
أما غويا فيفعل العكس تماماً؛ إنه يقترب أكثر، يحدق طويلاً في الجرح الإنساني.
ليس لأنه يستمتع بالألم؛ يريد أن يفهمه.
كان غويا يعيش في زمن محاكم التفتيش، ذلك الزمن الذي استطاعت فيه السلطة أن تحول الخوف إلى أسلوب حياة: التهم الجاهزة والتعذيب والاعترافات القسرية جزء من الواقع اليومي.
وكانت الكنيسة والدولة تملكان القدرة على التدخل حتى في أكثر زوايا الروح خصوصية.
وفي مثل هذه الأزمنة، لا يعود الفنان قادراً على الاكتفاء برسم الورود والاحتفالات، إذ تصبح الكوابيس نفسها جزءاً من الحقيقة.
حين رسم غويا لوحته الشهيرة التي حملت عبارة «عندما ينام العقل تستيقظ الوحوش» ما كان يتحدث عن النوم بالمعنى الحرفي، كان يتحدث عن غياب العقل النقدي، عن اللحظة التي يستسلم فيها الإنسان للخرافة والتعصب والطاعة العمياء.
فالوحوش التي ملأت أعماله ليست مخلوقات أسطورية بقدر ما كانت استعارات للشر البشري.
لقد فهم غويا مبكراً أن أكثر الكائنات رعباً في هذا العالم هو الشر الكامن داخل الإنسان نفسه.
ولهذا، تبدو أعماله حديثة حتى اليوم.
فعلى الرغم من مرور أكثر من قرنين على إنجازها، ما زلنا نتعرف إلى أنفسنا فيها، ما زلنا نرى الخوف نفسه يتكرر بأشكال جديدة؛ تتغير الملابس والأسماء والحدود السياسية، بيد أن الوحوش تبقى هي ذاتها: وحوش التعصب والكراهية والعنف والجشع والسلطة المطلقة.
ومع ذلك، تبقى المفارقة الكبرى قائمة: لماذا تبدو هذه الأعمال الجميلة التي نحب تأملها وهي مليئة بكل هذا القبح؟الجواب يكمن في طبيعة الفن نفسه؛ فالفن لا يحول القبح إلى جمال عبر إخفائه، بل من خلال الإفصاح عنه؛ إنه يمنح الفوضى شكلاً، ويمنح الألم معنى، ويمنح الخوف لغة يمكن للإنسان أن يفهمها.
ولهذا، نحن لا نقف أمام لوحات غويا لنشعر بالرعب والدهشة في الوقت ذاته.
إننا نرى كيف استطاعت روح بشرية واحدة أن تواجه هذا الكم من الظلام وتحوله إلى أعمال مجيدة.
قال نيتشه ذات مرة إن الفن موجود لكيلا تقتلنا الحقيقة.
وربما لم أجد فناناً يجسد هذه الفكرة مثل غويا؛ فهو لم ينكر قسوة العالم ولم يحاول تزيينها أو تجميلها، على العكس تماماً، لقد واجهها بكل بشاعتها، ثم صنع منها فناً لا يزال يعيش حتى اليوم.
وربما لهذا السبب لا أشعر، وأنا أشاهد أعمال غويا، بأنني أقف أمام رسام إسباني عاش قبل قرنين من الزمن، أشعر أنني أقف أمام شاهد أدلى بشهادته مبكراً جداً، فنان رأى ما يمكن أن يفعله الخوف بالبشر قبل أن تمتلئ القرون اللاحقة بالحروب الكبرى والمذابح الجماعية ومعسكرات الاعتقال.
لقد أدرك أن الشر ليس حادثة استثنائية عابرة في التاريخ، هو إمكانية قارة داخل الذات البشرية.
ولهذا، لا تبدو أشباح غويا كما أراها، كائنات خرجت من عالم الموتى، إنما أشباح خرجت من عالم الأحياء، من البشر أنفسهم: من القضاة الذين يعذبون باسم العدالة، ومن الجنود الذين يقتلون باسم الوطن، ومن المتعصبين الذين يكرهون باسم الفضيلة.
ميزة الفن العظيم أنه لا يطمئننا، والفن العظيم يقلقنا ويجبرنا على النظر إلى ما نحاول تجاهله.
وغويا كان واحداً من أولئك الفنانين النادرين الذين لم يمنحوا البشرية أجوبة سهلة، بل تركوها واقفة أمام مرآة لا ترغب في النظر إليها.
فنحن حين نعود إلى غويا ليس بغية إلقاء التحية على أشباحه، ولكن لنطمئن بأن أشباحنا ما زالت هناك.
أو هنا، وربما هي نحن على وجه التحديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك