في السادس من حزيران الجاري تجمع عشرات السوريين والسوريات أمام مبنى البرلمان في العاصمة دمشق، تلبية لدعوة «تجمع 17 نيسان»، رافعين شعارات سياسية معارضة للسلطة القائمة في دمشق.
وهذه هي المرة الثانية التي يتجمعون فيها بناء على دعوة المجموعة نفسها.
كانت قوات الشرطة حاضرة، كما تجمع فريق مقابل في المكان والزمان نفسهما لـ»معارضة» التجمع الأول.
وبعد أقل من ساعة خاطب شخص يبدو أنه ممثل للأمن العام جمهور التجمع الأول (المعارض) طالباً منهم إخلاء المكان بدعوى أن «المظاهرة غير مرخصة» و»منحهم» عشر دقائق لإخلاء المكان «وإلا عليهم أن يتحملوا التبعات القانونية»!
وحين حاول بعض الجمهور الاعتراض قائلين: «وماذا عن التجمع الآخر المقابل؟ هل لديهم ترخيص؟ » كرر صاحب النبرة السلطوية تهديداته وختم بالقول: «انتهى الكلام»!من الصعب أن يفهم أي مراقب موضوعي سبب ضيق صدر السلطة ومؤيديها ببضع عشرات من المعارضين، أغلبهم من المتقدمين في السن كما ظهروا في تسجيلات الفيديو التي نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي.
ترى هل ما زالت المجموعة الحاكمة خائفة فعلاً من خسارة سلطتها في الوقت الذي يكرر فيه أنصارها الحديث عن «النجاحات الدبلوماسية الكبيرة» التي تجلت في القبول الدولي الواسع بالسلطة، كما عن شعبيتها «الكاسحة» في الداخل؟ أم أن السلطة وجمهورها الموالي لا يطيقون وحسب أي خروج على الصوت الأحادي الذي اعتادوا عليه طوال الحقبة الأسدية المديدة؟ثم ما هي قصة الترخيص للمظاهرة التي يتذرع بها من بدا أنه ممثل للأمن العام؟ فحق التظاهر والتعبير عن الرأي الذي كفله حتى الإعلان الدستوري الذي فرضته السلطة الانتقالية أمر بديهي ولا يحتاج إلى استصدار ترخيص يعرف النشطاء من خبرتهم أنهم لن يحصلوا عليه أو ستتم مطالبتهم بشروط تعجيزية.
المفارقة أن الطرف نفسه الذي أخذ على المظاهرة أنها غير مرخصة، يمنُّ على المتظاهرين، في الوقت ذاته، بمدى اتساع الحريات التي يتمتعون بها مقابل القمع الذي كان نظام الأسد يواجههم به!الواقع أن هذا المسلك السلطوي مفهوم تماماً بالنظر إلى منهج الحكم المتبع منذ استيلاء هيئة تحرير الشام على السلطة قبل أكثر من عام ونصف، فهم يرفضون أي شراكة وطنية، ويتوجسون من أي اختلاف أو اعتراض، وتعمل ماكينة إعلامية كبيرة لبناء نظام يشبه كثيراً النظام البائد من حيث علاقته بالمجتمع، وغياب الشفافية، وحضور قوي للمحسوبية والفساد، بما في ذلك العلاقات العائلية، ونزوع طائفي جامح أدى إلى كوارث وطنية ويهدد بالمزيد منها.
بالمقابل لم نشهد أي إنجاز على صعيد الاقتصاد أو الحوكمة الرشيدة أو العدالة الانتقالية أو إعادة بناء ما هدمته الحرب، مقابل تشكيل مجلس تشريعي بالتعيين، وضخ أوهام عن آفاق استثمارية «واعدة».
حين تسد الأنظمة السلطوية قنوات التعبير عن الأفكار والمصالح الاجتماعية المتباينة فهي تدفع قوى المجتمع إلى مراكمة الغضبهذه الأوهام أخذت تنجلي باطراد في الوعي الشعبي، فتراجعت الشعبية التي تمتعت بها السلطة في الأشهر الأولى بعد سقوط نظام الأسد، وظل وضع السلطة معلقاً بما قد تقرره الدول الفاعلة بشأنها، وبخاصة الغول الإسرائيلي الذي لا يمكن التعامل معه لا حرباً ولا سلماً، وكذا فيما خص تركيا بحضورها العسكري والسياسي الفظ، والتجاذب بينهما على النفوذ على الأراضي السورية، فيما دول الخليج منشغلة بهمها المتمثل بالحرب المشتعلة بقربها، وواشنطن منخرطة فيها.
فبات السوريون عملياً محكومين بسلطة غير قادرة على الحكم إلا بالعنف والإخضاع، ولا تملك أي برنامج ذي مضمون إيجابي، ولا أفق مستقبلي غير المزيد من التحكم بمسالكهم ومظاهرهم والتدخل في حرياتهم الشخصية والعامة.
لا أيديولوجيا جامعة تحافظ على وحدة المجتمع والدولة، وتحفز على العمل والإنتاج، بل «براغماتية» قصوى تنفر من أي مبادئ أو قواعد مطردة من جهة، ومحاولة لـ»أسلمة» المجال العام تنضح بالرثاثة والسطحية من جهة أخرى.
كانت إحدى المطالب التي رفعها متظاهرو «القانون والكرامة» تتعلق بوقف التحريض الطائفي.
فطوال السنة والنصف التي انقضت من عمر سلطة دمشق وحملات التحريض والكراهية على أساس طائفي لا تهدأ في بعض الأحيان إلا لتشتعل من جديد منذرة بكوارث جديدة تضاف إلى مجازر الساحل والسويداء.
لترتفع، في المقابل، أصوات العقلاء مطالبة السلطة بوضع حد لتلك الحملات، فلا تلقى آذاناً صاغية، مما يثير شبهات محقة بشأن رضى السلطة عنها.
غير أن للموضوع وجها آخر لا بد من الإشارة إليه.
فقد تفاجئنا السلطة قريباً باستصدار مرسوم أو قانون لضبط وسائل الإعلام بذريعة مكافحة حملات التحريض، ليكون هدفها الحقيقي كتم أصوات الاعتراض الاجتماعي.
فهذه حيلة مجربة لدى الأنظمة السلطوية.
فيكون السوريون أمام خيارين يتنافسان في السوء: إما تحمل المزيد من حملات التحريض أو كتم الأصوات المعارضة للحكم بذريعة وقف تلك الحملات.
كلما جرى الكلام عن مستوى الحريات، تباهى أنصار السلطة بأنها في أحسن حال.
في حين أن المستوى المتواضع للحريات العامة والشخصية تتآكل باطراد، ولم تبلغ درجة الإلغاء الشامل بعد إلا لأن السلطة لم تتمكن إلى اليوم من تطوير أدوات قمع فعالة قادرة على ضبط المجال العام على غرار الحقبة الأسدية المديدة، وأيضاً لأن سوريا مكشوفة أمام المجتمع الدولي بأكثر مما تتمنى السلطة، خاصة وأن لديها التزامات تجاهه.
حين تسد الأنظمة السلطوية قنوات التعبير عن الأفكار والمصالح الاجتماعية المتباينة فهي تدفع قوى المجتمع إلى مراكمة الغضب الذي ينتظر أول فرصة لينفجر بعنف، كحال البخار المضغوط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك