تحاول أطراف من الولايات المتحدة التسلل التدريجي إلى الفاتيكان للسيطرة على هذه المؤسسة، لأنها تعتبرها أساسية في إعادة بناء الغرب ومواجهة الهجرة القادمة من الجنوب، وتوظيفها في تبرير الحروب المقبلة.
ومن شأن هذا أن يعيد شبح الحروب الصليبية التي جرت تحت راية الدين، علما أن باقي الحروب الأخرى مثل العراق وإيران حاليا جرى فيها توظيف الجين.
وخلال مدة طويلة، غاب عن المهتم العربي بالشأن الغربي، خاصة الأمريكي، هيمنة الدين في السياسة الغربية، وجرى الاعتقاد بغلبة الطابع العلماني المحض على الممارسة السياسية، وشكلت دول مثل فرنسا بلائكيتها، النموذج الذي كان يجري الاستشهاد به دائما.
غير أنه منذ حرب العراق سنة 2003، اكتشف العالم العربي الحضور الديني القوي في صناعة القرارات الأمريكية.
ونستحضر مثالين، الأول هو تصريحات جرت نسبتها إلى جورج بوش الابن بأنه في مهمة إلهية للقضاء على الإرهاب في أفغانستان، والقضاء على نظام صدام حسين، ثم دعم الدولة الفلسطينية.
والمثال الثاني، وهو الأشهر، يتعلق بما نقله الصحافي جون كلود موريس، عن أن جورج بوش الابن حاول إقناع الرئيس الفرنسي جاك شيراك بالدخول في الحرب، وأنها ستكون لمواجهة يأجوج ومأجوج اللذين «يفسدان في الشرق الأوسط»، كما أن النبوءات التوراتية، توشك على التحقق.
وتضيف الرواية أن بوش ربط الحرب باقتراب نهاية الزمان، وهي رؤية لها جذور في بعض التفسيرات الإنجيلية لسفر حزقيال وسفر الرؤيا.
غير أن الحضور القوي للدين، وبشكل علني واستعراضي، سيحضر مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الأولى ما بين 2017 و2021، والثانية التي بدأت السنة الماضية، وتستمر إلى 2029.
فقد أنشأ مكتب الإيمان في البيت الأبيض، وتبنى سياسة التحيز ضد المسيحيين في الولايات المتحدة وباقي العالم.
ويتذكر الجميع كيف أحاط دعاة دين مسيحي بالرئيس في البيت الأبيض، وهم يتبركون به ويتلون نصوصا من الإنجيل.
وعلى شاكلة جورج بوش الابن، تبنى ترامب الرؤية المسيحية في الشرق الأوسط، وهي التي اعتمدها لشن الحرب ضد إيران.
ويعد الاعتماد على النصوص الدينية من طرف أكبر قوة عسكرية في العالم لشن حروب ضد ثقافات وديانات أخرى، بمثابة استعادة روح الحروب الصليبية، إلا أن الخطر الحقيقي هو محاولات هيئات وشخصيات مؤثرة في الولايات المتحدة التأثير في الفاتيكان في أفق السيطرة عليه.
ونتوقف هنا عند شخصيتين: ستيف بانون المفكر اليميني، وبيتر ثيل صاحب أخطر برنامج للتجسس في العالم، وهو برنامج «بلانتير»، وهو عراب نائب الرئيس جي ديفانس الذي يريد أن يجعل منه رئيسا للولايات المتحدة مستقبلا.
ساهم بانون في وصول ترامب إلى البيت الأبيض سنة 2017 لأنه كان مهندس الحملة الانتخابية إعلاميا ومضمونا سياسيا.
وأصبحت أهدافه الآن تشمل الغرب برمته، وليس الولايات المتحدة فقط، ويريد التأثير في الفاتيكان تدريجيا.
في هذا الصدد، ساهم في تحويل دير تريسولتي، بالقرب من روما، إلى مدرسة لتكوين قيادات اليمين القومي في الغرب، خاصة أوروبا، حيث ساهم شخصيا في تصميم البرامج الدراسية.
ويهدف إلى تكوين جيل جديد من الناشطين والسياسيين المستلهمين من رؤية محافظة لـ»الغرب اليهودي – المسيحي».
وأعلن بانون صراحة أنه يريد دعم الحركات القومية في أوروبا وإنشاء كوادر سياسية مماثلة لتلك التي طورتها التيارات الأيديولوجية الأخرى على مدى عقود.
ووصف بعض الصحافيين المشروع بأنه نوع من «مدرسة المصارعين» للحروب الثقافية المعاصرة.
ونجح بانون، في وقت ما، في التسلل إلى الفاتيكان عبر الكاردينال ريموند بيرك، أحد كبار الرافضين لانفتاح الفاتيكان على قضايا المجتمع والديانات الأخرى، والمتزعم لتيار من الكرادلة الذين يدافعون عن التشدد العقائدي.
إن هدف بانون هو تحويل الكاثوليكية التقليدية إلى منصة لتقوية الغرب ومناهضة العولمة ومواجهة الهجرة القادمة من الجنوب، وخاصة من الدول الإسلامية.
الفارس الديني الثاني الذي يعمل سرا وعلانية على تطبيق برنامجه لإحياء الغرب الديني هو رجل الأعمال الشهير بيتر ثيل، أقل ثراء من صاحب فيسبوك وتسلا، ولكنه الأكثر تأثيرا في توجيه الأفكار المرتبطة بعالم التكنولوجيا، وهو صاحب برنامج بلانتير، الذي يعتبر ذا بعد جديد في الاستخبارات، لأنه يقوم على دمج بيانات من مصادر متعددة (قواعد بيانات، ملفات، صور، سجلات…) وتحليل العلاقات بين الأشخاص، أو الأحداث وإنشاء الخرائط ودعم اتخاذ القرارات.
مثلًا، أصبح بلانتير هو الذي يقرر، بشكل كبير، في منح التأشيرة لدخول الولايات المتحدة من عدمها.
ويوظف بيتر ثيل ثروته الضخمة في خدمة إحياء الغرب على أسس دينية محافظة.
ومن أبرز خطواته حتى الآن تنظيم سلسلة من المحاضرات حول «المسيح الدجال» في سان فرانسيسكو وباريس وروما، جمعت كبار رجال الأعمال في مجال التكنولوجيا وأكاديميين وشخصيات دينية من أوروبا والولايات المتحدة.
ويعتبر من المؤمنين بحرب أرمجدون الأسطورية في نهاية الزمان.
ويحاول بدوره التسلل الى الفاتيكان، لأنها منصة رئيسية لبناء الغرب كما حدث في الماضي.
وقام ثيل بتبني نائب الرئيس الأمريكي جي ديفانس سياسيا ودينيا، حيث وقف وراء ترشيحه لمنصب سيناتور في أوهايو، ونسج له علاقات مع ترامب ليصبح نائب الرئيس.
ويعمل ثيل على جعل ديفانس الكاثوليكي رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، في الولاية المقبلة أو التي بعدها.
ويرى في ديفانس الجسر نحو تطبيق برنامجه القائم على أن «التكنولوجيا والسيادة الوطنية أهم من الليبرالية الكلاسيكية».
ويوجد فرق بين بانون وثيل.
الأول شعبوي التفكير الديني على شاكلة ترامب، لا يخفي صراع الغرب مع الإسلام على أسس حضارية، ويعتبر الإسلام السياسي تهديدا للغرب، ويؤمن بأطروحات صاموئيل هنتنغتون التصادمية.
بينما الثاني، بيتر ثيل، منشغل أساسا بأزمة الغرب وضرورة التجديد العميق، مرتكزا على أفكار الفيلسوف الفرنسي – الأمريكي رينيه جيرارد، صاحب الرغبة المحاكاتية، وكذلك ليو ستراوس الذي ينادي بقيادة النخب للمجتمعات.
يرفض الهجرة الإسلامية وهجرات أخرى إلى الغرب، للحفاظ على نقاوة الغرب، لكنه من دون أن يعادي العقيدة الإسلامية أو يقلل منها، ويحاول أن يكون مفكرا أكثر منه مناضلا شعبويا.
وعلى شاكلة فرسان الهيكل التي تأسست سنة 1119 في خضم الحروب الصليبية، يشكل ستيف بانون وبيتر ثيل، رفقة آخرين، «فرسان الهيكل الجديد في الحقبة الرقمية».
نعم، تأثيرهم واضح وسيزداد في العلاقات الدولية، خاصة في الصراع الحضاري والديني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك