روسيا اليوم - بالفيديو.. 100 إطفائي يكافحون النيران وأعمدة الدخان تحجب سماء لندن روسيا اليوم - نيبينزيا يطالب غوتيريش بإدانة جرائم كييف ويصف هجوم الحافلة في دونيتسك بالجريمة الدموية العربية نت - أميركا رفضت دخوله.. فيفا" يستبعد الحكم الصومالي من كأس العالم Euronews عــربي - القضاء الإيطالي يضع بن غفير على سجل المشتبه بهم بسبب ممارساته بحق نشطاء "أسطول الصمود" العربي الجديد - زلزال يهز هافانا ويخرج الكوبيين إلى الشوارع روسيا اليوم - إيطاليا تفتح تحقيقا ضد بن غفير بتهم التنكيل والاحتجاز غير القانوني لنشطاء أسطول الصمود فرانس 24 - هل توثق المشاهد اللحظات الأولى للقصف الإيراني على إسرائيل؟ - حقيقة أم فبركة - فرانس 24 قناه الحدث - "أسمنت الشمالية" ترفع دعوى قضائية ضد "أسمنت الصفوة" بسبب براءة اختراع الجزيرة نت - سوريا الجديدة والكرد.. هل تُطوى صفحة المظالم التاريخية؟ التلفزيون العربي - القبض على منفّذ واقعة حرق العلم المصري.. ماذا كشفت التحريات عن حالته؟
عامة

تحريف العاميات

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

الدراسات الإنسانية الحديثة تثير عجب كثيرين ممّن بنَوا للعالم ولمكوناته أسوارا حاولوا من خلالها المحافظة على ما يعتقدونه طُهرا فكريّا أو أيديولوجيا رابحا، في عالم يعتقدون أنّه يجترف بلا حق خسرانا كثيرا...

الدراسات الإنسانية الحديثة تثير عجب كثيرين ممّن بنَوا للعالم ولمكوناته أسوارا حاولوا من خلالها المحافظة على ما يعتقدونه طُهرا فكريّا أو أيديولوجيا رابحا، في عالم يعتقدون أنّه يجترف بلا حق خسرانا كثيرا من القيم التي اعتقدوها جزءا من هوياتهم المحاصرة.

من هذه الدراسة الحديثة التي تقلب المعادلات، كتاب أصدرته جمعية الأدب الفلندي بالإنكليزية حول «التقليد الشفوي وثقافة الكتاب»Oral Tradition and Book Culture بإشراف الباحث الفلندي في التراث والدراسات الثقافية برتي أونطوني Pertti Anttonen وآخرين.

الباحثون المحررون هم باحثون في الفلكلور وعلماء أنثروبولوجيا، ومؤرخون، ومؤرخون أدبيون، وباحثون في دراسات المعلومات من فنلندا والسويد والنرويج وأيرلندا والولايات المتحدة.

وهذه المجالات التي منها معين بحوث الكتاب هي دراسات حيوية في الجامعات الأوروبية والأمريكية، لها إيمان بأن للثقافة الشفوية في أيامنا، أو في العصور السابقة قيمة في رصد بنية الإنسان الفكرية والثقافية وبناء تفاعلاته مع محيطه انفتاحا أو انغلاقا.

والكلام الشفوي (ولنسمّه بعاداتنا العربية: العامّيات) لا يعيش بمعزل عن التفاعل مع ما ينتجه المكتوب مثل، الأدب بمختلف أجناسه والصحافة المكتوبة وغيرها من الوسائط الثقافية الرائجة بالمكتوب.

ولا يؤمن الباحثون إيمان القدامى من الدارسين بأنّ الفلكلور بما هو منتج شعبي شفوي في غالبه، لا تأثير له في المنتج الأدبي أو الإعلامي الذي يكتب بلغة مكتوبة رسمية، أو «راقية».

ولتقريب الفكرة من واقعنا الثقافي العربي، فإنّ ما يقال عن عامياتنا العربية وعن تأثيرها في العربية، أو تأثرها، هو أقرب إلى هذا السياق من الطرح.

فالاعتقاد سائد أنّ العاميات وهي ذات أداء شفوي في الأصل لا تتأثر بالعربية الفصحى أو النمطية، فلا يعتقد أيّ من الدارسين اليوم أنّ عربية الشعر في معلقة امرئ القيس، أو في غزل نزار قباني، أو وطنيات درويش لا أثر فيها للعاميات أو اللهجات السائدة في أمس اللهجات أو في يومها.

وهذا يقال أيضا عن ضروب واسعة من الأنواع الأدبية النثرية مثل الأخبار في أغاني الأصفهاني، أو في المقامات القديمة للهمذاني أو الحديثة للمويلحي.

إنّ ما استقرّ في تفكير الحرس القديم، وعلى العكس من ذلك، أنّ العاميات يمكن أن تؤثّر سلبا في الفصحى تأثيرا يبلبل عليها صفاءها ويكدر نقاءها ويغشي فصاحتها، وهم يعتبرون العامية لوثة للفصحى إن خالطتها ببعض ألفاظها، أو هتكت سرّها ببعض عباراتها.

ولم نعرف رأيا معاكسا لهذا يؤمن بأنّ التحريف يمكن أن يداخل العاميات حين ينزع بعض متكلميها من المتأدبين إلى أن يدخلوا عليها بعض العبارات الراقية تحسينا لها وتوشية.

لكنّ مؤلفي كتاب»التقليد الشفوي وثقافة الكتاب» يعتقدون، أنّ الدراسات الكلاسيكية للسنن الشفوية فيها هذا الرأي الذي يؤمن بأنّ التداول الشفوي يمكن أن يطبع بشيء من الأداء الثقافي الراقي، ويعدّون ذلك لوثة وتحريفا وإرباكا ساهم فيه بعض الجامعيين الذين أدخلوا تزويقات على كلام العامة لسبب من الأسباب.

ويبرز هذا عندما ينقلون كلامهم بغير أمانة بزيادة الغرض منها في اعتقادهم التحسين والتهذيب فيقعون في التحريف ويبتعدون عن الأمانة العلمية واللغوية.

يخبرنا المؤلفون في هذا الكتاب بأنّ الدارسين قد ابتدعوا عبارة «فايك لور fakelore أي الفلكلور المزيف ليصفوا بها كل ما زيفه الإخباريون حين نقلوا كلام العادة والسنن العامية وحرّفوه بأن أضافوا إليه موادّ أدبية مما اعتقدوه تجميلا له.

لنفترض لبيان الفكرة أنّ عالم الأنثروبولوجيا الشهير البولندي البريطاني برونيسلاف مالينوفسكي، أرسل بعض معاونيه ممن يتقنون اللغة المحلية لسكان جزر تروبرياند كي في غينيا الجديدة، حتى يزودوه بأخبارهم وحكاياهم عن السحر أو عن معتقداتهم حول البحر والتجارة، وأنّ هذا الإخباري وبنية أن يجعل النص أجمل أدخل عليه بعض التحسينات، فمن الممكن أن يعتبر مالينوفسكي ذلك (إن تفطن له طبعا) تحريفا وتلاعبا، وبذلك سيعتبر المدونة التي حملها الإخباري إليه فلكلورا زائفا.

سوف أبني هنا قياسا قد لا يقبله من تحدثت عنهم في أوّل المقال من المتشبّثين بنصاعة العربية، وبأنّ التحريف ليس صادرا من لغتها الأدبية، ومن كلام خواصّها، بل صادر من عاميات المتكلمين ومسلط عليها.

لقد خلقت الفصحى، وهي في الأصل ليست العاميّة التي ينطقها الناس ويبدعون بها فلكلورهم، صورة أخرى مختلفة عن المتكلم الشفوي الذي لم يغب وإن غيبته ثقافة المزّيّن والمكتوب الموشّى.

القياس المقصود هو ما كان يفعله الإخباريون القدامي أو الرّواة: فهم كانوا يحملون إلينا أخبارا سمعوها من البدو بلغتهم وبسنن قولهم، لكنّهم حين دوّنوها فصّحوها وحسّنوها وأضفوا عليها سمات النصوص الأدبية، بدءا بالمعجم وصولا إلى التركيب.

وحين تلقّينا نحن هذه المادة الشفوية الإخبارية التي كانت تقال بعاميات ذلك العصر تلقيناها بالفصحى، وذهب في ظننا أنّ البدو قالوها بمثل ما كتبه بها الإخباريون نَقَلَتُها.

إنّ المادّة التي نقلها إلينا الإخباريّون كانت في رحمها الأوّل وفي مهدها عند مشافهتها ونقلها حية وضربا من الفلكلور، لأنّها تحكي ثقافة البادية ممثّلة في مجموعة من الممارسات الثقافية، فيها معتقدات وطقوس وحكايات وأساطير وغير ذلك مما كانت تعيش به المجتمعات التقليدية.

لكنّ ثقافة التدوين، أو ما يسميه مؤلفو الكتاب المذكور أعلاه فلكلور الكتاب Booklore أو ثقافته وهي تعني الثقافة التي تعيش في الكتاب، وفي المصادر الأدبية التي ينقلها.

كانت ثقافة الكتاب في الحضارة العربية الإسلامية، قد أنشأت عبر الزمان الثقافة العلمية الدائرة حول النحو والفقه والبلاغة والفلسفة وعلم الكلام، وهذه الثقافة هي التي نشرت الثقافة الشفوية التي حملها الرواة والإخباريون والمحدثون وباتت شواهد على هذه العلوم، على الرغم من أنّ أصلها الذي لأجله قيلت في مهدها الفلكلوري غير ما لأجله سيقت للشهادة.

هنا نتوقف قليلا لنعتبر على نهج الشاعرة والجامعية الأمريكية سوزان ستيوارت Susan Stewart بأن الأجناس الفولكلورية، مثل الملحمة والخرافة والمثل والحكاية الخرافية والأغنية الشعبية، هي مصنوعات أنشأتها الثقافة الأدبية.

لم تعترف الثقافة الرسمية إلى اليوم بألف ليلة وليلة، على الرغم من أنّ الثقافات الغربية اعتبرتها نمطا سرديا عربيا مهمّا، لأنّ الأدب الذي تقدمه ألف ليلة وليلة لم تضف مؤسسة الكتاب عليه شرعيتها الأدبية التي تبدأ من لغة الكتابة نفسها، لغة ينبغي أن ترتقي إلى رتبة الأدباء المعترف بهم، أدباء المعلقات أو شعراء الحجاز أو شعراء الفصحى، الذين وهم يقفون على الأطلال يقفون عليها بلغة غير لغة من وقف تاريخيا على رسم درس أو كانوا، وهم يقطعون الصحارى، يقطعونها على ظهر لغة لم يعرفها بهذه المتانة والجزالة من قطعوا البيد فعلا في صحراء عربية معينة، ربما قتلته عطشا قبل أن ينطق بمثل ما أنطقه به الشعر من وصف بقر الوحش وتشبيه عيون حبيباته بها.

هناك معنى من معاني التأليف في العربية حافظ على معناه على مرّ العصو، ر، إذ تقول العرب عن فلان إنّه ألّف الخبر أي اصطنعه وابتدعه هكذا كان يفعل الإخباريون في الأصل يؤلفون لا فقط بإعادة بناء ما سمعوا حتى يضفي على المرويّ أدبيّة، بل بأن أخرجوه من روحه الشفوية وصنعوا له زينة هي في الأصل من زينة الكتب.

يبقى أنّ من يؤلف يمكن أن يحافظ على أصول الشفوي الذي أعاد صياغته ولذلك يمكن أن نجد في الأغراض الشعرية القديمة المعاني الفلكلورية القديمة، التي دبّجها الشعر وترك فيها روح المحدّث الشعبي غير أنّه جعل شعرا فأخرجه من طرازيته الجمعية وخلق منه نموذجا فرديا سماه الشاعر.

هذا الشاعر المادح ليس إلاّ صورة للبدوي المفتخر الذي لا يمدح إلاّ ذاته المفردة، أو الجمعية، أمّا أن يتكسّب بالمدح فليس هذا من ثقافة الفلكلور الشعبي الشفوي.

وأن يتغزل الشاعر فذلك صورة أدبية صلفة ومتمردة على أخلاق القبيلة، التي لا تقول علنا ما يقال سرا وتهمس وهي تحكي عن جمال أنثاها ولا تجهر به أو تجاهر.

لقد خلقت الفصحى، وهي في الأصل ليست العاميّة التي ينطقها الناس ويبدعون بها فلكلورهم، صورة أخرى مختلفة عن المتكلم الشفوي الذي لم يغب وإن غيبته ثقافة المزّيّن والمكتوب الموشّى.

إن كان المرء يريد أن يختبر ما قيل هنا فليتأمل نفسه، فإنّه هو الفرد الشفوي الذي تكلمنا عنه: يمكن أن يموت الشاعر والكاتب ولكن العامي حيّ لا يموت، ما دام الكلام الشفوي يسير على الألسن ويجري ولا يحتاج رواة تسير به، ولا ركبانا وقوافل، بهذا نفهم كيف يمكن للعاميات أن تخلق ثقافة لا تباد، وإن كان الكتاب ينقلها إليه ويوشيها ليحرّفها إذ يحسّنها.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك