فى خطاب جماهيرى شهير ما زال يتداوله المصريون حتى اليوم، روى عبد الناصر تفاصيل لقاء جمعه بمرشد جماعة الإخوان فى خمسينيات القرن الماضى، مؤكدًا أن أحد المطالب التى طرحت عليه كان إلزام جميع نساء مصر بارتداء الحجاب، بحيث تصبح الطرحة جزءًا مفروضًا على كل امرأة فى الشارع بقرار من الدولة.
طلب يكشف عقلية الوصاية على المجتمعبحسب رواية عبد الناصر، فإن مرشد الجماعة لم يكتف بالدعوة إلى أفكاره أو محاولة إقناع الناس بها، وإنما طالب الدولة نفسها بالتدخل لفرضها على الجميع.
وهنا لم يعد الأمر متعلقًا باجتهاد فكرى أو رؤية دينية، وإنما بتحويل قناعات الجماعة إلى أوامر ملزمة لملايين المواطنين.
الواقعة عكست مبكرًا رؤية الجماعة لدور السلطة، إذ لم يكن المطلوب ترك الخيار للناس، وإنما استخدام أدوات الدولة لفرض نمط محدد من السلوك والحياة العامة وفقًا لرؤية التنظيم.
رد عبد الناصر الذى أشعل القاعةالرئيس الراحل لم يدخل فى جدال طويل، لكنه اختار ردًا مباشرًا أربك الرواية بأكملها.
فقد قال إن ابنة المرشد نفسها، وكانت طالبة بكلية الطب آنذاك، لا ترتدى الحجاب، متسائلًا أمام الحضور: كيف يطالب مرشد الجماعة رئيس الجمهورية بإجبار ملايين النساء على ارتداء الطرحة بينما لا يستطيع إقناع ابنته بذلك؟الجملة جاءت كافية لإشعال موجة واسعة من الضحك والتصفيق داخل القاعة، لتتحول الواقعة فى لحظتها إلى مشهد سياسى لافت ظل عالقًا فى أذهان المصريين حتى اليوم.
«خليه يلبسها هو».
هتاف من قلب القاعةولم يتوقف المشهد عند رد عبد الناصر فقط، بل كان هناك تفاعلًا واسعًا من الحضور مع ما يرويه الرئيس الراحل.
وبين الضحكات التى ملأت القاعة، يُسمع أحد الحاضرين وهو يطلق تعليقًا ساخرًا قائلًا: «خليه يلبسها هو»، فى إشارة إلى مرشد الجماعة، لتتعالى الضحكات مجددًا فى واحدة من أكثر اللحظات التى لخصت طبيعة التفاعل الشعبى مع رواية عبد الناصر.
ذلك التعليق العفوى لم يكن مجرد نكتة عابرة، بل عكس حالة الرفض لفكرة أن تفرض جماعة أو تنظيم رؤيته الخاصة على المجتمع بأكمله عبر قرارات الدولة وسلطاتها.
تناقض بين الخطاب والممارسةأهمية الواقعة لم تأت فقط من الطابع الساخر الذى اتسمت به، وإنما من أنها سلطت الضوء على ما اعتبره كثيرون تناقضًا بين ما كانت الجماعة تطالب به فى المجال العام وما كان قائمًا داخل دوائرها الخاصة.
فالمشهد لم يعد مجرد ذكرى من الماضى، بل تحول إلى وثيقة سياسية يستدعيها كثيرون عند مناقشة طبيعة المشروع الذى حملته الجماعة عبر تاريخها.
وبين مطالبة مرشد الإخوان بفرض الطرحة على ملايين المصريات، ورد عبد الناصر الذى دوّى فى القاعة وسط الضحكات والتصفيق، ظل هذا المشهد واحدًا من أكثر المشاهد تعبيرًا عن صراع طويل بين مفهوم الدولة الوطنية ومحاولات فرض الوصاية على المجتمع تحت أى لافتة أو شعار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك