لم تعد رئيسة الوزراء الإيطالية اليمينية، جورجيا ميلوني، في موقع يسمح لها بمواصلة إرضاء الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أو الإشادة بسياساته، كما فعلت خلال الفترة الماضية، في وقت تستعد لخوض معركة سياسية وانتخابية حاسمة، للحفاظ على موقعها في السلطة، والفوز بولاية ثانية في الانتخابات المقررة عام 2027.
وخلال العام الأول من ولاية ترامب الثانية، حرصت ميلوني، المعروفة بدعمها القوي للعلاقات عبر الأطلسي، على تقديم نفسها باعتبارها الزعيمة الأوروبية الأكثر قدرة على بناء جسور التواصل مع الإدارة الأميركية الجديدة، كما نجحت خلال عام 2025 في تطوير علاقة سياسية وثيقة مع ترامب، الذي لم يتردد في الإشادة بها علناً، واصفاً إياها بأنها «تحظى باحترام كبير» و«صديقة».
غير أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة، وفي مقدمتها تداعيات حرب إيران، بدأت تفرض كُلفة سياسية واقتصادية متزايدة على الحكومة الإيطالية، في وقت يواجه الاقتصاد الوطني تحديات متصاعدة قد تنعكس بشكل مباشر على مستقبل ميلوني السياسي، وفرصها الانتخابية.
وبات العديد من الإيطاليين ينظرون إلى سياسات ترامب باعتبارها أحد العوامل التي أسهمت في ارتفاع كُلفة الطاقة، وزيادة الأعباء المعيشية على الأسر الإيطالية، كما يتنامى داخل الأوساط السياسية الإيطالية إجماع متزايد على أن مطالب الولايات المتحدة لحلفائها الأوروبيين برفع الإنفاق العسكري، أصبحت تفوق قدرة روما على التحمّل في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
وفي مواجهة هذه الضغوط الداخلية، بدأت ميلوني بالفعل بإعادة تموضعها السياسي والابتعاد تدريجياً عن ترامب، فقد وجهت إليه انتقادات علنية خلال الفترة الأخيرة، كما اتخذت خطوات عملية تمثّلت في منع الطائرات الأميركية من استخدام إحدى القواعد الجوية الإيطالية، في مؤشر واضح إلى اتساع المسافة السياسية بين الجانبين.
ويبدو أن ميلوني تدرك جيداً المزاج العام داخل بلادها، فقد أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «إيبسوس» في مايو الماضي، أن 77% من الإيطاليين يحملون نظرة سلبية تجاه ترامب، وتشير تقارير إلى أن الرئيس الأميركي عبّر عن استيائه من هذا التحول، قائلاً إن ميلوني «لم تعد الشخص نفسه».
ورغم تعدد الملفات الخلافية، فإن ملف الإنفاق العسكري يبقى القضية الأكثر حساسية والأكثر تأثيراً في مستقبل العلاقات الإيطالية - الأميركية، فإيطاليا تنفق حالياً نحو 2% فقط من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، بينما يضغط ترامب باتجاه رفع هذه النسبة إلى 5% بحلول عام 2035 بالنسبة لجميع دول حلف شمال الأطلسي (الناتو).
ومع أن ميلوني وافقت رسمياً على هذا الهدف، فإن الواقع الاقتصادي الداخلي يجعل تحقيقه أمراً بالغ الصعوبة، فالمعارضة الإيطالية تواصل التشديد على أن البلاد تواجه أولويات أكثر إلحاحاً من زيادة الموازنات الدفاعية استجابة لمطالب واشنطن، خصوصاً في ظل الضغوط التي تعانيها الشركات والأسر نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، وتباطؤ النمو الاقتصادي، وأصبح من الصعب سياسياً على الحكومة تبرير تخصيص المزيد من الأموال للإنفاق العسكري على حساب دعم القطاعات الاقتصادية والخدمية التي تواجه تحديات متزايدة.
وقال نائب وزير المالية الإيطالي السابق عضو مجلس الشيوخ عن الحزب الديمقراطي المنتمي إلى تيار يسار الوسط، أنطونيو ميسياني، إن التزام «الناتو» بنسبة إنفاق دفاعي تبلغ 5% يُعدّ غير واقعي بالنسبة لإيطاليا.
وأضاف أن ميلوني أمضت عاماً كاملاً في تقديم نفسها كحلقة وصل مع ترامب، إلا أن هذه العلاقة لم تحقق النتائج الموعودة، بينما تتراكم اليوم تداعياتها السياسية والاقتصادية.
وأشار إلى أن الناخبين يجدون صعوبة في تقبل توجيه الأموال نحو شراء الدبابات والمعدات العسكرية بدلاً من المساعدة في تخفيف أعباء فواتير الطاقة والمعيشة.
من جهتها، تعترف ميلوني بضرورة تحقيق التوازن بين الالتزامات الدفاعية والاحتياجات الاقتصادية الداخلية، لكنها تؤكد أن بلادها لا تستطيع التخلي عن مسؤولياتها العسكرية أو التراجع عن التزاماتها الدولية.
وقالت خلال خطاب أمام اتحاد الأعمال الإيطالي الرئيس، إن الدول التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها تضطر في النهاية إلى دفع ثمن ذلك من استقلالها وسيادتها وقدرتها على حماية مصالحها الوطنية، مؤكدة أن الإنفاق الدفاعي يُمثّل في جوهره «ثمن الحرية»، وأنها تريد لإيطاليا أن تبقى دولة حرة وقادرة على حماية مصالحها.
وتواجه ميلوني حالياً وضعاً أكثر تعقيداً مقارنة بالسنوات الأربع الماضية التي شهدت استقراراً سياسياً نسبياً لحكومتها، فقد اقترب برنامج التعافي الاقتصادي الذي أُطلق بعد جائحة «كورونا»، والبالغة قيمته نحو 200 مليار يورو، من نهايته، ما يهدد بفقدان أحد أهم محركات النمو الاقتصادي في البلاد.
وفي الوقت ذاته، لاتزال الإنتاجية الإيطالية تعاني مستويات ضعيفة، بينما تخضع المالية العامة لمزيد من التدقيق من قِبل مؤسسات الاتحاد الأوروبي في بروكسل.
ويتزامن هذا التباطؤ الاقتصادي مع مؤشرات إلى تراجع الزخم السياسي الذي تمتعت به ميلوني خلال السنوات الماضية، فقد أظهر الاستفتاء المتعلق بإصلاحات القضاء نقاط ضعف سياسية جديدة، كما بدأت أحزاب المعارضة التي كانت تعاني سابقاً التشتت والضعف تستشعر إمكانية حقيقية لمنافسة الحكومة في الانتخابات المقبلة.
وكانت حكومة ميلوني اعتمدت سياسة مالية محافظة، هدفت إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي، تمهيداً لإطلاق إجراءات خفض ضريبي، وبرامج إنفاق شعبية قبل العودة إلى صناديق الاقتراع، إلا أن تداعيات حرب إيران وما رافقها من اضطرابات اقتصادية أضعفت هذه الخطط وأعاقت تنفيذها.
وقال عضو مجلس الشيوخ عن حركة «الخمس نجوم» اليسارية، ماريو توركو، إن إيطاليا تحتل مرتبة متأخرة على مستوى النمو الاقتصادي في أوروبا، كما تعاني مستويات مديونية مرتفعة للغاية، معتبراً أن ذلك يعكس إخفاق السياسة الاقتصادية التي تنتهجها حكومة ميلوني.
وتزداد الصعوبات مع سعي روما إلى رفع إنفاقها الدفاعي، فقد وضعت الحكومة خططاً للاستفادة من نحو 15 مليار يورو من قروض الاتحاد الأوروبي ضمن برنامج «العمل الأمني من أجل أوروبا»، بهدف رفع الإنفاق الدفاعي من 2% إلى 2.
5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، لكن استمرار ارتفاع عجز الموازنة العامة يحدّ من قدرة إيطاليا على الاستفادة الكاملة من هذه القروض، بحسب ما أكد عضو مجلس الشيوخ المعارض عضو لجنة الأمن البرلمانية، إنريكو بورغي، الذي أشار إلى أن روما تواجه صعوبات حقيقية في الوفاء بالتزاماتها المالية والعسكرية في الوقت نفسه، وبحسب مسؤول رفيع في الائتلاف الحاكم، تدرس الحكومة الإيطالية حالياً طلب نحو خمسة مليارات يورو فقط من أصل 15 مليار يورو كانت مخصصة لها ضمن البرنامج الأوروبي.
ويحذّر خبراء من أن عدم الحصول على كامل التمويل قد يفرض إعادة تقييم عشرات المشروعات الدفاعية التي جرى الاتفاق عليها بين وزارة الدفاع الإيطالية وشركات الصناعات العسكرية، الأمر الذي قد ينعكس على خطط التحديث العسكري للبلاد.
ويرى السفير الإيطالي السابق لدى «الناتو»، ستيفانو ستيفانيني، أن مستويات الدين العام والعجز المالي المرتفعة لم تترك أمام ميلوني خيارات كثيرة، وأنها مضطرة عملياً إلى إبطاء وتيرة زيادة الإنفاق العسكري.
وأوضح أن هذا الوضع قد يؤدي إلى النظر إلى إيطاليا بالطريقة نفسها التي تنظر بها إلى إسبانيا، والتي تعرضت لانتقادات حادة من ترامب، بسبب رفضها الالتزام بهدف الـ5% للإنفاق الدفاعي.
ومع ذلك، يعتقد أن روما تفضل تحمّل الانتقادات الأميركية بدلاً من الدخول في قطيعة كاملة مع واشنطن.
ويكمن جوهر المشكلة في اختلاف النظرة إلى الملف بين الجانبين، ففي حين ترى الحكومة الإيطالية أن القضية تتعلق بالجدول الزمني، والقدرة على التنفيذ، قد تنظر إدارة ترامب إلى الأمر باعتباره اختباراً لمدى التزام إيطاليا بتحمّل أعبائها داخل الحلف.
وقال الباحث في صندوق «مارشال» الألماني بالولايات المتحدة، بنيامينو إردي، إن النقاش داخل إيطاليا لا يتمحور حول الاختيار بين التسلح أو نزع السلاح، بل حول كيفية تحقيق توازن بين المصداقية الاستراتيجية للدولة والاستدامة السياسية والاقتصادية داخلياً.
وأضاف أن واشنطن لا تستوعب دائماً هذه التعقيدات، لافتاً إلى أن ترامب يميل إلى قياس التزام الحلفاء بالأرقام والمؤشرات المالية المباشرة أكثر من اعتبارات الواقع السياسي المحلي.
عن «بوليتكو»قد لا يكون التوتر مع البيت الأبيض أمراً سلبياً بالكامل بالنسبة لرئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، فبحسب رئيس برنامج الدفاع في معهد الشؤون الدولية، أليساندرو ماروني، فإن أي انتقادات أميركية علنية لها بسبب عدم زيادة الإنفاق الدفاعي بالوتيرة المطلوبة قد تعزز شعبيتها داخل إيطاليا، نظراً إلى تراجع شعبية ترامب بين الناخبين الإيطاليين.
ويرى ماروني أن انتقاد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لميلوني قد يفسر داخلياً على أنه دفاع منها عن المصالح الوطنية الإيطالية في مواجهة الضغوط الخارجية، وهو ما قد يمنحها نقاطاً سياسية إضافية لدى الرأي العام.
وبالنسبة لزعيمة سياسية بنت جزءاً مهماً من صورتها الدولية على علاقتها الوثيقة بترامب، تبدو المفارقة اليوم واضحة، فبينما كانت تقدم في السابق باعتبارها أقرب حلفاء الرئيس الأميركي في أوروبا، قد يصبح الحفاظ على شعبيتها ومستقبلها السياسي مرهوناً بإظهار قدر أكبر من الاستقلالية عنه، وحتى بمواجهة ضغوط البيت الأبيض كلما اقتضت الضرورة لذلك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك