على الرغم من إبرام اتفاق وقف إطلاق نارفي قطاع غزة قبل ثمانية أشهر، في العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، إلا أن العدوان الإسرائيلي متواصل على القطاع، عبر سياسة ينفذها الاحتلال الإسرائيلي تتمثل في عمليات تصفية وقتل من خلال القصف الجوي والاستهدافات الميدانية.
ووفق بيانات وزارة الصحة في غزة، فإن نحو ألف شهيد سقطوا منذ الوصول إلى اتفاق شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي، فضلاً عن آلاف الجرحى، إلى جانب عمليات التدمير والقصف اليومية التي تطاول المنازل المتبقية وخيام النازحين المهترئة.
وبحسب آخر إحصائية صادرة عن الوزارة، أمس الثلاثاء، فإن 978 شهيداً سقطوا، وأصيب 3097 آخرون بفعل الخروق الإسرائيلية اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار والتصعيد الميداني المتواصل للشهر الرابع على التوالي، منذ فبراير/شباط الماضي.
وارتفعت حصيلة الضحايا منذ السابع من أكتوبر 2023، إلى 72988 شهيداً و173205 مصابين.
وأظهرت حصيلة أخرى صادرة عن مركز غزة لحقوق الإنسان، في الخامس من يونيو/حزيران الحالي، ارتفاعاً متصاعداً في حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، إذ كشفت الإحصاءات الموثّقة أن 534 قتلوا منذ بداية العام الحالي، بمعدل سبعة شهداء كل 48 ساعة، في حين بلغ عدد المصابين خلال الفترة نفسها 1782 مصاباً، بمعدل إصابات يومي بلغ نحو 11.
42 مصاباً.
وبحسب المركز الحقوقي فإن هذه الأرقام" تعكس وتيرة مستمرة من الخسائر البشرية على مدى أكثر من خمسة أشهر، بمعدل يومي ثابت نسبياً، ما يعكس استمرار الاحتلال في ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين".
وأشار المركز إلى أنه خلال الفترة الممتدة من الأول من يناير/ كانون الثاني الماضي حتى الخامس من يونيو الحالي، وهي مدة لا تتجاوز 155 يوماً، شهدت أشكالاً متعددة من أفعال الإبادة الجماعية، وعلى رأسها القتل الجماعي، والتهجير القسري، والتجويع، ما يكشف حجم الكارثة الإنسانية التي يرزح تحتها القطاع المحاصر.
وأمس، اعتقلت القوات الإسرائيلية سبعة أفراد من طواقم الإسعاف التابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بغزة.
وقالت وزارة الصحة في غزة، في بيان أمس، إن الطواقم تم اعتقالهم أثناء" أداء واجبهم الإنساني على شارع صلاح الدين"، وسط القطاع، مشيرة إلى أنه تم الإفراج عن خمسة منهم بعد إخضاعهم للتحقيق، فيما لا يزال اثنان قيد الاعتقال، دون تقديم مزيد من التفاصيل.
وطالبت الوزارة بالإفراج الفوري عن سائقي الإسعاف المحتجزين، مؤكدة أن استهداف الطواقم الطبية وعرقلة عملها يمثلان انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني ويقوضان الجهود الرامية إلى تقديم الرعاية الصحية والخدمات الإسعافية للمواطنين.
في غضون ذلك، اعتقلت البحرية الإسرائيلية، صباح أمس، تسعة صيادين فلسطينيين بعد مهاجمة مراكب الصيد العاملة قبالة سواحل قطاع غزة.
وقال منسق لجان الصيادين في اتحاد لجان العمل الزراعي في غزة، زكريا بكر، لـ" العربي الجديد"، إن زوارق الاحتلال الحربية هاجمت مراكب الصيادين على طول ساحل القطاع، قبل أن تعتقل تسعة صيادين من مناطق غرب دير البلح ومدينة غزة.
وأوضح أن الاعتقالات جاءت خلال عمل الصيادين في البحر، في ظل استمرار القيود المشددة التي تفرضها قوات الاحتلال على حركة الصيد، ومواصلة استهداف المراكب والعاملين في هذا القطاع.
وأشار إلى أن عدد الصيادين الفلسطينيين المعتقلين حالياً في سجون الاحتلال يقدّر بنحو 40 صياداً منذ السابع من أكتوبر 2023، بينما تجاوز عدد الشهداء من العاملين في قطاع الصيد منذ بداية الحرب الـ230 شهيداً.
وصعّد الاحتلال الشهر الماضي من عمليات الاغتيالات التي طاولت قيادات بارزة من الصف الأول في الذراع العسكرية لحركة حماس، تمثلت في اغتيال القائدين العامين لكتائب القسام عز الدين الحداد ومحمد عودة خلال النصف الثاني من شهر مايو/أيار الماضي.
ويتزامن التصعيد الإسرائيلي مع محاولات مستمرة يقوم بها الوسطاء منذ مارس/آذار الماضي للوصول إلى حل يضمن استكمال مسار الاتفاق المبرم في شرم الشيخ وفقاً لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المكونة من مرحلتين.
وشهدت الأيام الأخيرة اجتماعات مكثفة في مدينة العلمين المصرية بمشاركة عدة فصائل فلسطينية في مقدمتها حركتي حماس والجهاد الإسلامي، إلى جانب الجبهتين الشعبية والديمقراطية ولجان المقاومة الشعبية والمبادرة الوطنية والتيار الإصلاحي المحسوب على القيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان.
في الأثناء، قال عضو المكتب السياسي لحركة حماس في الخارج، عبد الجبار سعيد، إن استمرار عمليات القتل في قطاع غزة وارتفاع أعداد الشهداء" يعكسان محاولة الاحتلال فرض أمر واقع جديد على الأرض، والتوسع واحتلال المزيد من أراضي القطاع لتحقيق مكاسب سياسية وميدانية".
عبد الجبار سعيد: التصعيد الإسرائيلي يأتي في سياق الضغط على وفد حماس المفاوض ومحاولة انتزاع تنازلات في الملفات المطروحة على طاولة التفاوضوأضاف لـ" العربي الجديد"، أن التصعيد الإسرائيلي يأتي أيضاً" في سياق ممارسة الضغط على وفد الحركة المفاوض في القاهرة (العلمين)، ومحاولة انتزاع تنازلات في الملفات المطروحة على طاولة التفاوض، وتحقيق ما عجز الاحتلال عن فرضه في المراحل السابقة".
وأكد سعيد أن لدى الحركة" موقفاً واضحاً يتمثل في ضرورة إلزام الاحتلال بما تم الاتفاق عليه، وعدم السماح له بالاستمرار في خرق اتفاق وقف إطلاق النار أو تجاوز بنوده".
وأشار إلى أن الحركة تعمل بالتوازي على" الضغط على الوسطاء للقيام بدور أكثر فاعلية في مواجهة العدوان، إلى جانب الضغط على الإدارة الأميركية للجم الاحتلال ووقف انتهاكاته".
وبحسب سعيد فإن" الاعتداءات الإسرائيلية لا تقتصر على العمليات العسكرية المباشرة، بل تشمل خروقا متعددة لاتفاق وقف إطلاق النار"، موضحاً أن" منع إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع يشكل، من حيث النتيجة، عملية قتل بطيء بحق السكان، كما أن استمرار إغلاق المعابر ومنع المرضى والجرحى من السفر لتلقي العلاج يسهم في سقوط مزيد من الضحايا واستمرار حرب الإبادة بحق الشعب الفلسطيني".
علماً أن فتح المعابر وتدفق المساعدات إلى جانب الانسحاب الإسرائيلي جزء من بنود المرحلة الأولى من الاتفاق، والتي يربطها الاحتلال بنزع سلاح القطاع، فيما من المفترض أن تشمل المرحلة الثانية خصوصاً ترتيبات حكم غزة.
وشدد سعيد على أن حركة حماس" ترفض هذه الخروق المستمرة، وستواصل التمسك بحقوق الشعب الفلسطيني في المفاوضات وفي مختلف المحافل"، مؤكداً أن الجهود ستتواصل من أجل" وقف العدوان وتمكين الشعب الفلسطيني من العيش بكرامة واستعادة مقومات الحياة والنهوض من جديد".
من جهته أكد المدير العام للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في غزة، جميل سرحان، على أن الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها قوات الاحتلال في قطاع غزة لم تتوقف منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، مشيراً لـ" العربي الجديد"، إلى أن ما يجري يأتي في إطار استمرار حرب الإبادة بحق الفلسطينيين.
وشدد سرحان على أن أعمال القتل لا تزال مستمرة بصورة واسعة، وقد أسفرت منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار عن سقوط ما يقارب ألف شهيد، إضافة إلى أعداد كبيرة من الجرحى، فيما تتواصل عمليات قصف المنازل والاجتياحات البرية وفرض أوامر النزوح الواسعة على السكان.
وأضاف أن ما تُعرف بـ" المناطق الصفراء" (الخط الأصفر، وهو خط الانسحاب الإسرائيلي بموجب الاتفاق والذي كان حينها يشمل 50% من مساحة القطاع، وأصبح اليوم أكثر من 60% منه) لا تزال قائمة، بل امتد نطاقها إلى مناطق جديدة.
واعتبر أن ذلك يعكس استمرار الأنماط ذاتها من الانتهاكات التي كانت سائدة قبل الإعلان عن وقف إطلاق النار، سواء في إطار الهدنة أو التفاهمات اللاحقة.
جميل سرحان: الاحتلال يستخدم الإعلان عن وقف إطلاق النار لتخفيف الضغوط السياسية والدبلوماسية المفروضة عليه، في حين يواصل ارتكاب الجرائم ذاتهاوفي رأيه فإن استمرار هذه الانتهاكات يدل على أن" الاحتلال يستخدم الإعلان عن وقف إطلاق النار لتخفيف الضغوط السياسية والدبلوماسية المفروضة عليه، في حين يواصل ارتكاب الجرائم ذاتها بوتيرة أقل نسبياً، لكنها لا تزال تحمل الطابع نفسه من حيث استهداف المدنيين والبنية التحتية".
وأشار إلى أن" التفاهمات المتعلقة بالجانب الإنساني لم تُنفذ بالشكل المتفق عليه، إذ إنه كان من المفترض إدخال نحو 600 شاحنة مساعدات يومياً منذ أكتوبر الماضي، إلا أن ذلك لم يتحقق في أي يوم"، لافتاً إلى أن" تسهيل دخول الوفود الطبية وخروج المرضى لتلقي العلاج لم يتم وفق ما كان متوقعاً، في ظل استمرار القيود المفروضة على المعابر".
وذكر أن" الاحتياجات الإنسانية الأساسية للسكان لم تلق الحد الأدنى من الاستجابة"، مشيراً إلى وجود قيود تتعلق بإدخال البضائع، والسماح لعدد محدود من التجار بالعمل، ما" ساهم في خلق حالة من الاحتكار وعدم تلبية احتياجات المواطنين".
وأوضح أن" الشهادات والإفادات التي جمعتها الهيئة تشير إلى استخدام وسائل متعددة في الحرب، لا تقتصر على الأسلحة التقليدية، وإنما تشمل التجويع بوصفه وسيلة ضغط وإيذاء جماعي، في ظل استمرار القيود على دخول المساعدات الإنسانية، فضلاً عن توثيق شهادات تتعلق بارتكاب انتهاكات أخرى خلال فترة الحرب".
وبين الشهداء الألف الذين سقطوا خلال الهدنة، وآلاف الجرحى والاعتقالات، يبقى توسيع إسرائيل احتلال مناطق غزة من أخطر ما يحصل، وهو ما بات سياسة حكومية رسمية معلنة، مع تصريح بنيامين نتنياهو مرتين في أسبوع واحد، أنه أمر جيشه باحتلال 70% من مساحة غزة قريباً جداً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك