ثمة نساء يُشبهن النهر؛ كُلما ألقت عليه الأيام حجرًا عكر صفوه جرى قدمًا ليغسل خطايا المجرى ويسقي الضفاف بالحب.
وفي دروب الحياة الوعرة حيث تشتد العواصف وتتكسر القلوب تحت وطأة الخيبات تبرز روحٌ استثنائية روح امرأة نُقش على جدار صبرها بحروف من نور “أم زينب”.
برغم كل شيء سيء و برغم الندوب التي تركتها الأيام على جدار قلبها وبرغم مرارة الجراح التي لو حُملت على الجبال لدكتها إلا أن هذه الإنسانة اختارت طريقًا لا يسلكه إلا العظماء.
لم تلتفت إلى الخلف حيث الوجع ولم تسمح لظلال الماضي أن تُعتم مستقبل صغارها.
تسامت فوق الألم وعلت بروحها المحبة فوق كبرياء الجرح.
“العظمة الحقيقية لا تكمن في ألا نسقط أبدًا بل في كيف ننهض ونحن نحمل الحب للآخرين حتى لأولئك الذين أوجعونا.
”في لحظة فارقة من لحظات هذا العمر تجلى طهر هذه الروح في أسمى معانيه.
لم تجعل من الأبناء سلاحًا للانتقام ولم تحرمهم من عاطفة الأبوة بل فتحت أبواب الوصل وأعادت ترتيب فوضى المشاعر بحكمة بالغة.
رأت أن الأطفال تستحق أن تنمو في دفق من حنان الأب بعيدًا عن جفاف الخصام.
على الجانب الآخر يقف الأب اليوم والذهول يملأ قلبه والدموع تحتبس في مآقيه بعد أن تحدث مع أبنائه.
كيف يمكن لكلمات أن تصف شعور أبٍ رُدّت إليه روحه؟إنه شعور يمتزج فيه الفرح بالندم والامتنان بالخشوع أمام هذه الروعة الإنسانية.
وجد أبناءه يحملون له في قلوبهم حبًا لم تشبه شائبة بفضل أمٍّ لم تزرع فيهم سوى الخير.
في تلك اللحظة تحولت ذرات الهواء في صدره إلى دعاء مخلص دعاء يخرج من أعماق نقيّة من جوه قلبه الذي اهتز إكبارًا وإجلالًا لهذه المرأة.
رددها ولا يزال يرددها في غسق الليل وفي وضح النهار بقلبٍ يملؤه الحب والندم والاعتراف:“بالجد… أنتي عظيمة يا أم زينب.
”إن قصة “أم زينب” هي ترنيمة حب وشجن، تُثبت أن القلوب الكبيرة وحدها هي من تملك القدرة على الغفران.
لقد حوّلت بوعيها وحنانها طاقة الألم إلى طاقة سلام عمت الأب والأبناء وصنعت من جراحها جسرًا ليعبر عليه صغارها نحو بر الأمان النفسي.
يا أم زينب إن دعاءً صاعدًا من قلبٍ أبكاه الامتنان والشعور بالندم لهو وسامٌ يعلق على صدر تاريخكِ كأم وامرأة.
لقد هزمتِ السيء بالجميل وكسرتِ قيد الحقد بوعي الحب.
هنيئًا للأبناء بكِ وهنيئًا للحياة بامرأة تحمل قلبًا كقلبكِ.
بالجد… أنتي عظيمة وسيرددها الكون خلف كُل ممتنٍّ لجميل صنعكِ.
وفي هذه السيرة العطرة من الصبر والتسامي لا يسعنا إلا أن نرفع الكفوف لنتضرع إلى من بيده مقاليد القلوب ونسأله سبحانه أن يجازي “أم زينب” عن إحسانها إحسانًا وعن صبرها وعظمتها فوزًا ورضوانًا.
“اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع حول ‘أم زينب’ كُل بهجة وسرور واجعل الفرح المقيم يسكن تفاصيل أيامها جزاءً بما تسامت وغفرت.
اللهم كما جبرت بخاطر الأبناء وأبيهم واجعل خاطرها مكسوًا بنور منك لا ينطفئ واحفظ لها ذريتها واجعلهم قرة عين لها في الدنيا والآخرة، بارّين بها، حاملين لراية الوفاء التي غَرَستِها في نفوسهم.
اللهم عوّضها عن كل ليلة شجن وعن كل غصة ألم بفيض من طمأنينة تشرح صدرها واجعل دعوات الأب الصادقة النابعة من جوف قلبه سياجًا من التوفيق يحيط بها وبأبنائها أينما حلت خُطاهم… إنك سميع مجيب الدعاء.
”binsalihandpartners@gmail.
com.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك