تخوض هيئة الطاقة الذرية السورية، تحدياً مفصلياً لإعادة تموضعها في الخريطة العلمية والرقابية، مدفوعة برغبة جادة في صياغة عهد جديد، بعد الإرث الذي خلفه النظام المخلوع وجعل أي حديث عن" الطاقة الذرية" مقروناً بالتساؤلات عن الأبعاد العسكرية المحتملة، بعيداً عن تطبيقاتها السلمية.
فالهدف اليوم ليس تصحيح المفاهيم فقط، بل إعادة تقديم نفسها كجهة بحثية وعلمية بحتة، تضع مجالات عملها في صلب حياة المواطن السوري.
في هذا السياق، قال رئيس هيئة الطاقة الذرية، مضر العكلة، لموقع" تلفزيون سوريا"، إن مهام هيئة الطاقة الذرية السورية (AECS) تتركز حصراً على التطبيقات السلمية والبحثية للطاقة الذرية، والرقابية النووية والإشعاعية، وتعمل الهيئة على تغيير الصورة النمطية المرتبطة بالصبغة العسكرية عن أنشطتها التي خلفها النظام المخلوع، عبر الالتزام بالمعاهدات والضمانات الدولية، وتعزيز العلاقات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والهيئة العربية للطاقة الذرية، والهيئة التعاونية الإقليمية للدول العربية في آسيا للبحث والتنمية والتدريب في مجال العلوم والتكنولوجيا النوويين (آراسيا - ARASIA)، والمشاريع التقنية الدولية المشتركة.
وأضاف أن دور الهيئة يقع بالكامل ضمن النطاق السلمي والتنموي، وهي ملتزمة بشكل قاطع بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية، مشيراً إلى أن مجالات عمل الهيئة تمس حياة المواطن اليومية بشكل مباشر، وأبرزها:القطاع الصحي: تشخيص الأورام ومعالجتها بالإشعاع (الطب النووي)، وإنتاج النظائر الطبية المشعةالقطاع الزراعي والبيئي: تحسين المحاصيل، ومكافحة الآفات الزراعية باستخدام التقانات النووية، وحماية البيئةالقطاع الصناعي: إجراء الاختبارات اللاإتلافية (NDT) لفحص سلامة المنشآت، وإدارة النفايات المشعة الطبيعية (NORM)، وتطبيق تقنيات التشعيع لتحسين المواد، بالإضافة إلى تصنيع الدروع الرصاصية والرقابة والتفتيش والترخيص للنشاطات والتطبيقات الصناعية والطبية.
وتسهم الهيئة في دعم السلامة والإنتاجية الصناعية من خلال هذه الخدمات الفنية والتنظيميةالأمن والأمان النووي: مراقبة مستويات الإشعاع في جميع نواحي الحياة والبيئة، من استخراج النفط والصناعة إلى المراقبة الحدودية والاستجابة للطوارئ الإشعاعية والنووية، بالإضافة إلى أنشطة وخدمات أقسام التحاليل النوعية، والفيزياء، والكيمياء، وعلم المواد الناونية، والجيولوجيا، والتقانة الحيوية، والبيولوجيا الجزيئية، والهندسة النووية.
ما الفرق بين هيئة الطاقة الذرية ومركز البحوث العلمية؟ولإزالة اللبس الشائع لدى الرأي العام، وضع العكلة حداً فاصلاً يوضح الاختلاف الهيكلي والوظيفي بين هيئة الطاقة الذرية ومركز البحوث العلمية، إذ أوضح أن هيئة الطاقة الذرية السورية هي جهة مستقلة ذات طابع علمي وبحثي ورقابي مستقل، تُعنى حصراً بالعلوم والتقانات النووية وتطبيقاتها السلمية والرقابية.
أما" مركز البحوث العلمية" فهو مؤسسة بحثية تتبع لقطاعات أخرى، وتتنوع مجالات أبحاثها الهندسية والتكنولوجية العامة والعلوم التطبيقية.
ولفت إلى أن الهيئة تنفرد بكونها السلطة الرقابية الوطنية الحصرية والوحيدة في سوريا المنوط بها: ترخيص ومراقبة جميع الممارسات الإشعاعية وحركة المواد المشعة في القطر والحدود، وإدارة منشآت البحوث النووية، مثل مفاعل البحوث السوري (منسر)، وتوفير منظومة الوقاية الإشعاعية على مستوى البلاد.
ورغم التوجهات الطموحة نحو المستقبل، ما يزال هناك تحديات، تفرض قيوداً على أداء الهيئة، حيث أشار العكلة إلى أبرز هذه الصعوبات وهي: استيراد التجهيزات والأجهزة والقطع التبديلية والمستلزمات المخبرية المتطورة، وتحديات لوجستية في التصدير والتوريد السريع للنظائر المشعة ذات الأعمار الزمنية القصيرة المستخدمة في علاج وتشخيص مرضى السرطان، بالإضافة إلى انتهاء العمر الافتراضي للعديد من التجهيزات التقنية والأجهزة المستخدمة ضمن مرافق الهيئة.
وبالانتقال من تشخيص العقبات إلى استشراف الحلول، أوضح أن سوريا تتطلع في مرحلة إعادة البناء إلى حلول استراتيجية تشمل التوسع في إنتاج النظائر الصيدلانية المشعة، وذلك عبر إنشاء مركز لإنتاج النظائر المشعة في المنطقة الشمالية من سوريا، ودعم القطاع الصحي بالأجهزة النوعية الداعمة لعلاج السرطان بالإشعاع.
وأشار إلى أن الثقل العملي والتنفيذي الحالي للهيئة ينصب على الجوانب البحثية، والعلاجية، وترميم المختبرات وتدريب وتأهيل الكوادر لتهيئة الأرضية التقنية لأي مشاريع مستقبلية كبرى متعلقة بإنتاج الطاقة الكهربائية وتحلية مياه البحر.
سبع مبادرات لاستقطاب الكوادر الشابةكما استعرض العكلة حزمة من الخطوات التي قامت بها الهيئة لدعم البحث العلمي واستقطاب كوادر وطنية شابة فاعلة، ومنها:فتح المخابر المتطورة: تعمل الهيئة على فتح أبواب مخابرها المجهزة بأحدث التقنيات أمام طلاب الجامعات والمعاهد بمختلف الاختصاصات النوعية لإنجاز مشاريع تخرجهم وأبحاثهمإطلاق برنامج زمالة ما بعد الدكتوراه: يتيح البرنامج للباحثين فرصة المشاركة في مشاريع علمية متقدمة، والاستفادة من البنية التحتية والمختبرات المتطورة في الهيئة لتطوير خبراتهم في العلوم التطبيقية والنووية السلمية، ويعد فرصة جيدة لاستقطاب الباحثين الشباب من مختلف بلدان العالمالإشراف الأكاديمي المتخصص: تشرف الهيئة بشكل مباشر على برامج أكاديمية للدراسات العليا بالتعاون مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لتأهيل الخبراء، تم الانطلاق حالياً بعدة ماجستيرات أكاديمية تخصصيةتطوير مركز التدريب: يسهم" المركز التدريبي للعلوم والتقانات النووية" التابع للهيئة بانتظام في رفع كفاءة الشباب عبر دورات تخصصية بالتعاون مع الهيئة العربية للعلوم والوكالة الدولية للطاقة الذريةإطلاق منصة التعليم الإلكتروني: لنشر المعرفة العلمية المتخصصة وتوطينها في سوريارعاية التميز: دعم وإعداد الفرق الطلابية الشابة، مثل تدريب الفرق الوطنية المشاركة في أولمبياد العلوم النووية بالتعاون مع هيئة التميز والإبداعمنتديات (اليوم العلمي) في الجامعات: تعد المنتديات جسراً معرفياً تنظمه الهيئة في الجامعات السورية لنشر ثقافة الاستخدامات السلمية للطاقة النووية في الطب والزراعة والصناعة، وربط الطلاب بأحدث المستجدات البحثية لتأهيل الكوادر الوطنية الشابة، إلى جانب العمل على إطلاق برامج صيفية لتعريف الكوادر الشابة على التقانات والتطبيقات النووية السلمية.
وبالرغم من حجم العقبات اللوجستية والتقنية المفروضة، يبقى الرهان الحقيقي للهيئة معقوداً على الطاقات الشبابية والالتزام بالمواثيق الدولية، لإعادة تقديم سوريا كشريك موثوق في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وتوظيفها في إعمار البلاد ودعم القطاعين الصحي والتنموي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك