إدماني لا يجرّمه قانون، ولا يحذّر منه طبيب، بل يصفق له الجميع ويعتبره دليل نجاح.
لطالما آمنت أن النجاح هو الحل لكل شيء؛ فكلما ضاقت بي الحياة لجأت إلى العمل، وكلما شعرت بالفراغ بحثت عن إنجاز جديد.
كنت أظن أنني مجرد طموح، لكنني مع الوقت اكتشفت أن بين الطموح وإدمان النجاح مسافة دقيقة.
لكنها خطيرة.
فالإدمان لا يشترط مادة تُتعاطى، بل قد يكون فكرة تُلازمك، أو شعورًا يطاردك، أو تلك النشوة العابرة التي تسبق سقوطك في رغبة أشد: إنجاز أكبر.
أعترف أنني ربما واحد من هؤلاء.
من هؤلاء الذين لا يجدون راحتهم إلا في الحركة، ولا يعرفون السكون إلا كفرصة مؤقتة قبل المعركة التالية، والذين يهربون من ضجيج داخلهم إلى ضجيج العمل، ثم يكتشفون أن الضجيج لم يغادرهم أصلًا.
مدمن النجاح لا يبحث عن السعادة، بل عن المهمة التالية.
لا يحتفل بما حققه إلا بقدر اللحظة، ثم يطويه بسرعة ليبدأ سباقًا جديدًا.
يعيش في المستقبل حتى يفقد القدرة على تذوق الحاضر.
المفارقة القاسية أن المجتمع لا يرى في ذلك أزمة، بل نموذجًا يُحتذى.
يصفق للإنهاك، ويقدّس الاستنزاف، ويعتبر غياب الراحة دليل قوة، دون أن يلتفت إلى ما يُهدر في الداخل بصمت.
ساعات طويلة من العمل لا تنتهي، إرهاق يتراكم دون توقف، علاقات إنسانية تتآكل دون ضجيج، وأيام جميلة تمر وكأنها لم تكن.
وحتى عند الوصول، لا يتوقف العقل… بل يبدأ فورًا في السؤال: وماذا بعد؟ورغم ذلك، لا أرى أن الحل في قتل الطموح أو الاعتذار عن الأحلام، بل في استعادة التوازن قبل أن يتحول النجاح إلى استهلاكٍ للروح.
فالنجاح يجب أن يكون طريقًا في الحياة، لا بديلًا عنها.
لقد أدركت متأخرًا أن الإنسان قد يربح كل شيء خارجيًا، لكنه يخسر نفسه داخليًا وهو يركض بلا توقف.
وقد يصل إلى القمة، ثم يكتشف أن القمة بلا روح ليست انتصارًا.
لذلك أكتب هذا الاعتراف لا كمن يهاجم النجاح، بل كمن يحاول أن يصالح نفسه معه.
لكنني أحاول أن أتعلم كيف أتعافى من فكرة أن الحياة تُختصر في الإنجاز وحده.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك