يوافق اليوم مرور 12 سنة على سقوط الموصل العراقية بقبضة تنظيم داعش الإرهابي في العاشر من يونيو/ حزيران 2014، والذي خلّف كوارث إنسانية واجتماعية وأمنية وسياسية وعمرانية على أهالي ثانية كبرى مدن العراق الذين شهدوا أحداثاً مروّعة سرعان ما امتدت إلى مدن ومحافظات عراقية أخرى، مخلفة عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، ونحو ستة ملايين نازح، فيما بقيت أسرار هذه" الفاجعة الأمنية" من دون تفسير واضح طيلة السنوات الماضية، ومن دون محاسبة أي من المسؤولين المتهمين بالتورط في سقوط الموصل.
وطيلة السنوات الماضية، غُيّب ملف التحقيق في سقوط الموصل الذي ناقشه البرلمان العراقي، واستضاف قادة في الجيش والشرطة ومسؤولين من المدينة وآخرين من بغداد، إذ لم تفض هذه الإجراءات إلى أي محاسبة أو محاكمة، ولا سيما بحق المتهمين الكبار، وأبرزهم رئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي.
ويستذكر العراقيون، سواء من الموصل أو المدن التي توالى احتلالها من تنظيم" داعش" عقب انسحاب القوات العراقية في ظروف ما زالت أسرارها غير واضحة بشكلٍ كافٍ، الفاجعة التي أدت إلى اتساع رقعة المناطق التي سيطر عليها التنظيم الإرهابي، إذ سقطت أكثر من 20 مدينة عراقية في أقل من أسبوع، شمالي البلاد وغربها، أبرزها البعاج وتلعفر وسنجار والقيارة والحظر وربيعة والجزيرة وتكريت وبلد والدور والإسحاقي، وصولاً إلى الرمادي وهيت والرطبة والقائم والكرمة وراوة وعانة وآلوس وبلدات أخرى.
استعادت القوات العراقية، بدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، السيطرة على مدينة الموصل وطردت مسلحي تنظيم داعش في يوليو/ تموز 2017، بعد معارك استمرت نحو عشرة أشهر، خلفت عدداً كبيراً من الضحايا المدنيين، قدّرهم نواب ومسؤولون بعشرات آلاف القتلى والجرحى، أغلبهم من النساء والأطفال.
كما أدت المعارك إلى دمار واسع قدرت وزارة التخطيط العراقية أنه طاول أكثر من 56 ألف منزل، وسط الحديث عن أن نحو ألف منزل منها ما زالت جثث أصحابها تحت أنقاضها، إضافة إلى تسجيل أسماء 11 ألف مفقود.
وخلال معارك التحرير التي قادتها القوات العراقية مدعومة بالتحالف الدولي، سقط في مجمل مناطق العراق أكثر من ربع مليون قتيل وجريح، إلى جانب عشرات آلاف المختطفين والمغيبين، في تقديرات غير رسمية، إذ لم تقدم الحكومات المتعاقبة أي أرقام رسمية.
وأصدر رئيس جمهورية العراق نزار آميدي بياناً، اليوم الأربعاء، في الذكرى 12 لسقوط مدينة الموصل، وقال إن" العراقيين أثبتوا في تلك المحنة أن قوة العراق تكمن في وحدته وتلاحم أبنائه، وأن الإرهاب مهما بلغ من بطش وإجرام لا يمكنه كسر إرادة شعب يؤمن بوطنه ومستقبله.
وإن مسؤوليتنا الوطنية تقتضي اليوم أكثر من أي وقت مضى تمتين الجبهة الداخلية، وتوحيد الخطاب الوطني، وحماية المكتسبات والعمل المشترك من أجل بناء دولة قوية وعادلة ومزدهرة، تضمن الكرامة والأمن والفرص لجميع العراقيين".
أما رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي فأوضح، في بيان، أن" التنظيم (داعش) ارتكب جرائم واسعة بحق المدنيين، شملت سفك دماء الأبرياء وانتهاك الحرمات والمقدسات، مخلفاً آلاف الشهداء والجرحى والمفقودين، في محاولة للنيل من إرادة العراقيين وهويتهم الوطنية، وأن العراق أثبت قدرته على مواجهة أخطر التحديات"، مؤكداً" الحفاظ على منجزات النصر وتعزيز قدرات القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وترسيخ الأمن والاستقرار، وتعزيز سيادة العراق وحصر السلاح بيد الدولة، إلى جانب مواصلة مشاريع البناء والإعمار والإصلاح والتنمية بما يلبي تطلعات المواطنين".
لكن أهالي الموصل يستذكرون هذه المناسبة بألم وحزن بالغين، وخصوصاً أن كثيرين منهم على قناعة بأن مدينتهم لم تسقط، بل جرى تسليمها إلى الإرهاب.
وطالب يونس القزاز (43 عاماً)، وهو من مدينة الموصل، خلال حديث مع" العربي الجديد"، بـ" محاسبة المتورطين والمقصرين والمتآمرين على الموصل"، مشيراً إلى أن الأشهر التي سبقت احتلال المدينة، شهدت مشكلات أمنية وسياسية كثيرة"، وأضاف: " المدينة لم تُحتل إنما جرى تسليمها إلى الإرهاب، ثم أن جهات عراقية تعمدت وصم أهالي الموصل بالإرهاب.
لذلك نحن نطالب بمحاسبة المتورطين، ونأمل بأن تتدخل محكمة العدل الدولية".
أما عضو مجلس محافظة نينوى (الحكومة المحلية)، محمد هريس، فقد لفت خلال حديث مع" العربي الجديد"، إلى وجود اعتقاد لدى أهالي المدينة بأنها سُلمت بسبب الخلافات السياسية والأمنية داخل المحافظة.
وأضاف" الموصل حالياً تعد الأولى على مستوى الاستقرار الأمني، كما استطاعت أن تنهض وأن تتجه نحو الإعمار والازدهار".
واستطرد قائلاً: " الأهالي كانوا أسرى لدى داعش، وعُزلوا عن العالم فخسروا تعليمهم وتأخروا بسبب الفترة المظلمة (.
) التنظيم قتل نحو 20 ألف مواطن في حادثة الخسفة وحدها، وهدمت نحو 51 وحدة سكنية وبنى تحتية كاملة، لكن المدينة نهضت من جديد".
من جانبه، تحدث الناشط المدني من مدينة الموصل أيوب محمد عن التنمية والتطور الذي تشهده المدينة، غيّر أنه يشير إلى أن" ذاكرة الناس ما زالت مثقلة بالأوجاع، إذ إن الأهالي جميعهم تضرروا من الحرب، ولا يوجد بيت واحد في محافظة نينوى لم يذق مرارة الحرب والخسارة والحرمان والنزوح".
ويضيف متحدثاً لـ" العربي الجديد"، أن" الحكومة العراقية وأجهزة القضاء عليها أن تواصل محاسبة المتورطين في سقوط الموصل، ومن ثم سقوط عشرات المدن العراقية، وأن هذا الإجراء هو جزء من رد الاعتبار للمتضررين من تنظيم داعش والقتال الذي استمر لثلاث سنوات في العراق، سواء في الموصل أو بقية المحافظات التي وقعت تحت أسر التنظيم الإرهابي".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك