قناة التليفزيون العربي - بعد تهديدات ترمب.. كيف تتحضر إيران للمواجهة المحتملة؟ قناة الشرق للأخبار - صراع أميركا وإيران يمتد إلى كأس العالم | ما الذي يحدث؟ التلفزيون العربي - نظام الطيبات يصل السعودية.. تحذيرات بعد ارتفاع الدخول لأقسام الطوارئ قناة القاهرة الإخبارية - انقسام إسرائيلي حول الاتفاق الأمريكي مع إيران.. وفجوة في الرؤى بشأن إيران ولبنان| ملف اليوم بانوراما فوود - طريقة عمل طاجن فول بالبيض والبطاطس | العزومة مع الشيف فاطمة أبو حاتي DW عربية - مدرب الولايات المتحدة :"لن أغني النشيد الوطني" الجزيرة نت - جدار التأشيرة والـ 20 ألف دولار.. عقبات تعرقل زحف الجماهير المغربية لمونديال 2026 قناة الجزيرة مباشر - "هل سنأكل اليوم؟".. سؤال يومي يؤرق عائلات غزة العربية نت - كأس العالم 2026.. حفل افتتاح تاريخي بثلاث محطات قناة الشرق للأخبار - حرب إيران.. أكبر صدمة لاقتصاد الشرق الأوسط
عامة

من أولمبيا إلى المونديال.. لماذا تصنع الرياضة نشوة جماعية؟

التلفزيون العربي
1

مع انطلاق صافرة كأس العالم، تتصاعد حمى الحماس لدى مئات ملايين المشجعين، وتتجه الأنظار والمشاعر نحو منتخبات البلدان التي يمثلونها أو يتعاطفون معها لسبب أو لآخر.تبدو البطولة العالمية، في وجهها الاحتفا...

مع انطلاق صافرة كأس العالم، تتصاعد حمى الحماس لدى مئات ملايين المشجعين، وتتجه الأنظار والمشاعر نحو منتخبات البلدان التي يمثلونها أو يتعاطفون معها لسبب أو لآخر.

تبدو البطولة العالمية، في وجهها الاحتفالي، تظاهرة رياضية وإنسانية واسعة، قائمة على التنافس والفرح والهوية المشتركة، كأنها صورة حديثة لمحاولة قديمة عرفتها اليونان في إنتاج حدث جامع يتجاوز حدود الرياضة.

لكن كرة القدم لا تخلو من مبالغة عاطفية كبرى.

فالأحداث الرياضية واسعة النطاق تنتج حالات انفعال مكثفة بين الجماهير، تمتد من النشوة الجماعية إلى الانفلات العصبي والعنف، بحسب طبيعة الجمهور وسياق المباراة والظروف المحيطة بها.

ينغمس المشجعون في حالة تنافسية كاملة، ومع التقدم الهائل في وسائل الاتصال والبث والمنصات، باتت أعداد المشاركين في هذه التجربة أوسع من أي وقت مضى.

وفقًا لتقديرات الاتحاد الدولي لكرة القدم، تفاعل نحو خمسة مليارات شخص مع كأس العالم 2022 في قطر عبر الشاشات والمنصات، فيما تابع قرابة مليار ونصف المليار المباراة النهائية بين الأرجنتين وفرنسا.

ومع بدء كأس العالم 2026، التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بمشاركة 48 منتخبًا، تبدو البطولة أمام اختبار جماهيري وتنظيمي غير مسبوق، سواء في حجم المتابعة العالمية أو في الحضور المباشر داخل الملاعب، وسط توقعات بتجاوز أرقام قياسية سابقة، ما لم تفرض عوامل تنظيمية أو سياسية أو أمنية عوائق مفاجئة.

(1)هذه الأرقام الهائلة تجعل فهم ديناميكيات الحماس الجماهيري مسألة لا تتصل بالنظرية وحدها، بل بالمجتمع والأمن أيضًا.

فكيف تتحول لعبة شعبية إلى طاقة جماعية جارفة؟ وكيف يمكن لهذه الطاقة أن تصنع احتفالًا كونيًا في لحظة، وأن تصبح في حالات أخرى وقودًا لحوادث عنيفة يذهب ضحيتها العشرات؟هنا تحضر نظرية عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم حول ما يُعرف بـ" النشوة الجماعية" (2)، وهي الحالة التي تصبح فيها الجماعة مصدرًا لطاقة عاطفية تتجاوز مجموع مشاعر أفرادها.

صحيح أن دوركايم طبّق المفهوم أساسًا على الطقوس الدينية، إلا أن الفكرة تبدو شديدة الصلة بكرة القدم الحديثة، حيث لا يجتمع الناس لمشاهدة حدث فقط، بل للمشاركة في صنعه وجدانيًا ورمزيًا.

تدعم هذا المنحى دراسات ميدانية حاولت تفسير أسباب انخراط جماهير تبدو مسالمة عادة في أعمال عنف جماعي ضمن سياقات معينة.

فالتفسير التقليدي الذي يحصر العنف في" مجموعات منحرفة" من المشجعين المتعصبين، مثل الهوليغان، لا يكفي وحده لفهم الظاهرة.

في دراسة أجراها الباحثون ستوت وهاتشيسون ودروي حول جماهير إنكليزية واسكتلندية خلال كأس العالم 1998 في فرنسا، ظهر أن العنف قد يصبح مفهومًا لدى بعض أفراد الجماعة عندما يُنظر إلى سلوك جماعة خارجية، أو إلى تدخل السلطة، باعتباره غير شرعي أو مهددًا لهوية المجموعة الداخلية.

(3)وبالعودة إلى فكرة النشوة الجماعية، فإن حالة" التوحد" الجماهيري في كرة القدم تستند أيضًا إلى مشاعر منسجمة داخل المجموعة، تُعرف أحيانًا بالتزامن العاطفي المدرك.

هذا التزامن تعززه عوامل مثل الاندماج الاجتماعي، والإحساس بالقوة الجماعية، والرفاهية العاطفية التي يمنحها الحضور المشترك.

وقد تبقى آثار هذه النشوة مصاحبة للأفراد أسابيع بعد انتهاء الحدث، خصوصًا حين يرتبط بالمكان والذاكرة والهوية.

تبدأ رحلة الحشد الرياضي من هناك، حيث لم تكن المنافسة مجرد سباق أو مصارعة، بل طقسًا يجمع الناس حول الدين والهوية والانتماء.

الألعاب الأولمبية القديمة في أولمبيابدأت الألعاب الأولمبية القديمة عام 776 قبل الميلاد، واستمرت لما يقارب ألف عام.

كانت تقام كل أربع سنوات تقريبًا، ويشارك فيها المواطنون اليونانيون من الذكور فقط، فيما ارتبطت فترة إقامتها بهدنة مؤقتة للصراعات الدائرة، غالبًا ما جرى احترامها، مع بعض الاستثناءات.

وفقًا للمصادر التاريخية، تراوحت القدرة الاستيعابية لملعب أولمبيا القديم بين 40 ألفًا و45 ألف متفرج(4)، في زمن كان عدد سكان العالم اليوناني محدودًا قياسًا بالعصر الحديث.

هذا يعني أن الحضور إلى الألعاب لم يكن تفصيلًا رياضيًا عابرًا، بل حدثًا واسعًا يجمع نسبة لافتة من السكان حول مناسبة واحدة.

تصف المصادر تجربة الحضور إلى أولمبيا بوصفها أقرب إلى" رحلة حج" منها إلى مشاهدة رياضية عادية.

كان المتفرجون يأتون من أنحاء مختلفة من حوض البحر المتوسط، أحيانًا عبر مناطق صراع، ويتجمعون في محيط الملاعب.

ولم تكن أولمبيا مدينة مجهزة لاستيعاب هذا العدد الكبير؛ إذ تشير بعض الروايات إلى أن عدد النزل كان محدودًا، وأن كثيرين كانوا يقيمون في الخلاء، تحت الأشجار أو في الخيم المؤقتة.

احتمل اليونانيون القدماء هذه المشاق لأن الألعاب كانت تتجاوز الرياضة نحو تجسيد الهوية الثقافية والوحدة الرمزية.

في اليوم الثالث من الألعاب، كان يُذبح مئة ثور كقربان للإله زيوس(5)، ثم تُشوى وتُوزع على الجماهير، بما يضاعف الطابع الطقسي والعاطفي للمناسبة.

هنا تختلط الرياضة بالدين والغذاء والجسد والجماعة في مشهد واحد.

لكن الحدث لم يكن نموذجًا مثاليًا للسلام والرفاهية.

فقد اختلطت فيه عوامل دينية وقبلية وطبقية وسياسية.

يذكر المؤرخون أن عام 364 قبل الميلاد(6) شهد اقتحامًا عسكريًا لساحة أولمبيا، ودارت معركة في أرضها بسبب النزاع على إدارة الألعاب بين الإيليين، وهم المضيفون التقليديون، وجيرانهم البيزيين المدعومين من الأركاديين.

حصل ذلك بينما كان آلاف المتفرجين يتابعون إحدى مباريات المصارعة.

اتخذ البيزيون وحلفاؤهم مواقع دفاعية في حرم أولمبيا المقدس، ونشروا رماة السهام على أسطح المعبد.

ومع ذلك، لم يتعامل الجمهور مع المعركة باعتبارها قطيعة كاملة مع المشهد.

يروي ديودوروس أن الحشود، التي كانت لا تزال ترتدي أثوابها الاحتفالية وتزيّن شعرها بالأكاليل والزهور، تابعت القتال من المدرجات، مصفقة للأعمال البطولية من الجانبين.

هكذا حضرت السياسة والعنف داخل الطقس الرياضي نفسه.

حتى في أوقات السلم، ظلّت السياسة حاضرة في أولمبيا.

فقد كان الخطباء يستعرضون مهاراتهم أمام الجماهير الغفيرة.

وفي عام 388 قبل الميلاد، ألقى الخطيب ليسياس خطابًا ضد ديونيسيوس، طاغية سيراكوزا، الذي حضر من صقلية مع حاشية فخمة.

أثار الخطاب حماس الجمهور، فانقلب بعض الحاضرين على خيمة الطاغية ونهبوها.

(7)لم تكن الجماهير، إذًا، مجرد كتلة مشاهدة.

كانت قوة قابلة للتعبئة.

الكولوسيوم كصيغة رومانية للفرجة الجماعيةاختلفت طبيعة الألعاب الرومانية عن سابقتها اليونانية.

ففيما غلب على الألعاب الأولمبية القديمة طابع ديني وطقسي، أخذت الألعاب الرومانية شكلًا أوضح من استعراض القوة والمال والسلطة.

هنا لم يكن الحشد مدعوًا إلى اختبار رياضي فحسب، بل إلى فرجة ضخمة تعكس بنية المجتمع الروماني وتراتبيته.

تشير المصادر إلى أن الكولوسيوم كان يتسع لعشرات الآلاف من المتفرجين، وقد تراوحت التقديرات بين 50 ألفًا و80 ألفًا.

لكن تقسيم المدرج لم يكن عشوائيًا؛ فقد خضع لقواعد طبقية وسياسية صارمة، شكلت خريطة مادية للتسلسل الهرمي الاجتماعي في روما.

تصدّر الإمبراطور المشهد في أفضل موقع، وجلس أعضاء مجلس الشيوخ والنخبة في الصفوف الأمامية، ثم جاءت الطبقات الوسطى والمواطنون العاديون، فيما وُضعت النساء المتزوجات من الطبقات الدنيا والفقراء في المقاعد العليا والأكثر بعدًا وانحدارًا.

(8)لم يكن الجمهور الروماني كتلة واحدة.

تشير المصادر إلى أن المتفرجين انقسموا إلى مجموعات داعمة لمدارس أو أساليب معينة في المصارعة.

ومن أبرز هذه الفصائل البارمولاري، أي أنصار المصارعين الذين يحملون ترسًا دائريًا صغيرًا، والسكوتاري، أي أنصار المصارعين الذين يحملون ترسًا مستطيلًا كبيرًا.

ذكر ماركوس أوريليوس هذه الانقسامات في" التأملات"، بما يكشف أن التعصب للأنماط والرموز لم يكن ظاهرة حديثة بالكامل.

ولم تبقَ هذه الفصائل داخل حدود التشجيع دائمًا.

فقد كانت قادرة على التصادم بعنف خارج الساحة.

وتقدم حادثة بومبي عام 59 ميلاديًا مثالًا واضحًا؛ إذ تشاجر سكان بومبي مع مشجعين من مدينة نوسيريا، وتحولت الإهانات إلى رشق بالحجارة، ثم إلى قتال بالسيوف، ما أدى إلى سقوط جرحى وقتلى.

قاد ذلك مجلس الشيوخ الروماني إلى معاقبة بومبي بمنعها من تنظيم الألعاب لمدة عشر سنوات.

(9)في هذا السياق، ربط مؤرخون بين شعبية ألعاب الكولوسيوم والسياسة الرومانية القائمة على إلهاء الجمهور، وتعزيز مكانة الحاكم، وخلق حالة من التضخم العاطفي الخاضع للتحكم.

وقد عبّر الشاعر الساخر جوفينال عن ذلك بتعبيره الشهير" الخبز والسيرك"، في إشارة إلى سياسة توفير الغذاء والفرجة مقابل التنازل عن الحقوق السياسية.

بذلك يمكن النظر إلى روما بوصفها نموذجًا مبكرًا لهندسة الحماس الجماهيري لأغراض سياسية.

المدينة الصناعية وولادة جمهور كرة القدمفي إنكلترا الفيكتورية، ارتفعت نسبة سكان المدن بصورة كبيرة خلال القرن التاسع عشر.

(10) ومع ظهور الدوري الإنجليزي لكرة القدم عام 1888، بدأت الملاعب تتحول إلى مساحات منتظمة للتعبير عن الهوية الطبقية والمحلية.

قبل تدوين قواعد الاتحاد الإنجليزي للعبة، كانت كرة القدم نشاطًا فوضويًا أقرب إلى المجتمع المحلي، مع تمييز محدود بين اللاعبين والمتفرجين.

كان الجمهور يقتحم الملعب أحيانًا، ويتدخل في مجريات اللعب، ويشارك في الأجواء باعتباره جزءًا من الحدث لا مجرد مشاهد خارجي.

غير أن الثورة الصناعية أعادت تشكيل هذه العلاقة جذريًا.

فقد ركز التحضر السكان في المدن، وخلق توسع السكك الحديدية إمكان التنقل الجماعي، فيما أتاح نصف يوم العمل يوم السبت مساحة زمنية منتظمة للترفيه.

ونتيجة لذلك، بدأ الجمهور يتحول تدريجيًا من مشاركين مباشرين إلى متفرجين دائمين.

اجتذبت الأندية المبكرة، مثل شيفيلد يونايتد ونوتس كاونتي، جماهير متزايدة.

ومع ذلك، لم يكن هؤلاء المتفرجون الأوائل سلبيين.

كانوا يقفون قريبين من الملعب، ويتدخلون كثيرًا في اللعب، ويتفاعلون بشكل جماعي مع ما يرونه ظلمًا أو استفزازًا.

لاحقًا، حوّل تشكيل دوري كرة القدم الجماهير إلى كتل أكثر انتظامًا.

المباريات الأسبوعية خلقت استثمارًا عاطفيًا مستدامًا، وجداول الدوري صنعت قصصًا متواصلة عن النجاح والفشل، الصعود والهبوط، الانتصار والخيبة.

هكذا لم تعد المباراة حدثًا منفصلًا، بل فصلًا في سردية طويلة يعيشها الجمهور أسبوعًا بعد أسبوع.

يُظهر مؤرخون مثل توني ماسون وديف راسل أن هذه الفترة شهدت ظهور عادة التفرج المنتظم.

فقد صُممت ملاعب مثل غوديسون بارك لاستيعاب آلاف الأشخاص، ما أنتج بيئات كثيفة ومشحونة عاطفيًا(11).

وبذلك، أصبحت كرة القدم متأصلة في حياة الطبقة العاملة، وربطت الأفراد بالأحياء وأماكن العمل والمدن.

كان تشجيع النادي أحد أشكال الهوية الجماعية الحديثة.

(12)بين الثلاثينيات والثمانينيات، تطورت جماهير كرة القدم من كتل متجانسة إلى ثقافات فرعية متمايزة.

وبعد الحرب العالمية الثانية، عملت كرة القدم كموقع لإعادة البناء الاجتماعي، فارتفع الحضور الجماهيري، وتعمقت الولاءات عبر الأجيال.

وسّعت الإذاعة ثم التلفزيون، ولا سيما عبر هيئة الإذاعة البريطانية، وصول اللعبة إلى جمهور وطني أوسع، وضخمت التنافس بين الأندية والمنتخبات.

بحلول الستينيات والسبعينيات، وثّق باحثون مثل إيريك دونينغ وجون ويليامز ظهور ظاهرة الشغب أو الهوليغان(13).

على خلاف الفوضى القديمة، أظهرت هذه الظاهرة عناصر تنظيمية أوضح: هويات جماعية، مجموعات مرتبطة بالأندية، ومواجهات مدبرة مسبقًا.

وارتبطت أندية مهمة، مثل وست هام يونايتد وتشيلسي، بمثل هذه المجموعات.

دفع ذلك بعض الدارسين إلى تفسير الشغب باعتباره استجابة للتهميش الاجتماعي وتحول الهياكل الطبقية، فيما أبرز عالم الاجتماع ستانلي كوهين دور وسائل الإعلام في صناعة" هلع أخلاقي" حول عنف كرة القدم.

(14)بحلول أواخر القرن العشرين، لم تعد جماهير كرة القدم مجرد جمهور متفاعل، بل صارت ثقافات فرعية منظمة ومدفوعة بهويات متراكبة: طبقية، محلية، قومية، إعلامية، وأحيانًا عنيفة.

أبرز كوارث العنف والحشود في الملاعبلا يخلو تاريخ كرة القدم الحديث من كوارث كشفت الوجه الخطر للحشود الرياضية.

بعض هذه الكوارث ارتبط بعنف مباشر بين الجماهير، وبعضها الآخر ارتبط بسوء إدارة الحشود، والاكتظاظ، وغياب التنظيم الآمن.

لذلك، من المهم عدم جمع كل المآسي تحت تفسير واحد، أو تحميل الجمهور دائمًا المسؤولية ذاتها.

كارثة ملعب بيرو الوطني 1964المدرجات كمسرح للهتافات العنصريةإلى جانب العنف الجسدي، تشير الأبحاث إلى أن الهتافات العنصرية والتمييزية تشكل نمطًا متكررًا من سلوك بعض الجماهير في بلدان مختلفة.

فقد وُثّقت حالات من الهتافات المعادية للسامية في بعض مباريات أندية أوروبا الشرقية، وهتافات عنصرية ضد لاعبين من ذوي البشرة الداكنة في إسبانيا وإيطاليا وروسيا، إضافة إلى العداء القومي في مباريات دولية مشحونة، مثل إنجلترا وألمانيا، أو الأرجنتين والبرازيل.

من منظور نظرية الهوية الاجتماعية، تعكس هذه السلوكيات تضخيم هوية الجماعة الداخلية، وإضفاء الشرعية على العداء تجاه الجماعة الخارجية.

فعندما تتحول" نحن" إلى هوية مغلقة ومشحونة، يصبح" هم" خصمًا يتجاوز الرياضة، وقد يُحمّل معاني سياسية أو عرقية أو قومية.

كما أن آليات العدوى العاطفية والتزامن العاطفي المدرك لا تعمل في اتجاه الفرح وحده.

فهي قادرة أيضًا على تضخيم الغضب والإهانة والإقصاء.

ما يبدأ بهتاف محدود قد يتحول سريعًا إلى موجة أوسع عندما يشعر الأفراد أنهم محميون داخل الجماعة، أو أنهم يرددون ما يردده الآخرون.

من الملعب إلى الشبكة العاطفية العالميةتشير بعض دراسات التصوير العصبي إلى أن مشاهدة حدث رياضي مؤثر، مثل تسجيل هدف، تنشط مناطق في الدماغ مرتبطة بالمكافأة والمتعة، إضافة إلى مناطق مرتبطة بمعالجة الذات والهوية الاجتماعية والتعاطف والتشارك العاطفي.

بمعنى آخر، لا يتعامل المتفرج مع المباراة بوصفها صورة بعيدة فقط؛ بل يعيشها جسديًا ووجدانيًا، ولو كان جالسًا أمام شاشة.

مع البث المباشر، ووسائل التواصل الاجتماعي، وإعادة اللقطات الفورية، لم يعد الملعب المكان الوحيد للحدث الجماهيري.

أصبح المتفرج في منزله، أو في مقهى، أو أمام شاشة عملاقة في ساحة عامة، جزءًا من شبكة عاطفية عالمية.

الهدف يُشاهد، ثم يُعاد، ثم يُعلّق عليه، ثم يتحول إلى مقطع قصير أو صورة ساخرة أو نقاش سياسي أو اجتماعي.

هكذا لا تنتهي النشوة عند حدود المدرج.

مع كل إعادة مشاهدة للحظة العاطفية، يمكن أن تتجدد آليات المكافأة والانفعال.

قد يعيش شخص بعيد عن الملعب جزءًا من التجربة نفسها، لأن الجماعة لم تعد محصورة في المكان، بل توزعت عبر الشاشات والمنصات.

لكن شدة هذا الحماس وأشكال التعبير عنه تتحدد بالظروف التاريخية والاجتماعية: التحضر، تشكل الهوية القومية، تطور وسائل الإعلام، تقنيات إدارة الحشود، والعلاقة بين الجمهور والسلطة.

لذلك، لا يمكن فهم جمهور كأس العالم اليوم من خلال الملعب وحده، بل من خلال شبكة أوسع تبدأ في المدرجات ولا تنتهي على الهاتف.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك