فرانس 24 - أوروبـا:لا تهاون مـع عنف الـمـستوطنين - حدث اليوم - فرانس 24 يني شفق العربية - أبو صفية يطالب الاحتلال بالإفراج الفوري من داخل زنزانته الجزيرة نت - من هاطاي إلى دمشق وبيروت.. أردوغان يعيد رسم حدود الأمن التركي في مواجهة إسرائيل القدس العربي - فيلم» الفيل الأزرق1» من الرواية إلى الشاشة: رعب نفسي وواقعية سحرية Euronews عــربي - الجيش الإسرائيلي يقرّ بإصابة قاعدة جوية بشظايا صاروخ خلال التصعيد الأخير مع إيران القدس العربي - الأدب العربي والمالطي في ملتقى القاهرة: تأثير متبادل وذاكرة لغوية مشتركة إيلاف - 9 قضاة بدرجة رئيس محكمة استئناف.. أمر ملكي سعودي بتسمية أعضاء جدد في المحكمة العليا قناه الحدث - حفظ التحقيق مع ريهام سعيد بعد حلقة "كلاب الشوارع" العربية نت - حفظ التحقيق مع ريهام سعيد بعد حلقة "كلاب الشوارع" وكالة سبوتنيك - القناع الرقمي خطر يهدد أموالنا وأحوالنا والحر يجعل الحيوانات أكثر عنفا وغباءا
عامة

كيف أصبح المهاجر عدو ليبيا المُفضّل؟

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة

خلال الأسابيع الأخيرة شهدت ليبيا تصاعداً غير مسبوق في حملات التحريض ضدّ المهاجرين واللاجئين. لم تعد المسألة تقتصر على منشورات غاضبة هنا أو مقاطع فيديو عنصرية هناك، بل تحوّلت إلى موجة واسعة شاركت فيها ...

خلال الأسابيع الأخيرة شهدت ليبيا تصاعداً غير مسبوق في حملات التحريض ضدّ المهاجرين واللاجئين.

لم تعد المسألة تقتصر على منشورات غاضبة هنا أو مقاطع فيديو عنصرية هناك، بل تحوّلت إلى موجة واسعة شاركت فيها شخصيات عامة وصنّاع محتوى ووسائل إعلام وجهات رسمية، ترافقها دعوات إلى طرد المهاجرين وإغلاق المنظّمات الإنسانية، ووقف عمل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وسط خطاب مُتزايد عن" التوطين" و" التغيير الديمغرافي".

في خضم هذه الحملة، صار من السهل أن يعتقد المرء أنّ المهاجرين هم المشكلة الأكبر التي تواجه ليبيا اليوم، وأنّ العامل السوداني أو التشادي الذي يبحث عن فرصة عمل أصبح خطراً يفوق الفساد المُستشري، والانقسام السياسي، والمليشيات المُتناحرة، والانهيار المُزمن للخدمات العامة والفشل الكامل لمؤسّسات الدولة.

ربّما لهذا السبب لا يُثير قلقي حجم الكراهية الموجّهة ضدّ المهاجرين بقدر ما يثير قلقي الاتجاه الذي تسلكه هذه الكراهية.

فحين يبدأ مجتمع غاضب ومُحبط بتوجيه غضبه نحو الفئة الأضعف فيه، يصبح من الضروري أن نسأل: كيف أصبح المهاجر عدو ليبيا المُفضّل؟تحوّل المهاجر في الخطاب العام الليبي بصورته النمطية إلى شماعة جاهزة لكلّ مشكلة تقريباًخلال السنوات الماضية تحوّل المهاجر في الخطاب العام الليبي بصورته النمطية إلى شماعة جاهزة لكلّ مشكلة تقريباً.

المخدرات تُلصق بالمهاجرين، والجريمة تُلصق بالمهاجرين، والأمراض والبطالة وحتى تدهور الأوضاع الأمنية تُلصق بالمهاجرين.

وكأنّ المليشيات المُتناحرة والفساد الذي التهم الدولة والانقسام السياسي والاقتصاد الريعي وانتشار السلاح والتصحّر المؤسساتي، كلّها تفاصيل هامشية أمام عامل جاء يبحث عن لقمة عيش.

ما يحصل ليس مصادفة.

فعندما تفشل السلطات في تقديم حلول حقيقية للناس، وعندما تريد التهرّب من مسؤولياتها، تُسارع دائماً إلى اختراع عدو أضعف يمكن تحميله المسؤولية.

إنّها لعبة مكشوفة تمارسها السلطات المُتنافسة في شرق البلاد وغربها، وغالباً ما تشارك في إنتاج سردية شيطنة المهاجرين والاستفادة منها.

فكلّما ارتفعت الأسعار، أو تردّت الأوضاع المعيشية أو تعرقلت الخدمات، أو تفاقمت الأزمات السياسية، عاد ملف الهجرة فجأة إلى الواجهة من حيث لا ندري.

تتحوّل الكاميرات نحو المهاجرين وتبدأ الحملات الأمنية والاستعراضات الإعلامية، وتُختزل مشكلات ليبيا في وجود عمال أفارقة في الشوارع.

عندما تفشل السلطات في تقديم حلول حقيقية للناس، وعندما تريد التهرّب من مسؤولياتها، تُسارع دائماً إلى اختراع عدو أضعف يمكن تحميله المسؤوليةلكن نجاح هذه الدعاية لا يعتمد على السلطة وحدها.

فلكي تتحوّل الأكاذيب إلى قناعات شعبية، لا بُدّ من وجود بيئة اجتماعية حاضنة ومستعدّة لتلقيها وإعادة إنتاجها وترويجها.

في بلد منكوب مثل ليبيا، اعتاد الناس فيه رؤية التعذيب والاختفاء القسري والحروب والانتهاكات بشكل يومي، ومن دون محاسبة، ليس مستغرباً أن يصبح العنف ضدّ المهاجرين أمراً عادياً أيضاً.

فعندما يجري تطبيع العنف ضدّ فئة معينة، يصبح من السهل توسيع الدائرة لتشمل فئات أخرى، حتى يتحوّل ذلك إلى ثقافة سائدة تجعل من إذلال الإنسان أمراً مقبولاً ما دام أنّه أضعف منك.

ربّما لهذا السبب تحديداً، يبدو المجتمع الذي يكرّر باستمرار أنّه مجتمع محافظ وكريم ومُتديّن ومضياف، غير حريص كثيراً على تطبيق هذه القيم عندما يتعلّق الأمر بالمهاجرين.

نحن نحبّ الحديث عن إكرام الضيف، لكنّنا ننسى أنّ كثيراً من هؤلاء لم يأتوا للسياحة أصلاً.

فقد وصل أغلبهم بعد أن دفعتهم الحروب أو الفقر أو القمع إلى الرحيل.

ننسى أنّ كثيراً من هؤلاء لم يأتوا للسياحة أصلاً.

فقد وصل أغلبهم بعد أن دفعتهم الحروب أو الفقر أو القمع إلى الرحيلقبل أن تشتم مُهاجراً أو تطالبه بالرحيل، فكّر للحظة في طول الطريق الذي أوصله إلى هنا.

فكّر في الصحراء القاحلة التي عبرها.

في المهرّبين وتجّار البشر المُجرمين الذين استغلوه، والذين يجدر بك لومهم.

في مراكز الاحتجاز المروّعة التي قد يكون سُجن فيها.

في التعذيب أو الابتزاز أو الاستغلال الذي ربّما تعرّض له.

كثير من هؤلاء عاشوا من الأهوال ما يكفي لعدّة أعمار فوق أعمارهم.

أقول هذا أيضاً انطلاقاً من تجربة شخصية، كوني أعيش مُهاجراً منذ أكثر من عقد من الزمن.

أعرف جيداً معنى أن تضطر إلى حزم حقائبك والرحيل، وأن تعيش بعيداً عن مسقط رأسك.

أعرف معنى أن تكون غريباً وسط وجوه لا تعرفها، وثقافة لم تنشأ فيها، وربّما لغة لم تعتد عليها.

أحياناً تكفي ابتسامة من شخص عابر لتجعل يومك أفضل، وأحياناً تكفي نظرة أو كلمة لتُذكّرك بأنّك في مكان ليس مكانك.

لهذا أجد قدراً كبيراً من السخرية في رؤية بعض الليبيين المُهاجرين في أوروبا وبريطانيا وهم ينشرون يومياً منشورات تطالب بطرد المهاجرين من ليبيا، وفي الوقت ذاته يشتكون من سياسات الهجرة المُتشدّدة في البلدان التي يعيشون فيها، ثم يطالبون بتطبيق ما هو أكثر قسوة على أشخاص يعيشون الظروف نفسها التي مرّوا بها.

النقاش الحقيقي لا يتعلّق بالمهاجرين أصلاً، بل بثقافة تبحث دائماً عن ضحية جديدة تحملها أوزار فشلها وأزماتها وعقدها واضطراباتهاالسخرية تصبح أكبر عندما نستمع إلى من يردّدون، عن غير وعي، الحديث عن التوطين ويحوّلون هذه الفزاعة إلى تفسير جاهز لكلّ شيء.

فجأة أصبح الجميع خبراء في الديمغرافيا، يتحدّثون عن مؤامرات عالمية لتغيير هُويّة ليبيا واستبدال سكّانها، رغم أنّ معظم من يردّدون هذه المصطلحات لا يعرفون حتى معناها.

الواقع أنّ ليبيا اليوم ليست وجهة يحلم الناس بالاستقرار فيها، فهي بلد يعيش أزمة مُزمنة مُستمرّة منذ أكثر من عقد، ولا تلوح في الأفق نهاية قريبة لها.

ومع ذلك يجري تصويرها وكأنّها الهدف النهائي لمؤامرة ديمغرافية كونية.

أمّا الحديث عن" حماية العادات والتقاليد" فيبدو غريباً بدوره، لأنّ العادات والتقاليد ليست قطعاً أثرية محفوظة داخل متحف، فكلّ ثقافة في العالم هي نتاج تفاعل مستمر بين البشر والهجرات والتجارة والحروب والأفكار.

وهذا ما حدث دائماً وسيستمر في الحدوث مهما قاومناه.

إنها ليست أزمة حدود أو قوانين أو تشريعات فحسب، بل أزمة هوية وثقة بالنفسفي جوهر الأمر، تكشف موجة الكراهية المُستمرّة والمُتصاعدة ضدّ المهاجرين في ليبيا عن أزمة أعمق من ملف الهجرة نفسه.

إنّها ليست أزمة حدود أو قوانين أو تشريعات فحسب، بل أزمة هوية وثقة بالنفس.

فالمجتمع الواثق بنفسه لا يخاف من وجود المُختلف، ولا يرى في كلّ غريب مشروع تهديد.

أمّا المجتمعات المُضطربة في حاضرها والقلقة بشأن مستقبلها فتميل إلى البحث عن أعداء في كلّ اتجاه.

نحن أفارقة.

أصلنا من أفريقيا ونعيش في أفريقيا.

ونتعامل أحياناً مع الأفارقة القادمين إلينا وكأنّهم غرباء عن القارة نفسها.

وهذه المفارقة تكشف عن أزمة الهوية الليبية أكثر مما تكشف أيّ شيء آخر.

وربما في نهاية المطاف ما يُثير استغرابنا ليس ما يقوله الكبار، بل ما يتعلّمه الأطفال وهم يشاهدون كلّ ذلك.

فالطفل لا يولد وهو يكره شخصاً بسبب لونه أو جنسيته أو عرقه، بل يتعلّم ذلك من محيطه.

وحين يصبح رجم إنسان بالحجارة مشهداً مضحكاً أمام الكاميرا، فالمشكلة لم تعد في الجاني أو الضحية، بل في مجتمع بدأ يفقد قدرته على رؤية إنسانية الآخرين.

لهذا لا يتعلّق النقاش الحقيقي بالمهاجرين أصلاً، بل بثقافة تبحث دائماً عن ضحية جديدة تحمّلها أوزار فشلها وأزماتها وعقدها واضطراباتها.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك