عثرت طفلة بالخطأ على حرز مدفون في حديقة المنزل.
دبّ الذعر بين نساء العائلة وانتقل للرجال.
" هذا سبب كلّ نحس ألمّ بنا"، قالوا.
استفتوا الشيوخ فأفتوهم: " يُرمى الحرز في البحر، أمّا المنزل وحديقته فلهما البخور وتلاوة القرآن والملح".
وهي تقرأ المعوّذتين، رمت الجدّة الحرز في البحر، ورشّت الملح حول الحديقة وعند عتبات المنزل، حيث يمكن للرجس والحسد أن يعبرا.
لماذا الملح؟ لأنّه مطهّر ناجع وطارد للشرور.
ولماذا البحر؟ لأنّه مالح.
اعتنى ملح البحر بأمر الحرز، وسواء كان من البحر أو الصخر أو أيّ مصدر، يعتني الملح دوماً بآلامنا وموائدنا وأمان قلوبنا قبل بيوتنا.
جملة في أسطورة غابرة جعلها شكسبير بشهرة تعاليم الرسل: " أحبّكَ كما يحبّ اللحمُ الحيّ الملحَ"، قالت كورديليا لوالدها الملك لير.
الابنة هي اللحم، والأب هو الملح.
غضب الملك وطرد لحمه الحيّ.
سُفكت دماء كثيرة قبل أن يعرف أنّ حبّ كورديليا له هو الحبّ الأصدق.
لا الحبّ ولا فهمه يأتيان في أوانهما.
يعتني الملح دوماً بآلامنا وموائدنا وأمان قلوبنا قبل بيوتناخلّد الشاعر الأسطورة: " الملح محبوبنا".
وجود الملح على طاولة الطعام، في أقبية المؤونة، في مخازن المشافي (محلول ملحي)، حول البيوت والعتبات، أمانٌ ثمين.
ليس مبعث هذا الأمان دينيّاً وعقائديّاً فقط، بل يتخطّاه.
أحرق الكهنة الأقدمون الملح في المعابد واحتفوا بصوت الطقطقة الصادر عنه، صوت احتراق الشرور والدنس، واستعمل الفراعنة الملح في التحنيط والطريق إلى العالم الآخر، كما حفِظ الأسلاف به البذور واللحم (المقدّد) وكبسوه على الجروح للتعقيم والشفاء، وثّقوا أقوى عقود التعاضد عبر تغميس الخبز بالملح، وتقاضى جنود الرومان أجورهم حفنات ملح (sal/salt، ومنها أتى اسم salary أي أجر)، أمّا عيسى المسيح فقال لأتباعه" أنتم ملح الأرض"، مصلحوها ومطهّروها، لكن الأمان الذي يغمرنا الملح به يعود إلى لحظة تسبق خروجنا إلى الحياة، لحظة الإخصاب التي ما كانت لتحدث من دون الأملاح الموجودة في البويضة والمنيّ وفي مياه الرحم التي سيسبح فيها الجنين وينمو.
نحن البشر مالحون.
دموعنا مالحة، عرقنا، بولنا، دماؤنا.
يحتفظ جسمٌ يزِنُ 50 كيلوغراماً ب 200 غرام أملاح، ويتخلّص ممّا يفيض.
لعلّها النسبة المناسبة لئلا تفسد أجسادنا.
4 غرامات لكلّ كيلو.
مقدار الحبّ الذي نحتاجه للتطهّر ومكافحة التعفّن والتخثّر.
الملح حيلة لنصف خلود، للتحايل على الوقت، وتجميد الزمن.
كانت الأغذية تجمّد بالملح قبل اختراع الكهرباء والثلاجات.
" أحلى الطعام هو الملح" قالت ابنة ملك آخر، وفي نهاية القصّة سيستحقّ كلّ من يحتقر الملح العقوبة.
لهذا ربما قالت لي امرأة ذات يوم حين أوقعتُ ما في المملحة: " أعيدي الملح.
إذا رميته في القمامة سيسلبك الله رموش عينيك".
أن نعيش من دون رموش يعني الكثير من الدموع، وملح الدموع سيكون بمثابة تكفير عمّا أهدرناه.
لكنّنا لم نحتج إلى التهديد لتقدير الملح، طالما بجّلناه، حتّى أنّ الطهاة يضيفونه للحلوى! وبينما يعلّلون الأمر بتوازن النكهات، أظنّهم يضمرون تعويذة لنجاح أطباقهم وللتبارك.
يكافح عمّال الإغاثة القلائل في المجاعات والحصار لإيصال الأمصال والمحلول الملحيّ، ويشرب من لم تصل إليهم الإغاثة مياه البحر يأساً من النجاة.
منذ أشهر قليلة فعل أهل غزة هذا.
يئسوا وشربوا مياه البحر.
يقال لمن لا يهمّنا أمر حياته من موته: " اشرب من البحر"، وإذ ينتظرنا مصير غزّة أسمع العالم يقول لنا" اشربوا من البحر".
لا يجدر بإنسان أن يشرب مياه البحر، ولا لكلّ هذا الظلم أن يحدث.
نحتاج فقط إلى 5 غرامات من الملح يومياً.
الكمّيّات الكبيرة للحفظ من الشرور والتلف والتعفّن ولدرء المجاعات وحفظ الأمن الغذائي.
تكفينا رشّة بسيطة.
ولتبقَ المياه المالحة لتعقيم اللثة حين تخسر أسنان الحليب وأضراس العقل، للغرغرة حين يلتهب الحلق.
نحتاج إلى ذاك المقدار من حبّ كورديليا لوالدها، من حبّ اللحم للملح، ونحتاج إلى رشّة ملح فوق لحمٍ لا يكون لحمنا، ولا تكون حياتنا حفل شواء بشريّ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك