تتجاوز دلالات تمسك اليمنيين بالأطعمة التراثية، ومن بينها الزربيان، الجانب المادي، إذ يظهر إصرارهم على مقاومة الظروف، ومحاولتهم الحفاظ على لحظات فرح في مجتمع أنهكته الحرب.
استقبلت مدينة عدن جنوبي اليمن عبر تاريخها بحارة قدِموا من مشارق الأرض ومغاربها، باعتبار أن خليجها يربط قارات العالم، واستقبلت أيضاً ثقافات وعادات اجتماعية تنوّعت بين الملابس والأغاني والأهازيج، وصولاً إلى الطعام، وقد حمل بحارة قدِموا من الهند قبل نحو قرنين وجبة الزربيان إلى عدن، ثم تطورت وتأصلت في مطاعم العدنيين ومنازلهم.
ويُصنَع الزربيان من الأرز البسمتي والبهارات العطرية واللحم أو الدجاج، وهو أكثر من وجبة طعام، بل أيقونة لا تكتمل زيارة شخص لعدن إلا بتذوقها على وقع هدير أمواج شواطئها.
وقد امتد الانتشار إلى باقي محافظات اليمن، كما حملها اليمنيون معهم إلى دول الخليج العربي، ومصر، وصولاً إلى أوروبا وأميركا.
يعتبر جمال محمد إسماعيل، وهو مدير سلسلة مطاعم في تعز، أحد أبرز من يحافظون على إرث وجبة الزربيان ومذاقها الفريد، وتشهد مطاعمه ازدحاماً لافتاً خلال ساعات الظهيرة.
ويقول لـ" العربي الجديد: " يكمن سر شهرة الزربيان في التوازن الدقيق بين البساطة والغنى، فطبقات الأرز البسمتي مع اللحم أو الدجاج، والبهارات الحارة مع الزبادي والبطاطس، تخلق توليفة فريدة تجمع بين الدسامة والنكهة القوية".
يضيف: " انطلقت الوجبة من عدن باعتبارها طعاماً للملوك والتجار والبحارة، ثم سافرت مع المغتربين واستقرت في تعز ومدن أخرى، وأحبها اليمنيون لأنها تختزل الأصالة والشبع في طبق واحد، وتستحضر دفء لمّات العائلة، وسرّ اللذة في البهارات العدنية الفريدة، وطريقة الطبخ البطيئة على نار هادئة، حيث تتشرب كل حبة أرز العبق الفاخر الذي لا يُخطئه متذوق".
تعود جذور تسمية الزربيان إلى اللغة الفارسية، والاسم مركب من" زر" التي تعني الذهب، و" بيان" أو" بريان" التي تعني المقلي أو المحمَّر.
وهكذا يُصبح الزربيان هو" الذهب المحمر" حرفياً، وهذا وصف بصري دقيق يختصر فلسفة الطبق وطريقة إعداده، إذ يكتسي الأرز بلون الزعفران الذهبي، وتتعانق حباته مع البصل المقلي الذي يمنحه لوناً غنياً.
وليس تقاطع الأصل الفارسي مع جذور البرياني الهندي مجرد صدفة لغوية، بل يشهد على النسيج الثقافي المتنوع لمدينة عدن التي كانت حاضنة تستضيف الثقافات وتصهرها في بوتقتها الخاصة.
ومع مرور الزمن تغلغلت التسمية في الوجدان العدني، واكتسبت صبغة محلية، حيث استبدل العدنيون حرفية اللغة بفنية المذاق، وسر الطبخ.
تبدأ طقوس إعداد الزربيان بانتقاء لحوم طازجة تُتبل بعناية في مزيجٍ غني من الزبادي والثوم والزنجبيل، مع إضافة" البصل المحمّر"، السر الجوهري، إذ يُقلى حتى يكتسي لوناً بنياً ذهبياً، ثم يُطحن نصفه ليُدمج باللحم والبهارات العطرية، مثل الهيل والقرفة والقرنفل، ما يمنحه نكهة عميقة ولوناً غنياً يغلف كل قطعة، ويمهد لعملية طهيٍ بطيئة تضمن تشبع اللحم بالتتبيلة.
وبالتزامن مع نضج اللحم، يُسلق أرز البسمتي حتى نصف الاستواء، ثم يبدأ فن" التدميس"، حيث يُفرش الأرز فوق اللحم في قدرٍ عميق، وتُنثر عليه خيوط الزعفران المذاب في ماء الورد أو الحليب، مع ما تبقى من البصل المحمّر لإضفاء تباين لوني فاتح للشهية.
ويُغلق القدر بإحكام ويُترك على نار هادئة أو في الفرن ليتشرب الأرز بخار اللحم وتوابله ببطء، ما يمنح كل حبة قواماً متماسكاً ونكهة فريدة.
ويتطلب إعداد الزربيان مهارة عالية في التحكم بالنار، وصبراً طويلاً، فهو طبق الجمعات الذي يتطلب تناغماً دقيقاً بين المكونات وهدوءاً من الطباخ.
وعند لحظة تقديمه، يُقلب القدر في صينية كبيرة لتتجلى لوحة بصرية من اللحم المحمّر المزدان بحبات الأرز الملونة.
ولا تكتمل هذه الطقوس إلا بوجود" السحاوق" العدني وسلطة الزبادي بالخيار اللذين يضفيان على المائدة توازناً منعشاً يعكس كرم الضيافة وعراقة المطبخ العدني.
بعيداً عن المطاعم، يظل الزربيان روح البيت العدني.
وتتحدث أم آسر، وهي ربة بيت، لـ" العربي الجديد" عن أن" إتقان هذا الطبق يُعد مهارة أساسية للمرأة العدنية، فهو الوجبة الرئيسة التي تفتتح بها المناسبات الاجتماعية، ورمز أصيل لكرم الضيافة".
تتابع: " تتعلم الفتيات في عدن أسرار الزربيان في سن مبكرة، وتتطلب براعة خاصة في انتقاء البهارات العطرية وموازنة المقادير بدقة والتحكم في تفاصيل خطوات الإعداد التي توارثتها الأجيال".
ويقول الباحث في التراث سعيد قباطي لـ" العربي الجديد": " لم يدخل الزربيان عدن سلعةً تجارية تقليدية، بل تسلل ضمن المنظومة الثقافية التي حملها البحارة، والذين نقلوا معهم طرق إعداد وجباتهم الخاصة التي لاقت استحسان أبناء عدن بسبب شغفهم بالبهارات العطرية التي تُعد مكوّناً رئيساً في الزربيان، ثم أضافوا لمساتهم الخاصة إلى الطبق، من خلال إضافة مكونات مثل الزبادي والبطاطس، واعتماد التدميس والتبخير".
وخلال سنوات الحرب التي شهدها اليمن، واجه السكان تحديات اقتصادية ومعيشية أثّرت بعمق في تفاصيل حياتهم اليومية، ومن بينها العادات الغذائية، ومع الارتفاع الملحوظ في أسعار المكونات الأساسية، مثل اللحوم والأرز والبهارات، أصبح إعداد الأطباق التراثية الغنية، وعلى رأسها" الزربيان العدني"، تحدياً للأسر محدودة الدخل.
ورغم هذه الضغوط، ظل الزربيان حاضراً بقوة في المشهد الغذائي اليمني، وابتكرت عائلات حلولاً بديلة، مثل تقليل الكميات أو استبدال مكونات للحفاظ على استمرار الطبق باعتباره جزءاً لا يتجزأ من طقوس المناسبات والتقاليد المهمة.
ولا تتوقف التحديات عند مشقة الإعداد، بل تطاول جودة المكونات في ظل تضخم الأسعار، إذ دفع البحث عن الربح السريع بعض المطاعم إلى استبدال البهارات العطرية الأصلية التي كانت تُجلب خصيصاً من موانئ الشرق، ببدائل تجارية أو بهارات مطحونة مسبقاً، ما أفقد الطبق عبقه الذي كان يملأ أرجاء البيت.
كذلك إن غياب الزعفران والاستعاضة عنه بملونات غذائية أو التقليل من جودة اللحم البلدي الطازج واعتماد بدائل أقل تكلفة، جعل من الصعب على الجيل الجديد تذوق طعم الزربيان الأصيل السابق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك