تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، ذكرى نياحة القديس الأنبا أبرآم، أحد أبرز الشخصيات الروحية في تاريخ الكنيسة القبطية، والذي ارتبط اسمه بالعطاء للفقراء وخدمة المحتاجين حتى عُرف بين أبناء عصره بلقب «أبو الفقراء والمساكين».
وتعود سيرة الأنبا أبرآم إلى عام 1829، حين وُلد باسم بولس في عزبة جلدة التابعة لمركز ملوي بمحافظة المنيا، ونشأ في أسرة مسيحية تقية حرصت على تعليمه مبادئ الدين والعلوم الكنسية منذ صغره.
ومع بروز نبوغه بين أقرانه، رُسم شماسًا على كنيسة بلدته، قبل أن تتجه ميوله نحو حياة الرهبنة، فالتحق بـ دير المحرق حيث رُسم راهبًا باسم بولس غبريال المحرقي وهو في التاسعة عشرة من عمره.
واشتهر الراهب الشاب بالوداعة والتواضع وكثرة الصلاة والانفراد بالعبادة، ما أكسبه محبة الرهبان واحترام القيادات الكنسية.
وبعد سنوات من الخدمة، اختاره رهبان دير المحرق رئيسًا لهم عقب وفاة رئيس الدير، ليتولى مسؤولية واحدة من أهم المؤسسات الرهبانية في ذلك الوقت.
وخلال فترة رئاسته للدير، تحوّل المكان إلى ملجأ لآلاف الفقراء والمحتاجين، حيث كرّس جهوده لخدمتهم وتقديم الدعم لهم، إلى جانب العمل على تطوير الدير وتحسين أوضاعه الروحية والاقتصادية.
إلا أن إنفاقه الواسع على الأعمال الخيرية أثار اعتراض بعض الرهبان الذين اعتبروا ذلك إسرافًا، ما أدى إلى عزله من رئاسة الدير لفترة، قبل أن يغادر إلى دير البراموس حيث واصل حياته في التعليم والصلاة ودراسة الكتاب المقدس.
وفي عام 1881، اختاره البابا كيرلس الخامس أسقفًا على إيبارشية الفيوم والجيزة، ورُسم باسم الأنبا أبرآم، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته أصبحت خلالها الأسقفية مقصدًا للفقراء والمحتاجين من مختلف المناطق.
وعُرف الأنبا أبرآم بسخائه اللافت، إذ كان يمنح المحتاجين ما يتوافر لديه من أموال، ويفتح أبواب دار الأسقفية لاستقبالهم وإيوائهم، كما كان يحرص على ألا يتمتع بأي امتياز في الطعام أو المعيشة يفوق ما يُقدَّم للفقراء.
وتروي المصادر الكنسية أنه غضب ذات مرة عندما اكتشف أن الطعام الذي قُدم له أفضل من الطعام المقدم للمحتاجين، معتبرًا أن الجميع يجب أن يحظوا بالمعاملة نفسها.
كما ذاع صيته بسبب ما نُسب إليه من آيات شفاء كثيرة، حيث كان المرضى يتوافدون عليه من مختلف المحافظات، بل ومن خارج مصر أيضًا، طالبين بركته وصلواته، وهو ما جعل اسمه يتجاوز حدود الفيوم ليصبح معروفًا في أوساط واسعة داخل مصر وخارجها.
وإلى جانب خدمته الاجتماعية والروحية، عُرف الأنبا أبرآم بعلمه الواسع بالكتاب المقدس، وحرصه على تقديم النصح والإرشاد لزواره، فضلًا عن زهده الشديد وإنكاره لذاته.
وقد رفض الترقية إلى رتبة المطران مفضلًا البقاء في خدمة الأسقفية، كما اشتهر بصراحته في إبداء الرأي وتمسكه بما يراه حقًا دون النظر إلى مكانة أو نفوذ أصحاب المناصب.
وفي 10 يونيو 1914، الموافق 3 بؤونة سنة 1630 للشهداء، تنيح الأنبا أبرآم بعد مسيرة طويلة من الخدمة والعطاء.
وشهدت جنازته حضورًا استثنائيًا، حيث شارك في تشييعه أكثر من عشرة آلاف شخص من المسلمين والمسيحيين، في مشهد عكس المكانة الكبيرة التي احتلها في قلوب أبناء الفيوم وسائر محبيه.
ولا تزال ذكرى الأنبا أبرآم حاضرة بقوة داخل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بوصفه نموذجًا للخادم الزاهد الذي جعل من خدمة الفقراء والمحتاجين رسالة حياة، وترك إرثًا روحيًا وإنسانيًا ممتدًا لأكثر من قرن على رحيله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك