تشهد الساحة الباكستانية تصاعداً في الخلافات بين المؤسسة الدينية والمؤسسة العسكرية، على خلفية السياسات المتبعة في التعامل مع أفغانستان، والتدهور المستمر في العلاقات بين كابول وإسلام أباد.
وفي حين تؤكد المؤسسة العسكرية أن ما تشهده باكستان من أعمال العنف سببه وجود مخابئ للمسلحين على أرض أفغانستان، تؤكد المدرسة الدينية أن جذور المشكلة وحلها داخل باكستان وليس في أفغانستان.
لكن أفغانستان لا تبدو السبب الوحيد للخلاف، إذ يربط مراقبون بين تصاعد الخلافات ومحاولة المؤسسة العسكرية ضبط المدارس الدينية.
ونفّذت طائرات حربية تابعة لسلاح الجو الباكستاني غارات على مديرية سبيره في ولاية خوست جنوبي أفغانستان، ما أوقع 13 قتيلاً، وأدّى إلى 14 إصابة.
كذلك تحدثت مصادر محلية عن وقوع غارات مماثلة في ولاية بكتيكا المجاورة لخوست، وولاية كنر شرقي أفغانستان.
وقال المتحدث باسم الحكومة الأفغانية، ذبيح الله مجاهد، أمس الأربعاء، على منصة إكس: " انتهك الجيش الباكستاني المجال الجوي الأفغاني مجدداً، وقصف منازل مدنية في ولايات كونار وخوست وباكتيكا.
ونتيجة لهذه الهجمات، قتل 11 طفلاً وامرأة واحدة، بالإضافة إلى رجل مسنّ، فضلاً عن إصابة 14 شخصاً.
في المقابل، أعلنت الحكومة الباكستانية مقتل 26" مسلحاً" في الضربات.
وكتب وزير الإعلام الباكستاني عطا الله تارار، على منصة إكس أمس الأربعاء: " في أعقاب الحوادث الإرهابية الأخيرة في باكستان، نُفّذت ضربات دقيقة ومحسوبة على طول المناطق الحدودية بين باكستان وأفغانستان، حيث استُهدفت مخابئ وملاذات آمنة"، زاعماً مقتل 26 مسلحاً مرتبطين بحركة طالبان باكستان.
وتُعدّ هذه الضربات الأكثر دموية منذ أسابيع، وتأتي في أعقاب فترة من الهدوء النسبي على الحدود منذ اندلاع الحرب بين البلدين أواخر فبراير/شباط الماضي.
وعادت الخلافات بين المؤسستين إلى الواجهة بعد تصريحات الزعيم الديني المولوي فضل الرحمن، الذي يترأس جمعية علماء الإسلام، أكبر الأحزاب الدينية في البلاد، إذ وجه انتقادات شديدة إلى تعامل المؤسسة العسكرية مع الملف الأمني الداخلي.
وقال الزعيم الديني، في خطاب أمام مهرجان شعبي في إقليم بلوشستان في 7 يونيو/حزيران الحالي، إن سلاح الجو الباكستاني يقصف أفغانستان بحجة أن هناك مراكز المسلحين.
وأضاف: " أقول لهم إن المسلحين سيطروا على مراكز وثكنات الجيش في العمق الباكستاني، ودكوا مقرات الجيش المحصنة في بنو وديرة إسماعيل خان، ومناطق أخرى في شمال وجنوب غرب باكستان.
لكن العجيب أن الجيش لا يرى كل ذلك، لكنه يرى المسلحين ومراكزهم في أفغانستان وعلى بعد مئات الأميال في أفغانستان، ما أعجب هذا المنطق، وما أضعفه! ".
وخاطب فضل الرحمن صنّاع القرار في باكستان، وخص بالذكر المؤسسة العسكرية، قائلاً: " إني أقول لكم بكل صدق إن ما تقومون به لمصلحة أجندات أجنبية.
أنتم جعلتم كل الجيران أعداءً لبلادنا، الهند عدوة، أفغانستان عدوة، جعلتم باكستان محاصرة من كل الأطراف، أي سياسة هذه؟ ".
وعن عمليات الجيش الباكستاني الحالية ضد المسلحين في شمال وجنوب غرب باكستان، قال الزعيم الديني إن الجيش يقوم بالعمليات منذ سنوات طويلة، و" لا جدوى منها.
إنها تزيد أعداء البلاد ولا تأتي بخير.
من هنا ثمة حاجة ملحة لتغيير السياسات، ووضعها في إطار المصالح الوطنية وليس مصالح القوى الدولية".
استياء من المؤسسة العسكريةذيشان الرحمن: غالبية الشرائح الباكستانية مستاءة مما تقوم به المؤسسة العسكريةوبرأي المحلل الأمني الباكستاني ذيشان الرحمن، الذي تحدث لـ" العربي الجديد"، فإنه ليست فقط المؤسسة الدينية، بل غالبية الشرائح الباكستانية، مستاءة مما تقوم به المؤسسة العسكرية.
وأضاف: " كما أنني واثق بوجود انزعاج شديد داخل المؤسسة العسكرية أيضاً بسبب تلك السياسات، لأنها تشكل خطراً على وجود بلادنا".
وأضاف: " تلك السياسات جعلت أفغانستان عدوة لنا.
من دون أي مبرر بدأ الجيش يقصف أفغانستان، وكأنه بحاجة إلى خلق عدو إضافي، أو كأنه تولى مسؤولية جعل أفغانستان عدوة لباكستان".
ولفت الرحمن إلى أنه" في باكستان توجد قرابة 30 ألف مدرسة (دينية).
تلك المدارس لها ولاء ديني وفكري وأيديولوجي للحكومة الأفغانية (وزراء الحكومة تخرجوا من تلك المدارس أو مثلها)، وبالتالي هم لا يريدون أن تقصفهم المؤسسة العسكرية الباكستانية، وهناك انزعاج وحزن شديد جداً داخل هذه المدارس، وأخشى أن تنفجر الأمور، وحينها ستصعب جداً عملية السيطرة عليها".
لكن المحلل السياسي سردار خان اعتبر، في حديث مع" العربي الجديد"، أن ما يقوله الزعيم الديني مجرد تصريحات سياسية، لأنه" في هذه الأيام مستاء من المؤسسة العسكرية، وبالتالي يدلي بمثل هذه التصريحات كي يمارس الضغط عليها، ولكن في الأساس الخلاف بين المؤسستين، الدينية والعسكرية، صوري وليس حقيقياً".
وأوضح" أنه لا شك أن هناك ولاء بين المدرسة الدينية في باكستان والمدرسة الدينية في أفغانستان، والأخيرة تحكم البلاد، ولكن هذا الولاء لن يكون فوق الولاء لباكستان، أعني أن حركة طالبان الأفغانية كما تحب بلادها، كذلك حال المدرسة الدينية في بلادنا، فباكستان خطر أحمر بالنسبة لها".
وشدد على أن" مسلحي طالبان الباكستانية، بعضهم طلبة المدارس والجامعات والعامة، وبعضهم الآخر من عامة القبائل وشباب من مختلف المناطق، وبالتالي الزعم بأن المدرسة الدينية ستقف في وجه المؤسسة العسكرية زائف".
النزاع حول ضبط المدارس الدينية في باكستانبالإضافة إلى ملف أفغانستان، تسببت محاولة المؤسسة العسكرية ضبط المدارس الدينية في زيادة الفجوة بين المؤسستين العسكرية والدينية في باكستان، فالمؤسسة العسكرية الباكستانية (الحكومة في الواجهة وفي الأصل المؤسسة العسكرية) تسعى إلى أن تضبط المدارس وأن تكون كلها تحت سيطرتها، وليس المدارس فقط، بل المساجد أيضاً، وهي تحاول إغلاق كل المدارس التي ليست لديها تراخيص عمل.
كما تسعى إلى أن تعد المنهاج الخاص بها، وهو ما يرفضه اتحاد المدارس المعروف بـ" وفاق المدارس".
أيضاً لجأت الحكومة والمؤسسة العسكرية إلى إنشاء اتحادات لتساعدها في ضبط المدارس ووضع المناهج لها.
وقد أعلنت تلك الاتحادات دعماً صريحاً لسياسات الحكومة والمؤسسة العسكرية.
ويترأس تلك الجهود اتحاد جامعة الرشيد في مدينة كراتشي، التي يديرها العالم المقرب من المؤسسة العسكرية المفتي عبد الرحيم.
ولكن تلك الجهود فشلت لأن" وفاق المدارس" الذي يديره أنصار المولوي فضل الرحمن يملك القوة والنفوذ، ومدعوم من الأحزاب الدينية.
نويد صديقي: المشكلة الأساسية في باكستان هي أن المدارس الدينية غير منضبطةوبرأي الإعلامي الباكستاني نويد صديقي، الذي تحدث لـ" العربي الجديد"، فإن المشكلة الأساسية في باكستان هي أن المدارس الدينية غير منضبطة، معتبراً أن الحكومة تسعى لضبطها بينما فضل الرحمن يعارض ذلك، ويريد أن تقوم الحكومة والجهات المعنية بتسجيل المدارس بالتنسيق مع" وفاق المدارس" وبشروطه، و" هم لا يريدون أن تكون المدارس الدينية كلها تحت يد السلطات الأمنية، وهو ما أدى إلى خلق فجوة كبيرة بين الطرفين".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك