وخلال حديثين منفصلين لـ" رادار" على سكاي نيوز عربية، قدم كبير الباحثين في المجلس الأطلسي سمير التقي والخبير في الشؤون الإيرانية فراس إلياس قراءتين متقاطعتين لطبيعة الأزمة الراهنة، مؤكدين أن المشهد تجاوز مرحلة الخلافات الدبلوماسية التقليدية إلى صراع يتعلق بمستقبل النفوذ والردع في المنطقة.
يرى سمير التقي أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يواجه ضغوطا متراكمة على المستويات الداخلية والخارجية والإقليمية، ما جعل هامش المناورة أمامه أكثر ضيقا من أي وقت مضى.
وقال التقي إن ترامب" يحتاج سياسيا في الداخل، ويحتاج عسكريا في الخارج، ويحتاج استراتيجيا في الإقليم أن يثبت أنه جدير بما يقول"، معتبرا أن التأخير في اتخاذ خطوات حاسمة يعكس إدراكا متزايدا لدى الإدارة الأميركية بأن الوقت لم يعد يعمل لصالحها.
وبحسب التقي، فإن إيران تحاول استثمار هذا الوضع عبر رفع سقف مطالبها وفرض معادلات جديدة على طاولة التفاوض.
وأشار إلى أن طهران تسعى إلى ترسيخ 3 رسائل رئيسية، تتمثل في اعتبار أي ضربة يتعرض لها حزب الله بمثابة ضربة مباشرة لإيران، وإظهار قدرتها على تقييد عمليات الاستطلاع الأميركية قرب سواحلها، وربط أمن الملاحة في مضيق هرمز بمسار المفاوضات الجارية.
هرمز وهيبة الولايات المتحدةوفي تقييمه للمشهد العسكري، شكك التقي في فعالية الحصار البحري المفروض على إيران، مؤكدا أن سفنا عديدة لا تزال تصل إلى الموانئ الإيرانية.
وأشار إلى أن المؤسسة العسكرية الأميركية تنظر إلى القضية من زاوية تتجاوز إدارة الأزمة، لتصل إلى مستوى الحفاظ على هيبة الولايات المتحدة ودورها العالمي.
وأوضح أن استمرار العجز عن ضمان حرية الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم يثير قلقا متزايدا داخل الأوساط العسكرية الأميركية، لافتا إلى وجود نقاشات متصاعدة بشأن تأثير التأجيل المستمر للقرارات الحاسمة على صورة الولايات المتحدة كقوة بحرية كبرى.
ووفقا للتقي، فإن ما كان ينظر إليه سابقا باعتباره مجرد تهديد إيراني تحول اليوم إلى تحد مباشر للمكانة الأميركية، الأمر الذي قد يزيد الضغوط على الإدارة لاتخاذ خطوات أكثر صرامة.
وعلى الجانب الإيراني، يلفت التقي إلى ما وصفه بحالة الاستعصاء الداخلي داخل مؤسسات الحكم الإيرانية.
وأشار إلى تكرار تحذيرات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من مخاطر المرحلة الراهنة، معتبراً أن هذه التصريحات تعكس إدراكا متزايدا لدى قطاعات من النخبة السياسية والبيروقراطية الإيرانية لحجم المخاطر التي قد تواجه البلاد إذا استمر التصعيد الحالي.
ورغم ذلك، يرى التقي أن القرار النهائي لا يزال بيد الحرس الثوري، في ظل وجود تباينات بين الأوساط المرتبطة بالمصالح الاقتصادية داخل المؤسسة العسكرية وبين التيار العقائدي المتشدد.
وأضاف أن واشنطن تبدو وكأنها تراهن على ظهور شخصيات داخل النخبة الإيرانية قادرة على الدفع نحو تسوية أكثر واقعية، إلا أن المؤشرات الحالية لا توحي بقرب حدوث مثل هذا التحول.
مفاوضات وجود لا مفاوضات ملفاتمن جهته، يرى الخبير في الشؤون الإيرانية فراس إلياس أن الأزمة الحالية لا تتعلق بتفاصيل تقنية أو تنازلات محدودة، بل بطبيعة النخبة التي تدير التفاوض من الجانب الإيراني.
وأوضح أن الفريق الذي يقود المفاوضات اليوم يختلف عن ذلك الذي تفاوض على الاتفاق النووي عام 2015، إذ إن النخبة الحالية ذات طابع أمني أكثر من كونها سياسية.
وقال إلياس إن الحرس الثوري ينظر إلى ملفات البرنامج النووي ومضيق هرمز وحزب الله باعتبارها عناصر أساسية في بقاء النظام، وليس مجرد أوراق تفاوضية يمكن التخلي عنها مقابل اتفاق مرحلي.
واعتبر أن هذا الإدراك يفسر حالة الجمود الدبلوماسي الحالية، لأن أي تنازل في هذه الملفات يُنظر إليه داخل طهران على أنه مساس مباشر بأسس النظام الذي تشكل بعد الثورة الإيرانية عام 1979.
وفي توصيفه للمزاج السائد داخل دوائر صنع القرار الإيرانية، قال إلياس إن قناعة متزايدة بدأت تتشكل مفادها أن" الحرب التي تحفظ مقدرات الدولة أفضل من السلام الذي ينزع إيران كل مقدراتها".
وأوضح أن طهران تخشى أن يؤدي أي اتفاق لا يتضمن ضمانات للردع والنفوذ الإقليمي إلى تحويلها إلى دولة معزولة وهشة تفتقد أدوات التأثير في الشرق الأوسط.
كما أشار إلى أن أي اتفاق محتمل مع الولايات المتحدة لن يكون مقتصرا على الملفات النووية أو الأمنية، بل قد يفرض تحولات داخلية عميقة على بنية النظام الإيراني وخطابه السياسي ودور الحرس الثوري.
وفيما يتعلق بحزب الله، اعتبر إلياس أن تمسك إيران بالملف اللبناني يعكس قناعة راسخة لديها بأن نفوذها الإقليمي مرتبط بشكل مباشر ببقاء الحزب لاعباً مؤثراً في المنطقة.
وأضاف أن أي تراجع في هذا الملف قد ينعكس على شبكة الحلفاء المرتبطة بطهران في العراق واليمن، ما يهدد مجمل البنية الإقليمية التي بنتها إيران خلال العقود الماضية.
وبين ضغوط ترامب المتزايدة وحسابات الحرس الثوري المعقدة، تبدو المفاوضات الأميركية الإيرانية عالقة في منطقة رمادية تفصل بين التسوية والمواجهة.
وفي ظل غياب مؤشرات حقيقية على اختراق قريب، يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كان الطرفان قادرين على تجنب الانزلاق إلى صراع أوسع، أم أن المنطقة تتجه بالفعل نحو مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك