حينما كنت صغيرا اعتقدت ان الوجودية تعنى الالحاد نظرا لشهرة وصعود نجم الفرنسى جان بول سارتر آنذاك، لكن تاكد لى فيما بعد ان الوجودية مذهب انسانى يضع الوجود قبل الماهية.
ثم لاننى اكتشفت ان الاب المؤسس للوجودية كان سورين كيركيغارد ( 1813- 1855) الممثل العظيم للوجودية المسيحية.
فالإنسان عنده (يوجد) او يولد أولا ثم يشكل ماهيته وهويته لاحقا من خلال قراراته واختياراته الحرة التى يتحمل مسؤوليتها بالكامل.
وهو فيلسوف لاهوتى ثار على الفلسفة العقلانية والنظم التاريخية ( مثل فلسفة هيغل وتأليهه للتاريخ) ووضع الإنسان الفرد ومشاعره وقراراته فى قلب الفلسفة لان الانسان هو صاحب الحضور المركزي فى هذا العالم وهو الذى يعطى للحياة معناها.
ويعتبر كيركيغارد المؤسس للوجودية المعاصرة قبل هايدغر وسارتر بزمن طويل.
رفض كيركيغارد بشدة تحول الإيمان الى مجرد طقوس اجتماعية وعادات موروثة، وكان ناقدا لاذعا لكنيسة الدولة فى الدنمارك.
قرأت مؤخرا مقالا للقيادى الشيوعى تاج السر عثمان بابو تحت عنوان ” خطر تكريس الانقسام بعقد امتحانين للشهاده السودانية ”، صحيح انه لم يقم بادانة مبادرة حكومة السلام بتنظيمها للامتحانات الشهادة فى كردفان ودارفور، لكنه كان منشغل اكثر بخطورة تكريس تقسيم السودان وربما كان ذلك خوفا مبررا لكننى فقط اشير هنا الى “اثر فأس” فلسفة هيغل على الماركسية اللينينة الى تقوم بتأليه التاريخ والبناءات مثل مفهوم الدولة على حساب الانسان نفسه مع ان البناءات structures مثل الدولة والمجتمع والمؤسسات يحب ان تكون من اجل الانسان، بدلا عن ان تتحول الى أصنام تعبد فى حد ذاتها كى نقوم بتأليهها.
ويبدو ان الاستاذ تاج السر لم يتأمل جيدا دموع الفرح فى أعين الطلاب والطالبات، لانه كان مشغولا بتلك اليناءات وفى هذا واحدا من أخطر عيوب الحداثة الاولى.
فى العام ١٩٨٥ م قام الاب فيليب عباس غبوش رئيس اتحاد جبال النوبة بطلب العفو من نميرى بعد اتهامه بالقيام بانشطة معادية للدولة خاصة معارضته للقوانين سبتمبر ١٩٨٣م وقد كان مشهدا مخزيا اذا ما قارناه بمواقف الراحل يوسف كوة مكى رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان والذى شغل رئيسا لبرلمان اقليم كردفان، فقد كان الرجل ذو مواقف صلبه وكان بالتأكيد الأكثر انضباطا.
المفارقة ان إصدار نميرى قرارا بالعفو عن الاب فيليب وإطلاق سراحه كان قد تزامن وقتها مع رفض الشهيد الاستاذ محمود محمد طه اعلان تراجعه عن معارضته لقوانين سبتمبر ٨٣ معلنا انها جاءت بغرض اذلال المواطن ولا علاقة لها بالاسلام.
الأصالة تعنى تقديم الوجود على الماهية واتخاذ قرارات وتحمل نتائجها، وقد جسد الاستاذ محمود فى حياته ومماته أهمية المسؤولية الفردية.
ان القلق الوجودى يعنى تبنى خيارات فى مواجهة فكرة الموت لانه مصير كل إنسان، ولذلك سمعت ان الرجل كان كثير الخلوة مع نفسه، وانه كان شديد الانضباط well disciplined فى كل شئ ولا عجب فى ذلك لان الانضباط يعنى اننا لا نسعى الى تحقيق ما نريده الان، فقط، ولكننا نسعى ونصبر ونثابر بغرض تحقيق الافضل دائما، والافضل دائما هو تحقيق الغايات والقيم العليا والسامية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك