فرحة المونديال وأحزان غزةتتجه أنظار العالم إلى الشاشات لمتابعة مباريات المونديال، وتتعالى الهتافات في الملاعب والساحات العامة احتفالا بأحد أكبر الأحداث الرياضية التي تجمع الشعوب على اختلاف ثقافاتها ولغاتها.
لكن الصورة في غزة تبدو مختلفة إلى حد يصعب معه استيعاب حجم المفارقة الإنسانية.
ومع انطلاق كأس العالم لكرة القدم، تضيء الألعاب النارية سماء المدن المحتفلة، بينما يعيش مئات الآلاف من سكان قطاع غزة وسط واقع يطغى عليه الدمار والفقر وفقدان أبسط مقومات الحياة، في مشهد يكشف عن فجوة هائلة بين عالم يحتفل وآخر يكافح من أجل البقاء.
باتت اللعبة التي كانت تمثل متنفسا من ضغوط الحصار وصعوبات الحياة ضحية أخرى لواقع فرضته سنوات من الصراع والتصعيدلحظات بعيدة المنال لسكان غزةكأس العالم ليس مجرد بطولة رياضية، بل مناسبة عالمية تذوب فيها الحدود السياسية والثقافية مؤقتا، ويتشارك خلالها الملايين مشاعر الفرح والانتماء والأمل.
غير أن هذه اللحظات التي يفترض أن توحد الإنسانية تبدو بعيدة المنال بالنسبة لسكان غزة، الذين يجدون أنفسهم خارج المشهد العالمي، ليس لغياب شغفهم بكرة القدم، بل لأن أولويات الحياة تغيرت بصورة جذرية، وبات البحث عن الغذاء والمأوى والأمان يتقدم على أي اهتمام آخر مهما بلغت أهميته.
وتزداد قسوة هذه المفارقة عندما نتأمل حال الأطفال الذين يشاهدون أقرانهم في مختلف دول العالم يرتدون قمصان منتخباتهم المفضلة ويحلمون بتقليد نجوم اللعبة في الملاعب والشوارع.
فقد آلاف الأطفال في غزة ملاعبهم ومدارسهم ومساحاتهم الآمنة، ولم تعد كرة القدم بالنسبة لكثير منهم نشاطا يوميا أو وسيلة للترفيه، بل أصبحت جزءا من ذكريات حياة كانت أكثر استقرارا قبل أن تتغير ملامح القطاع بصورة دراماتيكية.
وباتت اللعبة التي كانت تمثل متنفسا من ضغوط الحصار وصعوبات الحياة ضحية أخرى لواقع فرضته سنوات من الصراع والتصعيد.
تراجع الرياضة أمام مشاهد الدمارالحديث عن كرة القدم في غزة لا ينفصل عن الحديث عن المجتمع نفسه.
فقبل الحرب، ورغم التحديات الاقتصادية والسياسية الكبيرة، كانت الرياضة تمثل مساحة للحياة الطبيعية ومجالا يمنح الشباب والأطفال فرصة للهروب المؤقت من ضغوط الواقع.
وكانت الملاعب الشعبية تعج بالحركة، كما كانت المباريات المحلية تحظى باهتمام جماهيري يعكس ارتباط المجتمع بهذه الرياضة.
لكن تلك الصور تراجعت أمام مشاهد الدمار الواسع التي طالت البنية التحتية ومختلف مناحي الحياة، لتتلاشى تدريجيا صور غزة التي عرفها سكانها قبل الحرب.
وأدت المواجهات المتتالية وما ارتبط بها من حسابات سياسية وعسكرية إلى إدخال غزة في دوامة أكثر تعقيدا، انعكست آثارها على مختلف جوانب الحياة اليومية.
وبينما تستمر التداعيات الإنسانية والاقتصادية، يجد السكان أنفسهم أمام واقع أكثر قسوة، تتراجع فيه فرص التنمية وإعادة البناء لصالح أولويات البقاء وتوفير الاحتياجات الأساسية.
وما يجعل المشهد أكثر قسوة أن كأس العالم، الذي يفترض أن يكون مناسبة للاحتفال المشترك، يتحول بالنسبة لكثير من سكان غزة إلى تذكير مؤلم بما فقدوه.
فكل صورة لملاعب حديثة ممتلئة بالجماهير تقابلها في الذاكرة صور لملاعب مدمرة أو مهجورة، وكل احتفال بهدف أو فوز يقابله واقع يومي مثقل بالخسائر والتحديات.
وهنا تتجلى المفارقة الإنسانية بأوضح صورها، إذ يعيش العالم لحظات من الفرح الجماعي، بينما يبقى قطاع كامل منشغلا بتداعيات أزمة لم تنته فصولها بعد.
الواقع القاسي الذي تعيشه -غزة- جعل الفارق شاسعا بين عالم يحتفل بانتصاراته الرياضية وعالم آخر لا يزال يحاول تضميد جراحه واستعادة ما فقده من استقرار وحياة طبيعيةمجتمعات تبحث عن شروط الحياة الأساسيةوربما تكمن الرسالة الأهم في هذا التناقض الصارخ في أن الأحداث العالمية الكبرى لا تعني الجميع بالقدر نفسه.
ففي الوقت الذي تمنح فيه الرياضة ملايين البشر فرصة للاحتفال وتبادل الأمل، هناك مجتمعات لا تزال تبحث أولا عن شروط الحياة الأساسية التي تجعل الاحتفال ممكنا.
وغزة اليوم تمثل أحد أكثر الأمثلة وضوحا على هذه الحقيقة؛ فهي ليست خارج مشهد كأس العالم بسبب غياب الشغف أو الاهتمام، بل لأن الواقع القاسي الذي تعيشه جعل الفارق شاسعا بين عالم يحتفل بانتصاراته الرياضية وعالم آخر لا يزال يحاول تضميد جراحه واستعادة ما فقده من استقرار وحياة طبيعية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك