لو عاد الكواكبي اليوم.
هل كان سيخشى الخوارزميات أكثر من السلطان؟في كل عام، ومع حلول ذكرى وفاة عبد الرحمن الكواكبي (1855-1902)، تمتلئ الصحف والمواقع الإلكترونية باقتباساته عن الحرية والاستبداد.
تنشر صوره، وتستعاد عباراته، ويحتفى به بوصفه أحد أبرز رواد النهضة العربية الحديثة.
لكنني كثيرا ما أتساءل: ماذا لو قرر الكواكبي، في ذكرى وفاته هذا العام، أن يعود إلينا ليوم واحد فقط؟هل كان سيجد في هذا الاحتفاء ما يرضيه؟أم أنه كان سيطلب هاتفا ذكيا، ويفتح حسابا جديدا على إحدى المنصات الرقمية، ثم يراقب بصمت كيف تصنع الآراء، وكيف يدار الانتباه، وكيف تتشكل تصورات الناس عن العالم؟وربما بعد ساعات قليلة كان سيغلق الهاتف، وينظر إلينا مبتسما بسخرية، ويقول: كنت أظن أن معركتي مع الاستبداد قد انتهت، لكن يبدو أن الاستبداد نفسه تعلم استخدام التكنولوجيا.
قد تبدو الصورة ساخرة، لكنها تطرح سؤالا بالغ الجدية.
فالكواكبي الذي نحتفي اليوم بذكراه لم يكن مجرد ناقد للسلطة السياسية، بل كان واحدا من أوائل المفكرين العرب الذين أدركوا أن الاستبداد لا يحكم الناس بالقوة وحدها، بل يسعى إلى تشكيل عقولهم أيضا.
ولهذا لم يكن منشغلا بالحاكم فقط، بل بالعلاقة المعقدة بين السلطة والعقل والمعرفة.
بعض الأفكار تصل إلى ملايين البشر خلال ساعات، بينما تختفي أفكار أخرى في الهامش مهما كانت أهميتهافي كتابه الأشهر" طبائع الاستبداد" كتب عبارته التي ما زالت تتردد حتى اليوم: الاستبداد أصل لكل فساد.
لكن قراءة متأنية للكواكبي تكشف أنه كان يقصد أكثر من فساد السياسة أو الإدارة أو الحكم.
لقد كان يتحدث عن فساد أعمق وأخطر: فساد الوعي نفسه.
من هنا تحديدا تبدأ راهنية الكواكبي.
فإذا كان استبداد الأمس يمنع الإنسان من الكلام، فإن بعض أشكال السلطة في عصرنا تسمح له بالكلام إلى ما لا نهاية، لكنها تشارك في الوقت نفسه في تشكيل انتباهه ووعيه وأدواته المفاهيمية.
ولعل هذا ما يجعل أسئلة الكواكبي أكثر إلحاحا اليوم مما كانت عليه قبل أكثر من قرن.
بل أصبح: من يحكم انتباههم ويشكل وعيهم؟من يملك حق الوصول إلى المجال العام؟حين طرحت المفكرة الهندية غاياتري تشاكرافورتي سبيفاك (1942-) سؤالها الشهير: هل يستطيع التابع أن يتكلم؟لم تكن تناقش القدرة البيولوجية على الكلام، بل كانت تسأل عن شيء أكثر تعقيدا: من يسمح له بأن يسمع؟واليوم، في عصر المنصات الرقمية، يبدو السؤال أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
فالناس جميعا يستطيعون الكتابة والنشر والتعليق، لكن ليس الجميع يملكون القدرة نفسها على الوصول إلى المجال العام.
هنا لا تصبح المشكلة في وجود الأصوات، بل في آليات توزيع الانتباه نفسها.
فبعض الأفكار تصل إلى ملايين البشر خلال ساعات، بينما تختفي أفكار أخرى في الهامش مهما كانت أهميتها.
وربما لو عاش الكواكبي بيننا اليوم لوجد نفسه أمام سؤال جديد لم يعرفه عصره:هل تكفي حرية التعبير إذا كانت هناك قوى أخرى تشارك في تحديد ما يستحق الانتباه؟أصبح الإنسان يواجه آلاف الرسائل يوميا، إلى درجة أن التحدي لم يعد في الوصول إلى المعرفة، بل في القدرة على التوقف أمامهاليبوفتسكي وعصر الإغراء الدائميرى الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي جيل ليبوفتسكي (1944-) أن الإنسان المعاصر يعيش في عالم تحكمه السرعة والإغراء والاستهلاك المستمر.
في هذا العالم لم تعد السلع وحدها تتنافس على جذب الإنسان، بل الأفكار أيضا.
وأصبح الانتباه نفسه سلعة نادرة.
كل فكرة مطالبة بأن تخطف انتباه القارئ خلال ثوان معدودة، وإذا فشلت في ذلك فإنها تدفن تحت جبال من المحتوى الجديد.
وهنا تظهر مفارقة لم يكن الكواكبي مضطرا إلى مواجهتها.
ففي عصره كانت المشكلة في الرقابة، أما في عصرنا فالمشكلة قد تكون في الوفرة المفرطة.
لقد أصبح الإنسان يواجه آلاف الرسائل يوميا، إلى درجة أن التحدي لم يعد في الوصول إلى المعرفة، بل في القدرة على التوقف أمامها.
ولعل هذا ما يجعل معركة العقل التي تحدث عنها الكواكبي أكثر تعقيدا مما كانت عليه في زمنه.
السؤال الذي طرحه بن نبي حول دور الأفكار في بناء الحضارات ما زال حاضرا بقوة في زمن الذكاء الاصطناعي والخوارزمياتكتب مالك بن نبي (1905-1973)، المفكر الجزائري وأحد أبرز منظري النهضة الحديثة: " المشكلة ليست في الأشياء بل في الأفكار.
"لم يكن يقصد التقليل من أهمية التكنولوجيا أو الاقتصاد أو الأدوات الحديثة، بل كان يؤكد أن الحضارات لا تبنى بالأدوات وحدها، وإنما بطريقة توظيفها.
واليوم تبدو هذه الفكرة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
فالتكنولوجيا نفسها يمكن أن تكون أداة لتحرير العقل، ويمكن أن تتحول إلى وسيلة لإغراقه بالتشتت.
والمنصات الرقمية نفسها يمكن أن توسع المجال العام، ويمكن أن تضيق أفقه.
ولهذا فإن السؤال الذي طرحه بن نبي حول دور الأفكار في بناء الحضارات ما زال حاضرا بقوة في زمن الذكاء الاصطناعي والخوارزميات.
هل تغير الاستبداد أم تغيرت أدواته؟ربما يكون من السهل القول إن عالمنا أكثر حرية من عالم الكواكبي.
ولعل ذلك صحيح في جوانب كثيرة.
لكن السؤال الذي يستحق التأمل ليس مقدار الحرية فقط، بل طبيعة السلطة نفسها.
فالسلطة لم تعد دائما ذلك الحاكم الذي يصادر الصحف ويمنع الكتب.
أحيانا تصبح سلطة أكثر نعومة وأقل ظهورا.
سلطة لا تمنعك من الكلام، بل تدعوك إلى الكلام باستمرار.
لا تمنعك من النشر، بل تشجعك عليه.
لكنها تشارك في الوقت نفسه في ترتيب أولوياتك وتوجيه انتباهك وإعادة تشكيل الأدوات المفاهيمية التي تنظر من خلالها إلى العالم.
بل: هل نحن أحرار في تشكيل وعينا؟لماذا نحتفي بالكواكبي اليوم؟لا نعود إلى الكواكبي لأننا نبحث عن أجوبة جاهزة، ولا لأننا نريد تحويله إلى تمثال جديد نضعه في متحف النهضة العربية.
نعود إليه لأن الأسئلة التي طرحها ما زالت حية.
لا نحتفي بالكواكبي لأنه ينتمي إلى الماضي، بل لأن أسئلته ما تزال تنتمي إلى المستقبللقد كان الكواكبي مشغولا بالعلاقة بين السلطة والعقل، وكان يدرك أن معركة الحرية تبدأ من الوعي قبل أن تصل إلى السياسة.
ولهذا فإن أهميته اليوم لا تكمن في أنه تحدث عن عصره فقط، بل في أنه ترك لنا أدوات تساعدنا على فهم عصرنا أيضا.
وربما لو عاد في ذكرى وفاته هذا العام، وفتح ذلك الحساب الرقمي الذي تخيلناه في بداية هذا المقال، فلن يسأل عن عدد متابعيه ولا عن عدد الإعجابات التي حصل عليها.
ربما سيتوقف أمام سؤال واحد فقط: هل ما زال العقل حرا؟ذلك أن أخطر أشكال الاستبداد ليست تلك التي تمنع الإنسان من التفكير، بل تلك التي تجعله يظن أنه يفكر بحرية كاملة، بينما يعاد تشكيل انتباهه وأولوياته ووعيه بصمت.
ولهذا لا نحتفي بالكواكبي لأنه ينتمي إلى الماضي، بل لأن أسئلته ما تزال تنتمي إلى المستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك