مونديال قطر وامتحان أمريكا: هل سقطت أسطورة الاحتكار الغربي للنجاح؟لم يكن مونديال قطر 2022 مجرد بطولة لكرة القدم، بل كان اختبارا عالميا لكثير من الأفكار المسبقة التي حكمت علاقة الغرب ببقية العالم لعقود طويلة.
فقد دخلت قطر البطولة وهي تواجه حجما من التشكيك والاتهامات والرقابة الإعلامية لم تواجهه دولة مضيفة من قبل، وكأن جزءا من العالم كان ينتظر الفشل أكثر مما كان ينتظر انطلاق المباريات.
قبل صافرة البداية بسنوات، تحولت قطر إلى قضية سياسية وإعلامية يومية.
كانت الصحف الغربية الكبرى تكتب عن المونديال أكثر مما تكتب عن كرة القدم نفسها، وكانت الشاشات تبحث في كل زاوية عن أزمة محتملة، وفي كل قرار عن خطأ متوقع، وفي كل تفصيلة عن دليل يدعم الرواية الجاهزة سلفا: دولة عربية لا يمكن أن تنجح في تنظيم كأس العالم.
لم يكن السؤال الحقيقي يومها يتعلق بالملاعب أو الفنادق أو البنية التحتية.
كان السؤال الأعمق الذي لم يطرح بصراحة هو: هل يحق للعرب أن ينجحوا أصلا؟بينما تستعد الولايات المتحدة لاستضافة كأس العالم 2026، بدأت تظهر تحديات ومشكلات تنظيمية تتعلق بالتأشيرات وإجراءات الدخول والتنقل واستقبال المشاركينذلك أن جزءا من العقل السياسي والإعلامي الغربي ما زال أسير تصور قديم يرى نفسه مركزا للعالم، ويرى أن الكفاءة والإدارة والتقدم صفات طبيعية لديه، بينما ينبغي على الآخرين أن يثبتوا جدارتهم بها في كل مرة من جديد.
لكن قطر فعلت ما هو أكثر إزعاجا من مجرد النجاح.
لقد نجحت رغم كل شيء.
نجحت في تنظيم بطولة شهد لها ملايين المشجعين، ونجحت في إدارة حدث عالمي معقد دون الفوضى التي توقعها كثيرون، ونجحت في تقديم صورة مختلفة عن العالم العربي لم يكن البعض يرغب أصلا في ظهورها.
فجأة اكتشف ملايين الزوار أن المنطقة التي صورت لهم لعقود باعتبارها فضاء للأزمات فقط، قادرة على تقديم واحدة من أكثر التجارب الرياضية نجاحا في التاريخ الحديث.
عندها حدث أمر لافت، إذ اختفت كثير من الأصوات التي كانت تتنبأ بالفشل، ولأن الوقائع كانت أقوى من السرديات المسبقة، لم يعد أمام البعض سوى الانتقال من التشكيك في إمكانية النجاح إلى التقليل من قيمة النجاح نفسه.
واليوم، بينما تستعد الولايات المتحدة لاستضافة كأس العالم 2026، بدأت تظهر تحديات ومشكلات تنظيمية تتعلق بالتأشيرات وإجراءات الدخول والتنقل واستقبال المشاركين.
ومن بين الوقائع التي أثارت الجدل قضية الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان، الذي كان سيصبح أول حكم صومالي يشارك في كأس العالم قبل أن يمنع من الدخول رغم استكمال إجراءاته الرسمية.
كما ظهرت شكاوى متعددة تتعلق بتعقيدات السفر والدخول التي واجهها بعض المشاركين والجماهير.
المثير للاهتمام ليس وجود هذه المشكلات بحد ذاته، فلا توجد دولة في العالم معصومة من الأخطاء، ولا توجد بطولة كبرى تخلو من التحديات التنظيمية.
المثير هو رد الفعل.
أين ذلك الغضب الإعلامي الذي رأيناه قبل مونديال قطر؟أين العناوين اليومية التي كانت تتحدث عن" كارثة تنظيمية" قبل حدوثها؟أين المحللون الذين أمضوا سنوات في التشكيك بقدرة دولة عربية على إدارة حدث عالمي؟الغرب الذي يقدم نفسه بوصفه حارس القيم العالمية لا ينجح دائما في تطبيق أبسط هذه القيم: المساواة في الحكم على الآخرينفجأة أصبح الخطاب أكثر هدوءا، وأكثر تفهما، وأكثر استعدادا للحديث عن التعقيدات الإدارية والظروف الاستثنائية.
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية: ليست مشكلة تنظيم، بل مشكلة معايير.
فعندما يخطئ الآخرون يصبح الخطأ تحديا يمكن تجاوزه، أما عندما يتعلق الأمر بالعرب أو الأفارقة، فإن الخطأ نفسه يتحول إلى دليل حضاري وثقافي على عدم الجدارة.
هذه الازدواجية ليست جديدة.
لقد رأيناها في السياسة والاقتصاد والإعلام، ونراها اليوم في الرياضة أيضا.
فالغرب الذي يقدم نفسه بوصفه حارس القيم العالمية لا ينجح دائما في تطبيق أبسط هذه القيم: المساواة في الحكم على الآخرين.
ولو طبق العالم المعايير نفسها التي فرضت على قطر قبل مونديال 2022 على الاستعدادات الحالية في الولايات المتحدة، لكانت عناوين الصحف مختلفة تماما، ولكانت الأسئلة أكثر حدة، ولكان التشكيك أكثر صخبا.
لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها أن مونديال قطر غير شيئا عميقا في الوعي العالمي.
لقد أثبت أن النجاح لم يعد حكرا على الغرب، وأن مراكز الكفاءة والقدرة على الإنجاز تتوسع في العالم بوتيرة أسرع مما ترغب بعض النخب التقليدية في الاعتراف به.
والأهم من ذلك أنه منح العرب ثقة جديدة بأنفسهم.
إذا كان النجاح نجاحا في الدوحة، فهو نجاح في أي مكان آخر.
وإذا كان التقصير يستحق النقد في الدوحة، فهو يستحق النقد في واشنطن أيضافبعد عقود طويلة كان ينظر فيها إلى المنطقة باعتبارها مجرد مستهلك للخبرة والتكنولوجيا والنماذج الإدارية القادمة من الخارج، جاءت التجربة القطرية لتقول إن العرب قادرون أيضا على إنتاج نماذج ناجحة وقابلة للإلهام.
ليس المطلوب هنا الادعاء بأن الغرب فشل وأن العرب نجحوا دائما، فهذه ليست لغة التحليل بل لغة الدعاية.
المطلوب فقط هو شيء أكثر بساطة وأكثر عدالة: أن يحاكم الجميع بالمعيار نفسه.
فإذا كان النجاح نجاحا في الدوحة، فهو نجاح في أي مكان آخر.
وإذا كان التقصير يستحق النقد في الدوحة، فهو يستحق النقد في واشنطن أيضا.
أما استمرار تقسيم العالم إلى شعوب يفترض نجاحها مسبقا وشعوب عليها أن تثبت أهليتها في كل مرة، فهو منطق لم يعد ينسجم مع حقائق القرن الحادي والعشرين.
لقد انتهى مونديال قطر، لكن درسه الأكبر ما زال قائما: المشكلة لم تكن يوما في قدرة العرب على النجاح، بل في استعداد بعض الآخرين للاعتراف بهذا النجاح عندما يحدث.
وهذا بالضبط ما جعل بطولة قطر حدثا يتجاوز كرة القدم، ليصبح لحظة كاشفة لاختبار أكبر: اختبار العدالة في النظر إلى العالم.
وفي هذا الاختبار، لم تكن قطر هي التي وضعت تحت المجهر وحدها، بل كانت المعايير الغربية نفسها هي التي تخضع للحكم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك