أعادت الأنباء المتداولة حول توجه الحكومة لزيادة رواتب الموظفين والمتقاعدين الذين تقل رواتبهم عن 600 دينار بمقدار 30 ديناراً شهرياً، النقاش حول العلاقة بين الأجور والتضخم والعدالة الاجتماعية والاستدامة المالية.
فالسؤال الحقيقي لا يتمثل في قيمة الزيادة بحد ذاتها، وإنما فيما إذا كانت هذه الزيادة قادرة على إعادة القوة الشرائية التي فقدها المواطن خلال السنوات الماضية، وفي الوقت ذاته، هل تستطيع الخزينة العامة تحمل كلفتها دون تعميق العجز والمديونية؟ اقتصادياً، فإن الحفاظ على القوة الشرائية للدخل يتطلب أن تنمو الأجور بالمعدل نفسه الذي ارتفع فيه المستوى العام للأسعار.
ويمكن التعبير عن ذلك بالمعادلة التالية: الزيادة المطلوبة = الراتب الحالي × معدل التضخم التراكمي.
وبناءً على البيانات الرسمية لمؤشر أسعار المستهلك خلال السنوات الأخيرة، فإن التضخم التراكمي منذ عام 2012 وحتى عام 2026 يقترب من 38%، أي أن المواطن الذي كان يحتاج إلى 100 دينار لشراء سلة معينة من السلع والخدمات قبل أربعة عشر عاماً يحتاج اليوم إلى نحو 138 ديناراً لشراء السلة نفسها.
وإذا طبقنا هذه النسبة على الرواتب، فإن الصورة تصبح أكثر وضوحاً: * راتب 300 دينار يحتاج إلى زيادة تقارب 114 ديناراً للمحافظة على قوته الشرائية.
* راتب 400 دينار يحتاج إلى زيادة تبلغ نحو 152 ديناراً.
* راتب 500 دينار يحتاج إلى زيادة تقارب 190 ديناراً.
* راتب 600 دينار يحتاج إلى زيادة تقارب 228 ديناراً.
وبالمقارنة مع زيادة مقدارها 30 ديناراً فقط، فإن نسبة التعويض الفعلية تتراوح بين 13% و26% فقط من مقدار التآكل الذي تعرضت له القوة الشرائية، ما يعني أن الزيادة المقترحة تخفف جزءاً محدوداً من آثار التضخم لكنها لا تعوضه بالكامل.
ومن زاوية أخرى، فإن منح مبلغ ثابت لجميع المستفيدين يخلق تفاوتاً في نسب الزيادة، حيث تبلغ الزيادة 10% لمن راتبه 300 دينار، وتنخفض إلى 5% فقط لمن راتبه 600 دينار، بينما التضخم أصاب الجميع تقريباً بالنسبة نفسها من حيث الأسعار.
وفي هذا السياق، يمكن تصنيف هذه الزيادة علمياً بأنها ليست "تصحيحاً كاملاً (catching up)” لتآكل القوة الشرائية، لأنها لا تعيد الأجور إلى مستواها الحقيقي قبل التضخم، بل تمثل "تعويضاً جزئياً انتقائياً” ذا طابع اجتماعي، يهدف إلى تخفيف الضغط المعيشي على الفئات الأقل دخلاً، دون أن يحقق استعادة كاملة للفجوة المتراكمة في الأجور الحقيقية.
ويعني ذلك أن الزيادة تقع ضمن نطاق الدعم الاجتماعي وليس ضمن نطاق إعادة هيكلة الأجور وفق مؤشر الأسعار.
إلا أن القضية لا تقف عند حدود العدالة الاجتماعية، بل تمتد إلى قدرة المالية العامة على تحمل هذه الكلفة.
فإذا افترضنا أن عدد الموظفين والمتقاعدين المستفيدين يبلغ 500 ألف شخص، فإن الكلفة السنوية للزيادة تساوي: 30 × 12 × 500000 = 180 مليون دينار سنوياً.
أما إذا بلغ عدد المستفيدين 700 ألف شخص فإن الكلفة ترتفع إلى نحو 252 مليون دينار سنوياً، وهي مبالغ كبيرة في ظل استمرار العجز المالي وارتفاع مستويات الدين العام.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي يتمثل في كيفية تمويل هذه الزيادة دون اللجوء إلى الاقتراض.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال حزمة متكاملة من الإجراءات، أهمها: أولاً: تعزيز مكافحة التهرب الضريبي والجمركي، حيث تشير العديد من الدراسات إلى أن تحسين كفاءة التحصيل يمكن أن يوفر مئات الملايين من الدنانير سنوياً دون فرض ضرائب جديدة.
ثانياً: إعادة هيكلة الإنفاق الجاري غير المنتج، وخفض النفقات الإدارية والتشغيلية التي لا تحقق قيمة مضافة للاقتصاد.
ثالثاً: مراجعة الإعفاءات الضريبية والجمركية غير المبررة اقتصادياً، وتوجيهها فقط للقطاعات ذات الأولوية.
رابعاً: تحسين أداء الشركات الحكومية والصناديق المستقلة وتعظيم توزيعات أرباحها للخزينة.
خامساً: تسريع برامج التحول الرقمي الحكومي، بما يخفض كلف التشغيل ويزيد كفاءة الإنفاق العام.
سادساً: توسيع القاعدة الضريبية من خلال تحفيز الاستثمار والنمو الاقتصادي ودمج الاقتصاد غير المنظم، بدلاً من زيادة الأعباء الضريبية على الملتزمين أصلاً.
كما يمكن اعتماد سياسة أكثر عدالة واستدامة تقوم على ربط الرواتب مستقبلاً بمعادلة تلقائية تعتمد على معدل التضخم السنوي، بحيث تتم مراجعة الأجور بصورة دورية، وهو النظام المعمول به في عدد من الاقتصادات المتقدمة للحفاظ على القوة الشرائية ومنع تراكم الفجوات بين الدخول والأسعار.
وفي المحصلة، فإن زيادة الثلاثين ديناراً تمثل خطوة إيجابية من الناحية الاجتماعية، لكنها لا تعوض التآكل الحقيقي الذي أصاب القوة الشرائية خلال السنوات الماضية، كما أن نجاحها يتوقف على قدرة الحكومة على توفير مصادر تمويل مستدامة بعيداً عن الاقتراض، لأن تمويل الزيادات بالدين العام يعني ببساطة تأجيل المشكلة إلى المستقبل وتحميل الأجيال القادمة كلفتها، بينما يبقى الحل الأكثر استدامة هو رفع الإنتاجية، وتحفيز النمو الاقتصادي، وتحسين كفاءة الإنفاق والإيرادات العامة، وربط الأجور بمؤشرات اقتصادية موضوعية تضمن العدالة والاستقرار المالي في آن واحد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك