في الأول من يونيو من كل عام حين تدق أجراس الذاكرة المصرية لتعلن حلول ذكرى رحلة العائلة المقدسة إلى أرضنا، لا ينبغي للمشهد أن يقتصر على بروتوكولات الاحتفال التقليدية، أو الكلمات الإنشائية المكررة عن مصر التي كانت دائما وأبدا واحة للأمن والأمان وموطنا للحضارات ومهدا للأديان، ليس هذا وحسب لأننا نكون كذلك أمام حدث جلل، صاغ جزءا جوهريا من الهوية المصرية القبطية، وترك بصماته الروحية والأثرية على امتداد ثلاثة آلاف وخمسمائة كيلومتر من جغرافيا الوطن، طافت خلالها العائلة المقدسة ربوع مصر من سيناء إلى الدلتا ووادي النطرون والمطرية، وعبرت النيل لتستكمل رحلتها في أعماق الصعيد.
إن القيمة الكبرى لهذه الرحلة الشاقة التي استمرت داخل الأراضي المصرية حوالي ثلاث سنوات ونصف، لا تكمن فقط في البعد الديني أو المعجزات التي صاحبتها؛ لكنها قامت كذلك بتحويل الجغرافيا المصرية إلى وعاء حضاري إنساني استثنائي، حيث تحولت إلى الجغرافيا إلى وثيقة تاريخية وجغرافية تمثل مادة خام فائقة القيمة صالحة لصناعة قوة ناعمة مصرية عابرة للحدود، ينبغي الإفادة منها بأقصى صورة ممكنة، على مستويات ثقافية وسياحية واقتصادية وسياسية كذلك.
وهو ما يجعل من التوجيهات السياسية لتطوير البنية التحتية والخدمية للمواقع الأثرية الخمسة والعشرين التي تشكل المسار ضرورة قومية آنية يجب العمل عليها الآن قبل غدا، وإذا كانت مصر قد سجلت الاحتفالات المصاحبة للرحلة ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لمنظمة اليونسكو في ديسمبر 2022 بعد سنوات طويلة من العمل على الملف، فإن أثر هذا التسجيل لم يظهر حتى الآن على الأرض، فتسجيل العناصر التراثية في المحافل الدولية ليس هدفا بحد ذاته، ولا هو شهادة مباهاة فلكلورية تُعلق على الحائط، لكنه التزام وطني يستلزم بالضرورة دعم ممارسة هذا التراث وتوسيعه وتعميقه داخل المجتمع كله بنشاط مجتمعي وثقافي مستدام ومتجدد، وهو ما لم يحدث بالقدر الذي يتناسب مع جلال الحدث وعالميته.
إن الفائدة الأهم والأبقى لممارسة هذه العناصر التراثية وإحيائها هي دعم الهوية والوعي الوطني، ذلك الدعم الذي يرسخ الثقة المجتمعية بالشخصية المصرية ووعيها بذاتها وبما تملكه من ثروات مادية وروحيّة، وهو أمر نحتاج إلى غرسه وتعميقه في نفوس أطفالنا، ولتكن ذكرى الرحلة أو الاحتفاء بها مناسبة حقيقية لكي ننشئ برامج احتفالية تفاعلية مبتكرة، يشارك فيها أطفالنا المصريون جميعا – وليس فقط المسيحيون – من أجل التعرف على الرحلة ومحطاتها وأماكنها، كما يجب أن يتجاوز الخطاب الثقافي والتعليمي الفكرة العامة الهلامية، لينفذ إلى تفاصيل الوعي المعرفي؛ فيعرف أبناؤنا الأطعمة والأشربة والملابس التي استخدمتها العائلة المقدسة في رحلتها، ووسائل النقل التي استقلتها، وآبار المياه وأنواع الأشجار التي شربوا منها واستظلوا بظلها، كشجرة بلبيس وشجرة مريم بالمطرية وشجرة اللبخ العابد بالمنيا.
نحتاج قبل المهرجانات الرسمية أن يعرف أبناؤنا أن كل عناصر تلك الرحلة هي جزء لا يتجزأ من تاريخنا القومي المشترك ووعينا الجمعي، وأن كل تفصيلة حولها يمكن إعادة صياغة الحكايات المصرية حولها لتصبح جزءا حيا من تكوينهم المعرفي.
من ناحية أخرى فإن هذا المسار يملك من المقومات ما يمكنه من مضاعفة النشاط السياحي المصري وضخ دماء جديدة في الاقتصاد القومي بشرط أن يتم تجاوز المفهوم الضيق للسياحة الدينية لتصل إلى تنمية المجتمعات المحلية والفقيرة والمهمشة بطول البلاد وعرضها، من خلال توفير فرص العمل المتناهية الصغر والصغيرة، وتدريب الصناع والحرفيين في المجتمعات المحلية على إنتاج سلع سياحية تراثية مستوحاة من تفاصيل الرحلة، وبدلاً من الاكتفاء بالزيارة العابرة، يمكن تحويل محطات المسار إلى مراكز صناعية وثقافية تصدر منتجاتها إلى الخارج.
ما نحتاجه إذن هو استراتيجية ثقافية مستدامة، تمتلك الرؤية والجرأة لتحويل مسار العائلة المقدسة من" ملف موسمي" يُفتح في ذكرى الرحلة ويُغلق بعدها، إلى مرتكز دائم من مرتكزات الهوية الوطنية، ومورد اقتصادي ضخم يضاعف النشاط السياحي، وقوة ناعمة حقيقية تخاطب وجدان أكثر من ملياري مسيحي حول العالم.
يطمحون لوضع أقدامهم على الأرض الطيبة التي قدمت الحماية واحتضنت العائلة المقدسة منذ وقت مبكر من التاريخ، الأرض التي قالت عنها السماء يوماً وبقيت النبوءة حية في وعينا: مبارك شعبي مصر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك