كانت" اللمة" في بيوتنا تعني صخباً دافئاً، وجدالاً يحيي الجدران، وتفاصيل صغيرة تُحكى فيُشفى بها الخاطر، اليوم، تبدلت الملامح، وجلست العائلة في غرفة واحدة، لكنها غرفة يسكنها الصمت، وتحولت جدران البيت الإسمنتية إلى جدران إلكترونية غير مرئية.
إننا نعيش اليوم ظاهرة" عزلة الشاشات المشتركة"، حيث يجلس الآباء والأبناء تحت سقف واحد، يتقاسمون الهواء والملح، لكنهم يفترقون في" الشبكات".
صرنا أجساداً متجاورة وأرواحاً متهاجرة، يجمعنا العشاء وتفرقنا" الشاشة"، لتتحول اللمة الدافئة إلى غياب جماعي أنيق، يقوده مستطيل ذكي صغير سرق منا أثمن ما نملك: الدفء البشري.
في تلك الصالة المضاءة بنور الهواتف الخافت، يغيب الحوار وتحضر" النوستالجيا" لزمن كان فيه التلفزيون الواحد يجمعنا، والمسلسل الواحد يوحد مشاعرنا.
الآن، لكل فرد في الأسرة شاشته الخاصة، وعالمه الافتراضي المنعزل؛ فالأب يتابع الأخبار في صمت، والأم تائهة في عالم الطبخ أو العلاقات الاجتماعية، والابن يبحر في دهاليز الألعاب الإلكترونية، بينما الابنة غارقة في" ستوريات" إنستجرام.
إنهم يبدون كفريق عمل واحد، لكن كل منهم يقرأ من كتاب مختلف، المفارقة الساخرة هنا، أننا أصبحنا نتواصل مع الغرباء عبر القارات بلمسة زر، بينما نعجز عن تبادل كلمة طيبة مع القريب الذي يتنفس بجوارنا على ذات" الكنبة"، لقد نجحت التكنولوجيا في تقريب البعيد، لكنها تفوقت في إبعاد القريب.
هذا الانفصال الشعوري الصامت، ترك ندوباً عميقة في جسد الأسرة، فالأبناء لم يعودوا يتعلمون الأصول والحديث من شفاه آبائهم، بل من شاشات لا مشاعر لها.
والآباء فقدوا" صلاحية الإرشاد" بعد أن سحب الهاتف البساط من تحت أرجلهم، تحول البيت من ملجأ للسكينة والدعم النفسي، إلى مجرد" فندق" ينام فيه النزلاء ويسددون فواتير الإنترنت ليواصلوا غيبوبتهم الاختيارية.
الأمان الأسري صار يُقاس بقوة" الواي فاي" لا بقوة الروابط، وصارت لغة العيون مفقودة، بعد أن انحنت الرؤوس إجلالاً للهواتف، وكأننا في طقس عبادة جماعي لآلات صماء.
إنها دعوة ملحة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإعلان" هدنة رقمية" داخل بيوتنا، نحتاج أن نغلق الشاشات لنفتح القلوب، ونقطع الاتصال بالإنترنت لنصل ما انقطع من حبال الود الإنساني.
الأيام تمر، والوجوه التي تجلس بجوارنا اليوم قد لا تكون هنا غداً، والرسائل المؤجلة على شاشات الهاتف لن تعوض أبداً نظرة عين أو لمسة يد أو ضحكة صافية تخرج من القلب لتنير زوايا البيت، فلنكسر هذا الصمت المطبق، قبل أن نكتشف يوماً أننا عشنا مع أغراب، لم يجمعنا بهم سوى عنوان على بطاقة الرقم القومي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك