العربي الجديد - خلل تقني يربك أكبر بنك خاص في تونس.. سحوبات غير مبررة تثير القلق العربي الجديد - فيفا يكشف السعة الجماهيرية الرسمية لملاعب مونديال 2026 وكالة الأناضول - بأول رحلة مباشرة.. وصول سفينة شحن من تركيا إلى ميناء الصومال التلفزيون العربي - أهداه القميص الجديد.. مانشستر سيتي يحتفي بمشجعه المصري "صاحب مهارات التنس" العربي الجديد - التشيك في مونديال 2026.. صاحب الإنجازين التاريخيين يعود بعد 20 عاماً الجزيرة نت - نازحو لبنان يحولون مراكز النزوح إلى مسارح تجسد مأساة التهجير الجزيرة نت - مسؤول في إدارة أوباما للجزيرة: الاتفاق مع إيران على الطاولة وإسرائيل تعرقله العربي الجديد - من شاشة الفقراء إلى منجم المليارات... قصة تضخم حقوق بث كأس العالم التلفزيون العربي - بين الميدان والتفاوض.. لبنان الرسمي يتمسك بمسار واشنطن قناة الجزيرة مباشر - Via interactive map.. The Israeli army announces its operational control over Wadi Salouqi
عامة

حرب إيران وتغيير موازين القوى

الوطن
الوطن منذ 1 ساعة
1

تتسبب تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الحرب على إيران في إرباك المحللين السياسيين والاستراتيجيين على مستوى العالم. فهو يعلن مرارًا أن إيران تلقت ضربة قاصمة وأن قدراتها العسكرية تعرضت لتدمير ...

تتسبب تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الحرب على إيران في إرباك المحللين السياسيين والاستراتيجيين على مستوى العالم.

فهو يعلن مرارًا أن إيران تلقت ضربة قاصمة وأن قدراتها العسكرية تعرضت لتدمير واسع.

في الوقت نفسه تتوالى التقارير عن هجمات إيرانية تستهدف مواقع وقواعد أمريكية، وعن قدرة إيران على خوض جولات جديدة من التصعيد العسكري.

وفي ذات الوقت يدور الحديث عن مفاوضات تتقدم يومًا وتتراجع أيامًا.

بين الخطاب السياسي والواقع الميداني تتردد الأسئلة: إذا كانت الحرب انتهت بالفعل، فلماذا يستمر القتال؟ إذا كانت إيران سُحقت عسكريًا، فمن أين تأتي قدرتها على الرد؟ وإذا كانت المفاوضات على وشك الوصول إلى اتفاق نهائي، فلماذا تستمر لغة النار في فرض نفسها على لغة الدبلوماسية؟إذا كان الأمريكيون ومعهم إسرائيل قدروا ضربات قليلة للقضاء على قوة إيران ونظامها السياسي، بينما استمرت الحرب لأكثر من 100 يوم حتى الآن، فإن هذا يؤكد أن نتائج الحروب الحديثة لا تُقاس بعدد الطائرات التي أُسقطت أو المنشآت التي دُمِّرت، بل بالقدرة على فرض إرادة سياسية على الخصم.

التاريخ مليء بقوى عظمى حققت تفوقًا عسكريًا هائلًا لكنها عجزت عن تحويل هذا التفوق إلى انتصار سياسي دائم.

عندما اتخذت واشنطن وتل أبيب قرار ضرب إيران، بدا الأمر للكثير من المراقبين أشبه بعملية عسكرية محسوبة النتائج سلفًا.

الفارق الهائل في القدرات الجوية والتكنولوجية والاقتصادية كان يوحي بأن الجمهورية الإسلامية ستجد نفسها عاجلًا أو آجلًا أمام خيارين لا ثالث لهما: الاستسلام أو الانهيار تحت وطأة الضربات المتلاحقة.

كانت التقديرات السائدة تتحدث عن حرب قصيرة، وربما قصيرة جدًا، تنتهي خلال أسابيع وربما أيام بإعادة رسم قواعد اللعبة في الشرق الأوسط.

لكن التاريخ العسكري مليء بأمثلة لحروب دخلها أحد الأطراف أو جميع الأطراف وهو يعتقد أن النصر سيكون سريعًا وحاسمًا، ثم تحولت إلى حروب استنزاف طويلة ومكلفة.

أشهر هذه الأمثلة الحرب العالمية الأولى.

في صيف عام 1914 كانت العواصم الأوروبية تعتقد أن الحرب ستنتهي خلال أسابيع أو أشهر قليلة.

كانت الجماهير تودع الجنود على أساس أنهم سيعودون قبل عيد الميلاد.

لكن الحرب استمرت أكثر من 4 سنوات وتحولت إلى واحدة من أكثر الحروب دموية في التاريخ، ونتج عنها سقوط إمبراطوريات ضخمة: الألمانية، والنمساوية المجرية، والعثمانية.

ومن الأمثلة المهمة الحرب الكورية في بداية خمسينيات القرن العشرين، عندما دخلت أمريكا الحرب عام 1950 اعتقد كثير من القادة العسكريين أن قوات كوريا الشمالية ستنهار بسرعة.

وبعد نجاح الإنزال في إنشون بدا النصر قريبًا، لكن دخول الصين قلب الموازين وتحولت الحرب إلى استنزاف استمر 3 سنوات وانتهى تقريبًا عند خطوط القتال نفسها التي بدأت منها.

أما حرب فيتنام فهي مثال كلاسيكي على الفجوة بين التفوق العسكري والحسم السياسي.

امتلكت أمريكا تفوقًا جويًا وتقنيًا ساحقًا على قوات فيتنام الشمالية، وكان الاعتقاد السائد أن الضغط العسكري سيجبرهم على الاستسلام.

لكن الحرب امتدت قرابة 20 عامًا من التدخل الأمريكي المتصاعد، وانتهت بانسحاب واشنطن رغم تفوقها العسكري الهائل.

وكذلك كانت الحرب الأمريكية على أفغانستان وفي العراق.

والملاحظ أن العامل المشترك بين كل هذه الحروب هو أمريكا التي كانت دومًا الطرف البادئ بالحرب وتدمير الدول.

وكذلك كانت التقديرات الغربية والروسية في الأيام الأولى للحرب على أوكرانيا، إذ كانت التوقعات أن تُحسم المعركة خلال أسابيع.

لكنها امتدت لأكثر من 4 سنوات وتحولت إلى واحدة من أكبر حروب الاستنزاف في أوروبا.

الدرس أن القادة العسكريين يميلون إلى حساب ميزان القوة المادية للجيوش: عدد الطائرات، والدبابات، والصواريخ، والجنود.

لكنهم يقللون من الإرادة السياسية للشعوب، والقدرة على التحمل، والعمق الجغرافي، والدعم الشعبي للنظام، وإمكانية تكيف الخصم مع الضربات الأولى.

في هذا قال المؤرخ العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز عبارة شهيرة: «في الحرب، أبسط الأمور تصبح شديدة الصعوبة».

فكثير من الحروب تبدأ بخطط قصيرة وتنتهي بواقع مختلف تمامًا عما تخيله صانعو القرار عند انطلاقها.

لذلك قد يكون من الخطأ في قراءة الصراع الحالي النظر إليه باعتباره مواجهة بين قوة عظمى ودولة إقليمية.

فالحرب في جوهرها صراع بين نموذجين مختلفين تمامًا لفهم القوة.

أمريكا تعتمد على التفوق التكنولوجي والضربات الدقيقة والسيطرة الجوية والاقتصادية، بينما تعتمد إيران على مبدأ مختلف يقوم على الاستنزاف الطويل، وامتصاص الصدمات، وتوسيع ساحات المواجهة، وتحويل الزمن إلى سلاح استراتيجي.

راهنت واشنطن على أن الضربات المكثفة ستدفع طهران إلى التراجع سريعًا.

لكن إيران تعاملت مع الحرب بوصفها معركة وجود، لا مجرد مواجهة عسكرية محدودة.

عندما تنظر دولة إلى الحرب باعتبارها معركة وجود، فإن حساباتها تختلف جذريًا عن حسابات خصومها.

تصبح الخسائر مقبولة مهما تعاظمت ما دام الكيان السياسي قائمًا، ويصبح الصمود بحد ذاته شكلًا من أشكال الانتصار.

لهذا لم يعد السؤال: كم خسرت إيران؟ بل أصبح: لماذا لم تنهَر رغم كل ما خسرته؟إن استمرار إيران في القتال بعد 100 يوم، مع احتفاظها بقدرة على الرد وإيذاء خصومها، يمثل بحد ذاته تطورًا استراتيجيًا مهمًا.

فالحروب لا تصنعها القوة فقط، بل تصنعها أيضًا الإرادة السياسية والقدرة على التحمل.

وكلما طال أمد الصراع دون حسم، تآكلت الرواية الأصلية التي بُنيت عليها الحرب بوصفها عملية خاطفة ومحدودة النتائج.

وهنا يُطرح سؤال جوهري: هل تتحول إيران من دولة إقليمية كبرى إلى قطب استراتيجي مهيمن في الشرق الأوسط؟قد يبدو السؤال مبالغًا فيه، لكن التاريخ يروي لنا أن المكانة الدولية لا تُصنع فقط بالانتصارات الساحقة، بل تُصنع أيضًا بالصمود في وجه قوى أكبر.

فبعد حرب عام 1956 خرجت مصر أكثر نفوذًا رغم حجم الخسائر العسكرية، لأن قدرتها على الصمود أعادت تشكيل صورتها السياسية.

وبعد الحرب الكورية خرجت كوريا الشمالية دولة مدمرة، لكنها رسخت وجودها باعتبارها حقيقة جيوسياسية لا يمكن تجاوزها.

وإيران تدرك هذه الحقيقة جيدًا.

لذلك فإن هدفها الأعمق قد لا يكون الانتصار العسكري التقليدي، بل فرض الاعتراف بها باعتبارها مركزًا دائمًا للقوة في المنطقة، لا يمكن عزلها ولا تجاوزها ولا إعادة تشكيل الشرق الأوسط من دون أخذ مصالحها بعين الاعتبار.

في هذا السياق يعود إلى الواجهة البعد التاريخي والفكري الذي رافق المشروع الإيراني منذ قيام الجمهورية الإسلامية.

داخل العقل السياسي الإيراني توجد دائمًا فكرة استعادة دور حضاري وتاريخي أوسع من حدود الدولة القومية الحديثة.

ليست القضية مجرد نفوذ سياسي أو عسكري، بل شعور راسخ بأن إيران وريثة واحدة من أقدم الحضارات في العالم، وأن لها حقًا طبيعيًا في لعب دور قيادي في محيطها.

لهذا السبب يستحضر البعض المقولة المنسوبة إلى الإمام الخميني حول تعاقب المراحل التاريخية التي قاد فيها العرب العالم الإسلامي قرونًا طويلة، ثم الأتراك قرونًا أخرى، وأن الزمن قد يفتح المجال أمام مرحلة فارسية جديدة.

سواء كانت هذه الرؤية واقعية أو طموحًا أيديولوجيًا، فالمؤكد أن الحرب الحالية تمنح إيران فرصة لمحاولة تقديم نفسها باعتبارها المرشح الأبرز لقيادة توازنات إقليمية جديدة إذا خرجت من المواجهة محتفظة بقدرتها على التأثير.

لكن ربما يكون التأثير الأكبر للحرب ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل في النظام العالمي كله.

فالاستراتيجية الأمريكية خلال العقد الأخير كانت تتجه بصورة متزايدة نحو آسيا والمحيط الهادئ.

وكانت الصين تُعرَّف في الوثائق الاستراتيجية الأمريكية باعتبارها المنافس الرئيسي للقرن الحادي والعشرين، بينما كانت روسيا يُنظر إليها بوصفها القوة القادرة على تحدي النظام الغربي في أوروبا وأوراسيا.

وكانت الفكرة الأساسية تقوم على تركيز الموارد الأمريكية لمواجهة هذين التحديين الكبيرين.

لكن الشرق الأوسط يملك خاصية فريدة: إنه يبتلع اهتمام القوى الكبرى كلما ظنت أنها غادرته.

فكل صاروخ يسقط في الخليج، وكل أزمة طاقة محتملة، وكل تهديد للممرات البحرية، يعيد أمريكا إلى المنطقة، وهي التي حاولت مرارًا تخفيض انخراطها فيها.

ومن هذه الزاوية يمكن القول إن استمرار الحرب يخدم مصالح موسكو وبكين اللتين تراقبان انشغال واشنطن واستنزاف جزء من طاقتها السياسية والعسكرية والاقتصادية.

المعركة الدائرة اليوم أكثر من مجرد حرب بين أمريكا وإيران.

إنها اختبار لقدرة أمريكا على إدارة عدة جبهات استراتيجية في وقت واحد، واختبار لقدرة إيران على تحويل صمودها العسكري إلى مكاسب سياسية، واختبار لمستقبل الشرق الأوسط نفسه بين سيناريوهات متنافسة تسعى جميعها إلى تشكيل القرن الجديد.

الحقيقة الأهم أن الشرق الأوسط يقف اليوم عند لحظة تاريخية نادرة، لا يتحدد فيها مصير دولة واحدة أو نظام واحد، بل يُعاد فيها اختبار موازين القوة التي حكمت المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة.

وإذا كان القرن العشرون شهد صعود قوى وسقوط أخرى، فإن ما يجري اليوم بداية الفصل الأول من إعادة توزيع النفوذ في القرن الحادي والعشرين.

فأي شرق أوسط سيولد منها عندما تنتهي؟

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك