طرابلس – «القدس العربي»: أعاد قرار الاتحاد الأوروبي توسيع مهام عملية «إيريني» البحرية ورد الفعل الروسي الرافض تسليط الضوء مجدداً على مستقبل المهمة الأوروبية العاملة قبالة السواحل الليبية، وذلك بعد أسابيع من انتهاء التفويض الأممي الذي كان يمنحها صلاحية تفتيش السفن المشتبه في انتهاكها حظر الأسلحة المفروض على ليبيا.
وفي وقت تتجه فيه بروكسل إلى منح العملية أدواراً جديدة تتجاوز الملف الليبي، تثار تساؤلات بشأن طبيعة عملها خلال المرحلة المقبلة وانعكاس ذلك على الترتيبات الأمنية في البحر المتوسط.
وأعلنت روسيا رفضها قرار الاتحاد الأوروبي توسيع نطاق عمل «إيريني» ليشمل التعامل مع السفن المرتبطة بما تصفه بروكسل بـ«أسطول الظل» الروسي، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل تهديداً للأمن البحري وانتهاكاً للقانون الدولي.
وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، إن مصطلح «أسطول الظل» أو «أسطول الشبح» لا يستند إلى أي أساس قانوني، متهمة الاتحاد الأوروبي بممارسة الترهيب ضد السفن المدنية، ومؤكدة أن موسكو ستستخدم جميع الوسائل السياسية والقانونية وغيرها لحماية مصالح مالكي السفن ووكلاء الشحن.
وجاء الموقف الروسي عقب إعلان مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، أن الدول الأعضاء سمحت للسفن البحرية المشاركة في عملية «إيريني» بالصعود إلى متن السفن المشتبه بها في البحر المتوسط، في إطار جهود تهدف إلى الحد من قدرة روسيا على تمويل عملياتها العسكرية في أوكرانيا.
وبينما تركز بروكسل على مواجهة الأنشطة البحرية المرتبطة بموسكو، فإن التطورات الأخيرة تتقاطع مع الملف الليبي الذي شكل الهدف الأساسي لإنشاء العملية الأوروبية عام 2020، تنفيذاً لمخرجات مؤتمر برلين الرامية إلى مراقبة تنفيذ حظر الأسلحة المفروض من الأمم المتحدة على ليبيا.
وتأتي هذه التطورات بعد انتهاء سريان القرار 2292 الصادر عن مجلس الأمن الدولي عام 2016، والذي منح العملية الأوروبية صلاحية تنفيذ عمليات التفتيش القسري للسفن المشتبه في خرقها حظر الأسلحة.
ولم تتقدم الدول الأوروبية بمشروع قرار جديد لتجديد التفويض قبل انتهاء مدته في 24 أيار/ مايو الماضي، ما أنهى الغطاء الأممي الخاص بإجراءات التفتيش في أعالي البحار، رغم استمرار نظام العقوبات المفروض على ليبيا بموجب القرار 1970 الصادر عام 2011.
وكشف مصدر دبلوماسي فرنسي أن قرار عدم التجديد جاء بعد مشاورات مع الجانب الليبي، مشيراً إلى أن الاتحاد الأوروبي اتجه إلى تعديل مهام «إيريني» بما يتوافق مع مصالحه الأمنية في وسط البحر الأبيض المتوسط.
وأكد المصدر أن انتهاء التفويض الخاص بالتفتيش لا يعني إنهاء حظر الأسلحة المفروض على ليبيا، إذ لا يزال نظام العقوبات الأممي قائماً، كما أن القرار 2819 الخاص بمكافحة الصادرات غير المشروعة للنفط الليبي يستمر العمل به حتى آب/ أغسطس 2027.
وفي موازاة ذلك، واصلت عملية «إيريني» أنشطتها المتعلقة بالمراقبة وجمع المعلومات، رغم انتهاء الصلاحيات الخاصة بالتفتيش القسري.
وأظهر التقرير العملياتي للبعثة الأوروبية لشهر أيار/ مايو الماضي تنفيذ 563 عملية استفسار لاسلكي للسفن التجارية في وسط البحر المتوسط، إلى جانب رصد 80 رحلة جوية وصفت بالمشبوهة.
كما تابعت العملية حركة 25 مطاراً ومهبطاً للطائرات و16 ميناء ومحطة نفطية مرتبطة بالتدفقات التجارية واللوجستية الليبية، ونفذت عملية تحقق من علم إحدى السفن، إضافة إلى تسع زيارات رضائية لسفن تجارية بموافقة قادتها.
ووفقاً للبيانات الصادرة عن البعثة، فقد نفذت «إيريني» منذ انطلاقها أكثر من 24 ألف عملية استجواب لاسلكي، ونحو 800 زيارة بالتراضي على متن السفن، ورصدت 2747 رحلة جوية مشبوهة، كما أحالت 92 تقريراً إلى الجهات الأوروبية والأممية المختصة.
وكان الاتحاد الأوروبي قد قرر في مارس 2025 تمديد ولاية العملية حتى 31 آذار/ مارس 2027، مع توسيع نطاق مهامها لتشمل ما يعرف بالوعي الظرفي البحري، وحماية البنية التحتية الحيوية، وإعداد خطط الطوارئ، وجمع المعلومات المتعلقة بالأنشطة غير القانونية المحتملة في البحر المتوسط.
كما تواصل العملية الأوروبية التعاون مع المؤسسات الليبية المعنية بالأمن البحري ومراقبة الحدود وعمليات البحث والإنقاذ، من خلال اجتماعات دورية ومؤتمرات مرئية تجمع اللجنة العسكرية المشتركة “5+5” وعدداً من المؤسسات الليبية مع ممثلين عن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.
وكانت عملية «إيريني» قد أطلقت في 31 آذار/ مارس 2020 خلفاً لعملية «صوفيا»، بهدف المساهمة في تنفيذ حظر الأسلحة المفروض على ليبيا، باستخدام الوسائل البحرية والجوية والأقمار الصناعيومنذ ذلك الحين، تحولت العملية إلى إحدى الأدوات الأوروبية الرئيسية لمتابعة الأنشطة البحرية المرتبطة بالملف الليبي، قبل أن تبدأ خلال الفترة الأخيرة في اكتساب أدوار إضافية مرتبطة بالأمن البحري الأوروبي والتحركات الروسية في البحر المتوسط.
ويشير تزامن انتهاء التفويض الأممي الخاص بالتفتيش مع توسيع اختصاصات العملية الأوروبية إلى مرحلة جديدة في مسار «إيريني»، حيث يبدو أن أولويات الاتحاد الأوروبي باتت تتجاوز مراقبة حظر الأسلحة على ليبيا نحو أدوار أمنية أوسع، وهو تحول يضع المهمة أمام تحديات قانونية وسياسية جديدة، في وقت تواصل فيه ليبيا حضورها كإحدى الساحات الرئيسية المرتبطة بالتحركات الأوروبية في المتوسط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك